أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و الأردن و السعودية و الكويت – مقال رأي















المزيد.....

المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و الأردن و السعودية و الكويت – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 12:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست أزمة المواطنة في العراق أزمة شعارات. فالكلمات موجودة في الدستور، و في المناهج، و في الخطب الرسمية، و في المناسبات الوطنية. لكن المشكلة أن المواطنة، في معناها العملي، ما زالت مؤجلة. المواطن لا يشعر دائماً أنه طرف أصيل في العقد الاجتماعي، بل يشعر غالباً أنه فرد مكشوف، عليه أن يدير حياته بحذر، و أن يحمي نفسه بنفسه، و أن يبحث عن منفذ خاص قبل أن يطرق الباب العام. لذلك لا يفكر العراقي في كثير من الأحيان بمنطق المواطن الواثق، بل بمنطق الفرد الخائف الذي تعلّم أن الدولة قد لا تأتي في الوقت المناسب.
المواطنة لا تعني حمل الجنسية فقط. هذا هو معناها الأدنى. أما معناها الحقيقي فهو الشعور بأن القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع، و أن الخدمة العامة لا تحتاج إلى واسطة، و أن الكرامة لا تتغير بحسب الاسم أو المنطقة أو الانتماء أو القرب من مركز النفوذ. حين يضعف هذا الشعور، يصبح المواطن حاضراً في الأوراق و غائباً في الواقع. عندها تتحول الدولة من فضاء مشترك إلى شبكة مسارات غير متساوية، و يبدأ الإنسان بالتصرف لا بوصفه عضواً في جماعة سياسية، بل بوصفه ناجياً فردياً داخل نظام لا يثق به تماماً.
الخوف هنا ليس انفعالاً عابراً. إنه خبرة اجتماعية متراكمة. العراقي الذي عاش اضطراب الدولة، و تبدل قواعدها، و ضعف الخدمات، و اتساع الفساد، لم يتعلم المواطنة من الكتب فقط، بل تعلم أيضاً أن الحقوق قد تتأخر، و أن العدالة قد تحتاج إلى سند، و أن القانون قد يكون قوياً على الضعيف و متردداً أمام القوي. هذه الخبرة تصنع نفسية عامة تميل إلى التحسب، و تجعل السؤال الأول عند كثيرين ليس: ما حقي؟ بل: من يستطيع مساعدتي؟ و الفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يبني مواطناً، أما الثاني فيعيد إنتاج الزبون و التابع و الخائف.
و عند المقارنة مع دول الجوار، تظهر المشكلة العراقية بصورة أوضح. تركيا، على سبيل المثال، ليست نموذجاً مثالياً في السياسة أو الحريات، و هي تعاني بدورها من استقطاب داخلي و من تراجع في بعض مؤشرات الشفافية. لكنها، في الحياة اليومية، نجحت بدرجة معتبرة في جعل المواطن يتعامل مع بلديات و خدمات إلكترونية و مؤسسات أكثر قابلية للتوقع. المواطن التركي قد يختلف مع السلطة، و قد ينتقد الاقتصاد، و قد يشعر بضغط سياسي أو معيشي، لكنه غالباً يعرف أين يذهب لإنجاز معاملة، و ما الوثيقة المطلوبة، و ما المسار الإداري المتوقع. هذه البساطة اليومية تصنع نوعاً من الثقة العملية، حتى حين لا تكون الديمقراطية مكتملة.
أما إيران فتقدم حالة مختلفة. الدولة هناك قوية و مركزية و حاضرة في تفاصيل الحياة، لكنها لا تنتج بالضرورة مواطناً واثقاً بالمعنى الحر للمواطنة، بل تنتج في جوانب كثيرة فرداً متحفظاً أمام سلطة واسعة الحضور. الفرق مهم جداً. فوجود دولة قوية لا يعني تلقائياً وجود مواطنة ناضجة. قد تكون الدولة قادرة على الضبط و التعبئة و فرض النظام، لكنها لا تمنح الفرد بالضرورة إحساساً آمناً بالمشاركة و الاعتراض و المساواة. لذلك لا ينبغي للعراق أن يبحث عن نموذج دولة صلبة فقط، بل عن دولة عادلة، يمكن الوثوق بها لا الخوف منها.
الأردن يقدم مقارنة ثالثة. الاقتصاد الأردني محدود، و البطالة مرتفعة، و الواسطة ليست غائبة عن الحياة اليومية. و مع ذلك، تبدو مؤسسات الدولة أكثر انتظاماً و قابلية للتوقع في قطاعات متعددة. هذه المقارنة مهمة لأنها تنزع الحجة السهلة التي تربط أزمة المواطنة بالمال وحده. قد تكون الموارد محدودة، لكن الإدارة أكثر انضباطاً؛ و قد تكون الفرص قليلة، لكن مسار الدولة أكثر وضوحاً. المواطن هنا لا يعيش مواطنة كاملة، لكنه غالباً يتعامل مع دولة لها قواعد مستقرة نسبياً.
السعودية تضيف درساً آخر. نموذج المواطنة هناك لا يقوم أساساً على المشاركة السياسية الواسعة، بل على علاقة دولة مركزية قوية بمواطن يتلقى خدمات متزايدة التنظيم، خصوصاً مع توسع التحول الرقمي و تحسين الخدمات الحكومية. في السعودية، قد تكون المواطنة أقرب إلى نموذج الكفاءة الإدارية و الرعاية و الانضباط العام، لا إلى نموذج المشاركة السياسية المفتوحة. و هذا يبيّن أن المواطن قد يشعر بثقة خدمية عالية تجاه الدولة، حتى عندما تكون مساحة الاعتراض السياسي محدودة. إنها مواطنة خدماتية أكثر منها مواطنة تداولية، لكنها في الحياة اليومية تقلل كثيراً من حاجة الفرد إلى الواسطة و الالتفاف على المؤسسة.
الكويت، بالمقابل، تقدم نموذجاً خليجياً مختلفاً. فهي دولة ريعية ذات برلمان و حياة سياسية أكثر حضوراً من معظم دول الخليج، و المواطن الكويتي يمتلك شعوراً أوضح بالحق في المساءلة و النقاش العام و الاستفادة من موارد الدولة. لكن هذا النموذج ليس خالياً من الإشكال. فالمواطنة قد تتحول أحياناً إلى علاقة امتيازات و توزيع و مطالبات فئوية، لا إلى علاقة إنتاج و مسؤولية عامة. كما أن وجود أعداد كبيرة من المقيمين و قضية عديمي الجنسية يضع سؤال المواطنة في الكويت أمام مفارقة واضحة: مواطن يتمتع بسقف حقوق و رعاية مرتفع، و فئات أخرى تعيش على هامش هذا العقد.
هنا تكمن مشكلة العراق. فهو لا يمتلك انتظام تركيا الإداري، و لا مركزية إيران الصلبة، و لا استقرار الأردن المؤسسي النسبي، و لا كفاءة السعودية الخدمية المتسارعة، و لا وضوح العقد الريعي الكويتي بين الدولة و المواطن. العراق يمتلك عناصر من كل شيء، لكنه لا يحوّلها إلى نظام متماسك. لديه موارد، لكنه لا يحولها دائماً إلى خدمات. لديه دستور، لكنه لا يحوله دائماً إلى مساواة. لديه انتخابات، لكنها لا تنتج بالضرورة ثقة. و لديه مجتمع شديد الحيوية، لكنه غالباً يستهلك طاقته في الدفاع عن نفسه بدلاً من بناء مجال عام مشترك.
الفساد، في أثره العميق، لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق الإحساس بالمساواة. هو يقول للمواطن، بطريقة غير مباشرة، إن الطريق النظامي ليس دائماً الطريق الأقصر، و إن صاحب الحق قد يحتاج إلى أكثر من الحق لكي يصل. هنا تتراجع المواطنة، لا لأنها فكرة ضعيفة، بل لأن البيئة اليومية تعاقب من يثق بها أكثر مما تكافئه. و عندما يتكرر ذلك لسنوات، يتحول الشك إلى عادة، و تصبح الواسطة جزءاً من الثقافة العملية لا مجرد انحراف أخلاقي.
المفارقة أن العراقي كفرد يملك حساً عالياً بالانتماء، لكنه انتماء مثقل بالخوف. يحب البلد، لكنه لا يطمئن دائماً إلى الدولة. يفتخر بالهوية الوطنية، لكنه يلجأ عند الشدة إلى العائلة أو العشيرة أو الحزب أو المعارف. هذه ليست إدانة أخلاقية للمجتمع، بل توصيف لآلية دفاع. عندما لا تكون المؤسسة كافية، تتمدد الروابط البديلة. و عندما تتكرر التجربة، تتحول الآلية المؤقتة إلى ثقافة مستقرة. عندها لا يعود الفرد يسأل كيف نصلح المؤسسة، بل كيف أتدبر أمري خارجها.
برأيي المتواضع، فإن العراقي لن ينتقل من منطق الفرد الخائف إلى منطق المواطن الواثق إلا عندما يرى أن الدولة قادرة على حمايته من دون إذلال، و خدمته من دون واسطة، و محاسبته من دون انتقائية. الدرس من تركيا أن الخدمة اليومية المنظمة تصنع ثقة عملية. و الدرس من إيران أن قوة الدولة وحدها لا تكفي إن لم تقترن بالحرية و العدالة. و الدرس من الأردن أن محدودية الموارد لا تمنع بناء قدر معقول من الانتظام المؤسسي. و الدرس من السعودية أن الإدارة الرقمية و كفاءة الخدمة يمكن أن تغير علاقة المواطن بالدولة بسرعة. أما الدرس من الكويت فهو أن الرعاية و التمثيل لا يكفيان إذا تحولت المواطنة إلى امتيازات لا إلى مسؤولية عامة. أما درس العراق الأهم فهو أن المواطنة لا تولد من الخطب، بل من تجربة يومية يشعر فيها الإنسان أن الدولة ليست خصماً يحتاج إلى التحايل عليه، بل إطاراً عادلاً يمكن الاعتماد عليه.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- هيلاري كلينتون: ترشح جو بايدن لولاية ثانية كان خطأً فادحًا
- إيران تطلب انسحاب إسرائيل من لبنان كجزء من الاتفاق مع أمريكا ...
- سوريا وحزب الله في تصريحات لافتة لترامب: إشادة باتفاق إيران. ...
- الصليب الأحمر: ذروة إيبولا في الكونغو لم تُحسم بعد وجهود الم ...
- مسيّرات مفخخة وقنّاصة.. كيف أُحبط مخطط لاستهداف البيت الأبيض ...
- -حرب الذكاء الاصطناعي بدأت-.. انتقادات أوروبية لقيود إدارة ت ...
- المستشار الألماني يهدي ترامب قميص ألمانيا: -نحن في فريق واحد ...
- ترامب يوجه انتقادا شديد اللهجة لإسرائيل لتجاوزها كل الحدود ف ...
- وزير إسرائيلي يتعرض لأزمة قلبية
- لغة الجسد -تكشف المستور- عن بنيامين نتنياهو (فيديو)


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و الأردن و السعودية و الكويت – مقال رأي