أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسماء الصغيرة إلى الحيتان الكبيرة و كلفة القائمة الرمادية














المزيد.....

إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسماء الصغيرة إلى الحيتان الكبيرة و كلفة القائمة الرمادية


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 14:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست مشكلة الفساد في العراق أن موظفاً صغيراً يأخذ رشوة في دائرة حكومية، أو أن مراجعاً يضطر إلى دفع مبلغ كي تمر معاملته. هذه صورة مؤلمة، لكنها ليست الصورة الكاملة. الفساد الصغير يزعج المواطن يومياً و يخلق شعوراً بالمهانة، لكنه غالباً انعكاس لفساد أعمق و أكثر تنظيماً. الفساد الحقيقي يعيش في العقود، و المناقصات، و المنافذ، و المصارف، و شركات الواجهة، و شبكات الحماية التي تجعل المال العام ينتقل من يد الدولة إلى جيوب خاصة من دون أن يظهر الفاعل الحقيقي بسهولة.
عندما يحصل العراق على 28 درجة فقط من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، و يحتل المرتبة 136 من أصل 182 دولة، فإننا لا نتحدث عن رقم عابر في تقرير دولي، بل عن صورة الدولة كما يراها المواطن، و المستثمر، و المصرف، و المؤسسة الدولية. هذا الرقم يعني أن الثقة بالمؤسسات ما زالت ضعيفة، و أن الإصلاح لم يتحول بعد إلى سلوك إداري مستقر. لذلك لا تكفي الحملات الموسمية، و لا صور المتهمين الصغار، إذا بقيت الآليات الكبيرة التي تنتج الفساد تعمل بالطريقة نفسها.
المشكلة أن مكافحة الفساد كثيراً ما تُدار بمنطق العرض لا بمنطق التفكيك. يتم الإعلان عن ضبط موظف، أو استقدام مدير، أو فتح ملف، ثم ينتهي الأمر عند حدود الخبر. لكن السؤال الأهم يبقى بلا جواب: من صمم الطريق الذي جعل السرقة ممكنة؟ من سهّل العقد؟ من وفر الحماية؟ من عطّل الرقابة؟ من استفاد من الشركة الوسيطة؟ و من أوقف التحقيق حين اقترب من منطقة النفوذ؟ هنا يصبح اصطياد الأسماء الصغيرة ضرورياً، لكنه غير كافٍ. فالدولة التي تكتفي بصغار الفاسدين تشبه من ينظف سطح الماء و يترك منبع التلوث مفتوحاً.
الأرقام الرسمية و المنشورة عن نشاط هيئة النزاهة خلال عام 2025 تكشف حجم المشكلة و حجم الجهد في الوقت نفسه. فقد جرى النظر في أكثر من 37 ألف إخبار، و التعامل مع أكثر من 31 ألف قضية جزائية، و إصدار 14,645 أمر استقدام، و 3,461 أمر قبض، فضلاً عن 1,950 أمر توقيف و 215 قرار منع سفر. كما نُفذت 1,555 عملية ضبط أسفرت عن ضبط 671 متهماً بالجرم المشهود. هذه الأرقام مهمة، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مكافحة فساد عميقة تغيّر بنية الدولة، أم أمام نشاط قضائي و رقابي واسع لا يزال يصطدم بجدران النفوذ؟
وهناك جانب لا ينبغي تجاهله، و هو أن الفساد لا يبقى دائماً مخفياً كما يتصور البعض. فالموظف أو المسؤول الذي تظهر عليه علامات ثراء مفاجئ، من عقارات و سيارات و سفر و نمط إنفاق لا يتناسب مع راتبه المعلن و لا مع مصادر دخل أخرى واضحة، يضع نفسه عملياً في دائرة السؤال العام. الناس، بذكائهم الفطري و خبرتهم اليومية، تستطيع غالباً أن تميز بين الثراء الطبيعي و الثراء المريب، لكنها لا تملك سلطة التحقيق و لا أدوات الإثبات. وهنا يأتي دور المؤسسة، لا في ملاحقة الانطباعات وحدها، بل في تحويل الشك المعقول إلى ملف قانوني: تتبع الذمة المالية، و فحص تضخم الأموال، و مراجعة العقود و الحسابات و الملكيات، ثم تقديم الدليل أمام القضاء. فالمجتمع قد يشير إلى موضع الخلل، لكن واجب الدولة أن تثبت الخلل أو تنفيه بالقانون، لا بالهمس و لا بالتشهير.
اليوم دخل العراق مرحلة أكثر حساسية بعد إدراجه في 19 حزيران 2026 ضمن قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة من مجموعة العمل المالي FATF، و هي القائمة المعروفة إعلامياً بالقائمة الرمادية. هذا الإدراج لا يعني أن العراق أصبح دولة معاقبة أو معزولة مالياً، لكنه يعني أن النظام المالي العراقي أصبح موضع تدقيق دولي أشد بسبب نواقص تتعلق بمكافحة غسل الأموال، و تتبع الأموال غير المشروعة، و استخدام المعلومات المالية، و ملاحقة الجرائم المالية بفاعلية أكبر.
وهنا ينبغي أن يفهم المواطن أن القائمة الرمادية ليست خبراً مصرفياً يخص البنوك وحدها. إنها مسألة قد تدخل في سعر السلعة، و كلفة الاستيراد، و زمن التحويلات، و ثقة المصارف الأجنبية بالتعامل مع العراق. عندما تنخفض الثقة بالنظام المالي، قد تطلب البنوك المراسلة تدقيقاً إضافياً، و قد ترتفع كلفة الامتثال، و قد تتأخر الحوالات و الاعتمادات التجارية. وفي بلد تبلغ فيه الواردات من السلع و الخدمات نحو 29.83% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن أي زيادة في كلفة التحويل أو التأمين أو المخاطرة المصرفية يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى أسعار الغذاء، و الدواء، و الأجهزة، و المواد الإنشائية. بهذا المعنى، لا يسرق الفساد المال العام فقط، بل قد يرفع كلفة الحياة على المواطن الذي لا علاقة له بالمناقصات و لا بالمصارف و لا بلعبة الحيتان.
تنقية مفاصل الدولة تبدأ من تغيير طريقة العمل، لا من تغيير الوجوه فقط. المطلوب رقمنة حقيقية للمعاملات المالية و الإدارية، و كشف المالك المستفيد للشركات المتعاقدة مع الدولة، و نشر العقود و أوامر الصرف و نسب الإنجاز على منصات قابلة للتدقيق، و حماية المبلغين، و تقوية القضاء، و جعل المصارف جزءاً من منظومة كشف الأموال المشبوهة لا ممراً آمناً لها.
برأيي المتواضع فإن مكافحة الفساد في العراق لن تنجح إذا بقيت محكومة بثلاثية: ضجة إعلامية، اسم صغير، و ملف يبرد بعد أسابيع. المطلوب انتقال واضح من سؤال “من قبض الرشوة؟” إلى سؤال “كيف أصبحت الرشوة ممكنة؟”، و من سؤال “من وقّع؟” إلى سؤال “من صمم المسار الذي جعل التوقيع طريقاً للنهب؟”. حين تضعف الثقة بالنظام المالي، يدفع المواطن الكلفة مرتين: مرة من المال العام المنهوب، و مرة أخرى من ارتفاع كلفة السلع و الخدمات. أما بقاء الحيتان خارج الشبكة، فهو يعني أن الدولة ستستمر في اصطياد الأسماك الصغيرة، و ستحتفل بذلك، بينما يبقى البحر نفسه ملوثاً.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- فرنسا تقيّد شرب الكحول في الأماكن العامة بظل معاناة أوروبا م ...
- تركي آل الشيخ يشكر وزير الداخلية المصري على دعم مسلسل -الأمي ...
- لغز -قنديل البحر- في سماء إيران.. طيار أمريكي يروي ما رآه قب ...
- كيف تمكّنت إيران من الصمود في وجه الولايات المتحدة؟
- لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟
- أوروبا تستعد لحرب جديدة مع روسيا
- لماذا يحتاج زيلينسكي إلى مهاجمة بيلاروس؟
- وزير الخارجية اللبناني: نطالب بدعم عربي لاستقلالية مسارنا ال ...
- المينا الهندي: الطائر -الرومانسي الشرير- الذي يهدّد البيئة و ...
- -10 سنوات على بريكست، والوعود لم تتحقق- – ديلي إكسبريس


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسماء الصغيرة إلى الحيتان الكبيرة و كلفة القائمة الرمادية