أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - مقال رأي














المزيد.....

التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 02:55
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لم يعد التعليم الجامعي الأهلي في العراق تفصيلاً ثانوياً في مشهد التعليم العالي، و لا يمكن التعامل معه بوصفه ظاهرة عابرة أو طارئة. خلال السنوات الأخيرة، أصبح هذا القطاع جزءاً واسعاً من منظومة التعليم، يستقبل أعداداً كبيرة من الطلبة، و يطرح نفسه بوصفه بديلاً أو مكملاً للتعليم الحكومي. غير أن السؤال الأهم لم يعد: هل نحتاج إلى التعليم الأهلي أم لا؟ بل: أي تعليم أهلي نريد؟ تعليم يوسع فرص الدراسة و يرفع مستوى المنافسة، أم تعليم يتحول تدريجياً إلى سوق شهادات تدفع ثمنها العوائل من مدخراتها و قلقها على مستقبل أبنائها؟
من حيث المبدأ، لا توجد مشكلة في التعليم الأهلي. في كثير من دول العالم، تشكل الجامعات الخاصة جزءاً مهماً من النظام الجامعي، و بعضها يتفوق على الجامعات الحكومية في البحث العلمي، و الشراكات الدولية، و مرونة الإدارة، و سرعة الاستجابة لحاجات سوق العمل. لذلك فإن رفض التعليم الأهلي كفكرة هو موقف غير واقعي. العراق بلد شاب، و الطلب على التعليم الجامعي فيه مرتفع، و الجامعات الحكومية مهما توسعت لا تستطيع وحدها استيعاب كل الطموح الاجتماعي نحو الشهادة الجامعية. من هذه الزاوية، يمكن للتعليم الأهلي أن يكون صمام تخفيف للضغط، و فرصة ثانية لكثير من الطلبة، و مساحة لتجريب نماذج تعليمية أكثر مرونة.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا نفرق بين الجامعة بوصفها مؤسسة معرفية، و الجامعة بوصفها مشروعاً استثمارياً. الجامعة ليست بناية حديثة، و لا شعاراً جميلاً، و لا حفلاً للتخرج، و لا إعلاناً ممولاً على مواقع التواصل. الجامعة منظومة متكاملة تبدأ من شروط القبول، و تمر بالمناهج، و المختبرات، و كفاءة التدريسيين، و أخلاقيات الامتحان، و التدريب العملي، و تنتهي بسؤال قاسٍ لكنه ضروري: ماذا يستطيع الخريج أن يفعل بعد التخرج؟ إذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بوضوح، فإننا لا ننتج تعليماً عالياً، بل نعيد تدوير الوهم الاجتماعي حول الشهادة.
للتعليم الأهلي في العراق جوانب إيجابية لا ينبغي إنكارها. فقد أتاح مقاعد دراسية لطلبة لم يحصلوا على قبول مناسب في التعليم الحكومي، و ساعد على تنشيط الاستثمار في البنية التحتية الجامعية، و خلق فرص عمل لتدريسيين و موظفين و إداريين، و دفع بعض الجامعات إلى تحسين شكل الخدمات و البيئة الجامعية. كما أن وجوده، إذا أُدير بصورة صحيحة، قد يشجع الجامعات الحكومية نفسها على مراجعة بعض أنماطها التقليدية في الإدارة و التعليم. المنافسة هنا يمكن أن تكون مفيدة، بشرط أن تكون منافسة في الجودة، لا في عدد المقاعد و مقدار الأجور.
في المقابل، ما يؤخذ على التعليم الأهلي في العراق ليس قليلاً. أول المآخذ هو التوسع السريع في بعض التخصصات من دون قراءة دقيقة لحاجة سوق العمل. نحن لا نحتاج إلى أعداد أكبر من الخريجين في تخصصات مشبعة بقدر ما نحتاج إلى نوعية أعلى من الخريجين في تخصصات مطلوبة. فحين تكون بطالة الشباب مرتفعة، و حين تشير تقديرات دولية إلى أن جزءاً مهماً من خريجي التعليم العالي في العراق عاطلون أو خارج قوة العمل، يصبح فتح البرامج و الأقسام قراراً وطنياً لا قراراً تجارياً فقط. إن إنتاج آلاف الشهادات من دون اقتصاد قادر على الاستيعاب هو وصفة لإحباط اجتماعي مؤجل.
المأخذ الثاني يتعلق بالرصانة العلمية. بعض المؤسسات الأهلية تحاول فعلاً بناء تجربة محترمة، و لا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة. لكن بعض التجارب الأخرى ما تزال تعاني من ضعف المختبرات، و الاعتماد الكبير على تدريسيين غير متفرغين، و تضخم أعداد الطلبة قياساً بالطاقة الفعلية، و ضعف البحث العلمي المنتج، و أحياناً التساهل في الامتحانات و المتطلبات. هذه ليست تفاصيل إدارية، بل قضايا تمس قيمة الشهادة نفسها. عندما يفقد المجتمع ثقته بالشهادة، لا يتضرر خريج الجامعة الضعيفة وحده، بل تتضرر سمعة التعليم العالي كله.
المأخذ الثالث هو تنامي ثقافة "الطالب الزبون". في بعض البيئات، يتحول دفع الأجور إلى ضغط غير مباشر على القرار الأكاديمي، كأن الرسوب يصبح مشكلة مالية و اجتماعية قبل أن يكون نتيجة علمية. هذا خطر كبير، لأن الجامعة التي تخاف من إغضاب الطالب أكثر مما تخاف من تخريج طالب ضعيف، تفقد جوهرها. التعليم العالي لا يقوم على إرضاء الزبون، بل على بناء الكفاءة و قياسها بإنصاف و صرامة. الطالب يجب أن تُحترم حقوقه، نعم، لكن من حق المجتمع أيضاً ألا يحصل على خريج يحمل شهادة لا تعكس مستوى حقيقياً.
الحل لا يكون بإلغاء التعليم الأهلي، و لا بالدفاع عنه بلا شروط. الحل هو الانتقال من الاعتراف الإداري إلى التقويم المؤسسي الصارم. ينبغي نشر مؤشرات واضحة لكل جامعة و كلية: نسبة الطلبة إلى التدريسيين، عدد التدريسيين المتفرغين، واقع المختبرات، نتائج الامتحانات التقويمية، نسب التوظيف بعد التخرج، الاعتماد البرامجي، عدد البحوث الرصينة، و مستوى الشراكة مع سوق العمل. لا يكفي أن نقول إن هذه الجامعة جيدة أو ضعيفة؛ يجب أن تكون البيانات متاحة حتى يعرف الطالب و العائلة ماذا يختاران.
في التخصصات الهندسية و الطبية و الصحية، يجب أن تكون المعايير أشد. لا معنى لبرنامج هندسي بلا مختبرات حقيقية و تدريب ميداني و مشاريع تخرج ذات قيمة تطبيقية. و لا معنى لتخصص صحي بلا تدريب سريري منظم و إشراف مهني كافٍ. هذه التخصصات لا تنتج موظفين إداريين فقط، بل تمس حياة الناس و سلامة المنشآت و جودة الخدمات. لذلك فإن المجاملة فيها ليست خطأ تعليمياً فحسب، بل مسؤولية اجتماعية.
برأيي المتاضع، التعليم الأهلي في العراق يقف اليوم بين احتمالين: إما أن يتحول إلى شريك حقيقي في تطوير التعليم العالي، أو يبقى مساحة لتوسيع الشهادات من دون توسيع الكفاءة. ما له أنه فتح أبواباً جديدة و خفف الضغط و وفر فرصاً. و ما عليه أنه في بعض نماذجه سبقته التجارة على الرصانة، و سبق الإعلانُ المختبر، و سبقت الأجورُ جودةَ المخرجات. المستقبل لا يحتاج إلى جامعات أكثر فقط، بل إلى جامعات أصدق مع نفسها و مع طلبتها و مع المجتمع.



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...
- ما هو مستقبل النظام في ايران؟ سيناريوهات البقاء و احتمالات ا ...


المزيد.....




- أزياء جريئة للنجمات تخطف الأضواء في عرض -سان لوران- الرجالي ...
- كبير مفاوضي إيران يبين الأساس لأي اتفاق مع دول الخليج والجير ...
- تدشين نصب تذكاري للبحارة الروس في جزيرة موريشيوس بالمحيط اله ...
- الإعلام العبري يشن هجوماً على اتفاق واشنطن وطهران: إسرائيل ت ...
- إيران: هجوم سيبراني يضرب نظام البطاقات المصرفية ويعطل خدمات ...
- الأمن المصري يوجه ضربة استباقية لبؤر شديدة الخطورة
- مصر.. توفيق عكاشة يحدد سعرا بالدولار لظهوره في الإعلام
- لبنان يسلم 128 محكوما سوريا إلى دمشق ضمن اتفاقية تبادل السجن ...
- عون: التفاوض مع إسرائيل مستمر في واشنطن ومنفصل عن اجتماعات س ...
- قاليباف: مذكرة التفاهم مع واشنطن إعلان هزيمة لها ولتل أبيب


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - مقال رأي