أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و فوضى التعليم العالي - مقال رأي














المزيد.....

الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و فوضى التعليم العالي - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 19:13
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تتكرر في العراق مشاهد الخريجين وهم يطالبون بالتعيين الحكومي، و يتكرر معها سؤال يبدو بسيطاً: لماذا يصرّ الخريج على الوظيفة الحكومية و لا يبحث عن عمل في القطاع الخاص؟ هذا السؤال، بصيغته الشائعة، يضع المسؤولية على الخريج وحده، بينما المشكلة في حقيقتها أوسع بكثير. فاختيار الوظيفة الحكومية لم ينشأ من فراغ، بل تشكل عبر عقود من اقتصاد ريعي جعل الدولة صاحب العمل الأكثر استقراراً، بالتوازي مع قطاع خاص محدود القدرة على تقديم أجور مستقرة و ضمانات اجتماعية و مسارات مهنية واضحة.
الأرقام تساعد على فهم الصورة بعيداً عن الانطباعات. فقد أظهر مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021 أن البطالة بلغت 16.5%، بينما وصلت بطالة الشباب إلى 35.8%. و تشير بيانات منشورة عبر وزارة التخطيط إلى أن نحو 37.95% من العاملين كانوا في القطاع العام مقابل 61.6% في القطاع الخاص، لكن المشكلة الأهم أن اثنين من كل ثلاثة عاملين تقريباً كانوا يعملون في وظائف غير نظامية. بمعنى آخر، القطاع الخاص موجود عددياً، لكنه في جزء كبير منه لا يقدم دائماً النموذج الذي يستطيع الخريج أن يبني عليه مستقبلاً مهنياً طويل الأمد.
لهذا فإن الحديث عن "انهيار القطاع الخاص" لا يعني اختفاءه، بل ضعف قدرته المؤسسية و الإنتاجية على أن يكون بديلاً مقنعاً عن الدولة. الموظف الحكومي يجد عادة استقراراً أعلى في الدخل و التقاعد و الحماية الوظيفية، بينما يعمل كثير من الشباب في نشاطات خاصة صغيرة أو غير رسمية تتأثر سريعاً بتقلبات السوق. و النتيجة أن الوظيفة الحكومية تتحول من خيار مهني إلى شكل من أشكال الأمان الاقتصادي و الاجتماعي، حتى عندما تكون طبيعة الوظيفة بعيدة عن تخصص الخريج. و واقع التشغيل غير النظامي المرتفع يفسر جانباً مهماً من هذه المفاضلة.
لكن الدولة نفسها لم تعد قادرة على الاستمرار في هذا المسار بلا حدود. صندوق النقد الدولي أشار في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن الأجور و التقاعد شكلا نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع توقع ارتفاع النسبة إلى 24% في 2025، كما دعا إلى الحد من التوظيف الإلزامي و إصلاح فاتورة الأجور. هذه الأرقام تعني ببساطة أن سياسة استيعاب أعداد متزايدة من الخريجين داخل الجهاز الحكومي أصبحت مكلفة و يصعب استمرارها بالصيغة نفسها على المدى الطويل.
في المقابل، يستمر التعليم العالي في ضخ أعداد كبيرة إلى سوق عمل لا يتوسع بالسرعة نفسها. و بحسب التقرير الرسمي لخريجي التعليم العالي في العراق للعام الدراسي 2023/2024، بلغ عدد خريجي الدراسات الجامعية الأولية 271,049 خريجاً، مقارنة بنحو 201,667 في العام السابق، أي بزيادة 34.4% خلال سنة واحدة. و الأكثر لفتاً للنظر أن عدد خريجي الكليات الأهلية بلغ 90,042 خريجاً، بعد أن كان 59,311 في العام السابق، بزيادة 51.8%. هذه ليست أرقاماً صغيرة، بل موجة سنوية كبيرة تدخل إلى سوق عمل يعاني أصلاً من البطالة و ضعف التنظيم.
المشكلة هنا ليست في وجود الجامعات الحكومية أو الأهلية بحد ذاته، و لا في حق الشباب في التعليم. التعليم العالي وظيفة علمية و اجتماعية لا يجوز اختزالها بالتوظيف فقط. لكن الخلل يبدأ عندما تفتح الأقسام و تتوسع المقاعد من دون ارتباط كاف بين أعداد المقبولين و احتياجات الاقتصاد، ثم يُترك الخريج بعد أربع أو خمس سنوات ليكتشف أن الدولة لا تستطيع تعيينه، و أن القطاع الخاص قد لا يحتاج تخصصه أو لا يوفر له شروط عمل مقبولة. عندها تصبح الشهادة جزءاً من أزمة التوقعات بدلاً من أن تكون أداة للحراك الاقتصادي. و الارتفاع الكبير في أعداد الخريجين خلال سنة واحدة يجعل مسألة المواءمة بين التعليم و سوق العمل أكثر إلحاحاً.
الحل لا يكون بمهاجمة الخريجين، و لا بإغلاق أبواب الجامعات بصورة عشوائية. المطلوب سياسة مترابطة تبدأ من تخطيط القبول الجامعي وفق بيانات سوق العمل، و مراجعة الأقسام التي تنتج أعداداً تفوق الطلب بصورة مزمنة، و توسيع التعليم التقني و المهني، و بناء منظومة حقيقية لتتبع الخريجين. و في الجانب الاقتصادي، لا بد من جعل العمل في القطاع الخاص خياراً محترماً و آمناً من خلال الضمان الاجتماعي، و تحسين بيئة الأعمال، و تسهيل تمويل المشاريع، و دعم الصناعات و الخدمات القادرة على خلق وظائف نوعية. كما ينبغي أن تصبح فترات التدريب داخل الشركات جزءاً فعلياً من الدراسة، لا نشاطاً شكلياً ينتهي بتوقيع كتاب. و حتى المؤسسات الدولية التي تتابع الاقتصاد العراقي تضع تطوير التدريب المهني و تحسين بيئة الأعمال و إصلاح سوق العمل ضمن الأولويات الضرورية لتوسيع النمو غير النفطي.
برأيي المتواضع فإن الخريج العراقي ليس هو من صنع هذه المعادلة، بل وجد نفسه داخلها. السياسات الاقتصادية لم تنجح حتى الآن في بناء قطاع خاص منظم و جاذب بما يكفي، بينما توسع التوظيف الحكومي لسنوات، و توسع التعليم العالي بأعداد لا تتناسب دائماً مع قدرة الاقتصاد على الاستيعاب. لذلك فإن معالجة تظاهرات الخريجين بالتعيين المؤقت تؤجل المشكلة و لا تحلها. الحل الحقيقي هو إعادة بناء العلاقة بين الجامعة و الاقتصاد و سوق العمل، بحيث لا تكون الشهادة وعداً بوظيفة حكومية، و لا يكون القطاع الخاص محطة اضطرارية لمن لم يحصل عليها. عندما يصبح العمل المنتج في أي قطاع طريقاً حقيقياً للاستقرار و الكرامة المهنية، ستتغير ثقافة الوظيفة تدريجياً، من دون لوم الخريج على خيارات صنعت السياسات جزءاً كبيراً من أسبابها.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...


المزيد.....




- استطلاعات رأي: حزب جديد موال للحكومة في كازاخستان يفوز بالأغ ...
- زيلينسكي يعترف بأنه حاول خداع ترامب ولكن الأخير كشفه
- مقتل طفلين وإصابة 7 آخرين في هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية على ...
- عقوبات أمريكية مرتقبة على إيران ولقاء سوري إسرائيلي في الأرد ...
- -أكره الديمقراطيين لكنني أحب عبدول-.. غزة تعيد الناخبين إلى ...
- سوريا وإسرائيل.. لقاء مباشر لخفض التوتر
- بعد رواج لافت.. إيقاف مؤقت لمجموعة -شكاوى أهالي قاع الهامور- ...
- إسرائيل تفضل سيناريو رفح في مرتفعات علي الطاهر اللبنانية.. م ...
- من أين لك كل هذا؟.. إعلامي مصري يطالب بكشف مصادر الثراء الفا ...
- سلوتسكي: سياسة زيلينسكي وبوروشينكو سبب الانقسام في أوكرانيا ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عمار صالح عباس - الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و فوضى التعليم العالي - مقال رأي