أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة الجريمة و سؤال العدالة - مقال رأي














المزيد.....

في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة الجريمة و سؤال العدالة - مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 20:21
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


في الثالث من آب من كل عام، لا يستعيد الإيزيديون حادثة مضت و انتهت، بل يعودون إلى جرح ما زالت أطرافه مفتوحة. ففي مثل هذا اليوم من عام 2014 اجتاح التنظيم الإرهابي قضاء سنجار، و بدأ حملة منظمة استهدفت الوجود الإيزيدي نفسه، بالقتل و الخطف و الاستعباد و التهجير و تدمير القرى و دور العبادة. وقد خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أن ما ارتكب بحق الإيزيديين يرقى إلى جريمة إبادة جماعية، فضلاً عن جرائم ضد الإنسانية و جرائم حرب. لذلك لا تبدو الذكرى مجرد مناسبة للحزن، بل اختباراً سنوياً لجدية الدولة و المجتمع الدولي في تحويل الاعتراف بالجريمة إلى عدالة ملموسة.
كانت المرأة الإيزيدية في مركز هذه الجريمة، لا لأنها كانت ضحية عرضية، بل لأن استهدافها كان جزءاً من آلية الإبادة. استخدم التنظيم الإرهابي الخطف و الاغتصاب و الاستعباد و الاتجار بالنساء و الفتيات وسيلة لتفكيك الجماعة و كسر بنيتها الاجتماعية و زرع الخوف داخلها. كثير من الناجيات عدن و هن يحملن آثاراً نفسية و جسدية عميقة، و بعضهن عدن من دون أطفالهن، أو من دون معرفة مصير الأزواج و الآباء و الأشقاء. أما من بقين في عداد المفقودين، فإن غيابهن المستمر يجعل الجريمة حاضرة في حياة أسر تنتظر خبراً قد لا يأتي.
الطفل الإيزيدي كان بدوره هدفاً مباشراً. فقد قتل أطفال، و اختطف آخرون، و فصلوا عن أمهاتهم، و تعرض بعضهم للتجنيد و تغيير الهوية و الإكراه العقائدي. كما نشأ آلاف الأطفال في المخيمات أو في بيئات غير مستقرة، محرومين من الاستقرار المدرسي و الرعاية النفسية و الشعور الطبيعي بالأمان. الطفل الذي عاش الخطف أو فقد أسرته لا يحتاج إلى مساعدة إغاثية مؤقتة فقط، بل إلى برنامج طويل الأمد يعيد بناء علاقته بالمجتمع و المدرسة و ذاته. إن ترك هذه الآثار من دون معالجة يعني نقل الجريمة من جيل إلى آخر، حتى لو توقف القتل منذ سنوات.
ولا يمكن معالجة هذا الملف بخطاب التعاطف وحده. فاستيعاب الناجيات و الأطفال يحتاج إلى حماية قانونية و تربوية تمنع الوصم، و إلى خدمات نفسية تراعي الصدمة، و إلى خطاب اجتماعي يحمّل الجاني وحده مسؤولية الجريمة. الضحية لا ينبغي أن تدفع ثمن ما فرض عليها، مرة أثناء الأسر و مرة أخرى بعد العودة.
بعد اثني عشر عاماً، ما زال أكثر من مئة ألف شخص، معظمهم من إيزيديي سنجار، يعيشون في مخيمات أو تجمعات نزوح غير مستقرة، بينما تشير تقارير حديثة إلى بقاء نحو 2600 إيزيدي في عداد المفقودين. هذه الأرقام لا تمثل ملفاً إنسانياً مؤجلاً، بل تكشف أن العودة إلى سنجار لم تصبح بعد خياراً آمناً و قابلاً للحياة للجميع. فإعادة السكان لا تتحقق بقرار إداري أو بإغلاق المخيمات، وإنما بتوفير الأمن و الخدمات و السكن و فرص العمل و المدارس، و بحسم التنافس المسلح و الإداري الذي جعل المنطقة معلقة بين أكثر من سلطة و أكثر من إرادة.
أقر العراق عام 2021 قانون الناجيات الإيزيديات، و هو خطوة مهمة لأنه اعترف بالإبادة و وفر إطاراً للتعويض و الراتب و الرعاية الصحية و التأهيل و فرص التعليم. وقد حصل أكثر من 2350 ناجياً و ناجية على تعويضات شهرية حتى نيسان 2025، لكن الفجوة ما تزال كبيرة بين النص القانوني و حاجات الضحايا. فالتعويض المالي ضروري، لكنه لا يعوض غياب المفقودين، و لا يضمن وحده العلاج النفسي المتخصص، و لا يحل مشكلة السكن و العمل و التعليم، و لا يجيب عن الأسئلة القانونية و الاجتماعية المعقدة المتعلقة بالأطفال المولودين في سياق الانتهاكات. العدالة هنا يجب أن تكون شاملة، لا مجرد معاملة إدارية تنتهي بإصدار بطاقة أو راتب.
هناك أيضاً سؤال المحاسبة. لقد جرت محاكمات عديدة لأفراد ينتمون إلى التنظيم الإرهابي، لكن كثيراً منها ركز على العضوية أو الإرهاب، و لم يضع جريمة الإبادة و الاستعباد الجنسي في مركز الاتهام. وفي المقابل، قدمت محاكم أوروبية نماذج أكثر تقدماً عندما أدانت بعض المتهمين بالمشاركة في إبادة الإيزيديين و استعباد نسائهم و أطفالهم. هذا التفاوت يضع العراق أمام مسؤولية واضحة، و هي تطوير مسار قضائي وطني يحاكم الجرائم بأسمائها الحقيقية، و يحفظ الأدلة التي جمعها فريق التحقيق الدولي، و يضمن مشاركة الناجيات من دون تعريضهن لإعادة الصدمة أو الوصمة.
الذاكرة ضرورية، لكنها قد تتحول إلى طقس فارغ إن لم ترتبط بالحق في الحقيقة و العدالة و العودة الآمنة. المطلوب نصب تذكارية و مناهج تعليمية تحفظ ما حدث، لكن المطلوب أيضاً فتح المقابر الجماعية، و التعرف إلى الرفات، و إعادة الضحايا إلى أسرهم بكرامة، و البحث المنظم عن المفقودين، و حماية الشهود، و دعم النساء المعيلات، و ضمان تعليم الأطفال الذين فقدوا سنوات من حياتهم. كما يجب إشراك الإيزيديين، وخاصة النساء و الشباب، في إدارة سنجار و اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.
برأيي المتواضع فإن الوفاء لضحايا الإبادة لا يكون بإعادة سرد المأساة مرة كل عام، بل بمنع استمرار نتائجها في الحاضر. المرأة الإيزيدية لا ينبغي أن تبقى محصورة في صورة الضحية، فهي ناجية و شاهدة و شريكة في إعادة البناء. و الطفل الإيزيدي لا يجب أن يرث الخوف و المخيم و فقدان الهوية، بل يستحق مدرسة آمنة و أسرة مستقرة و وطناً يعترف به كاملاً. في ذكرى الوجع، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد للذاكرة أن تحفظ الجريمة فقط، أم نريد للعدالة أن تنهي آثارها؟



#عمار_صالح_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-
- الدولة و المواطن: كيف تتحول الحقوق إلى امتيازات في المجتمعات ...
- الإصلاح الحكومي المفترض: لماذا لا يكفي تغيير الوجوه من دون ت ...
- من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاخ ...
- العراق بين العلمانية و المواطنة: قراءة في تجارب ناجحة لدول - ...
- سوق العمل المتغيّر: حديثو التخرج بين تحديات التوظيف و الحلول ...


المزيد.....




- لماذا تسجل النساء وفيات أكثر خلال موجات الحر؟
- اغتصاب مُحتجزة داخل مركز شرطة يشعل الغضب في العراق
- سوريا: 3 طفلات قُتلن بدمٍ بارد خلال 3 أسابيع
- امرأة مجهولة الهوية تفجر قنبلة تحملها قبل دخولها مطعمًا في م ...
- بعد رحيلها.. من هي”بطلة القمم” العُمانية نظيرة الحارثي؟
- المرأة العراقية في صفوف الأمن والجيش.. حضور محدود وتحديات كث ...
- نمر يقتل امرأة بعد سحبها 300 متر في ماديا براديش
- القومي للمرأة ينظم برنامج تدريبي لميسري برنامج “نور” للفتيان ...
- الجامعة العربية تطلق الإطار الاستراتيجي الإقليمي للقضاء على ...
- إنقاذ امرأة من موت محقق احتجزت تحت جرف صخري في نهر بكاليفورن ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عمار صالح عباس - في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة الجريمة و سؤال العدالة - مقال رأي