أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا















المزيد.....

حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 23:36
المحور: قضايا ثقافية
    


في ليلة مقمرة من ليالي غرناطة، نجلس مع الشاعر الذي غادر عالمنا باكراً، لكن صوته ما زال يرن في الأندلس. حوار يمتد عبر الزمن، يجمع بين سيرته وأشعاره وأفكاره ومأساته.

الطفولة والنشأة
سؤال: لوركا، حدثنا عن طفولتك في فوينتي فاكيروس.

لوركا: ولدت في الخامس من يونيو عام 1898، في قرية صغيرة قرب غرناطة. كان والدي مزارعاً ثرياً، وأمي معلمة. تعلمت من الخدم المسنين الحكايا والأغاني الشعبية قبل أن أحسن النطق. كنت شغوفاً بالموسيقى، وعزفت البيانو، لكن الشعر كان ندائي الحقيقي.

سؤال: كيف كانت علاقتك بالغجر في طفولتك؟

لوركا: نشأت في أحضان الثقافة الأندلسية، وتعلّمت من الغجر أسرارهم وأغانيهم. لم يكونوا مجرد موضوع شعري بالنسبة لي، بل كانوا جزءاً من روحي. كنت أستمع إلى حكاياتهم وألحانهم، وأحلم بتحويلها إلى شعر.

الأفكار الثورية والسياسية
سؤال: اتُهمت بأنك ثوري. ما حقيقة أفكارك؟

لوركا: (يبتسم) لم أخفِ يوماً ميولي اليسارية. كنت أدعم الجبهة الشعبية وآمن بأفكار التجديد التي حملتها الجمهورية الثانية. لكني لم أكن سياسياً بالمعنى الضيق. كنت إنسانياً قبل كل شيء.

سؤال: كيف تعرّف هويتك السياسية؟

لوركا: (بحزم) أنا إسباني بكل كياني، ولا يمكنني أن أعيش خارج حدود بلادي الجغرافية؛ لكنني أكره من يكون إسبانياً لمجرد كونه كذلك. أنا أخ لكل البشر، وأمقت من يضحي بنفسه من أجل فكرة وطنية مجردة. الصيني الطيب أقرب إليّ من الإسباني السيئ.

سؤال: ولكنك كنت معروفاً بمعاداة الفاشية؟

لوركا: (نظره يتوقد) كنت مع المضطهدين، والغجر، والسود، واليهود... والموريسكيين الذين نحملهم جميعاً في داخلنا. كنت داعماً للفقراء، أولئك الذين لا يملكون شيئاً. في زمن مأسوي كهذا، يجب على الفنان أن يُضحك ويُبكي جمهوره، ويجب أن يترك الزنبق الأبيض مغموراً حتى وسطه بالوحل، وذلك لمساندة الذين يبحثون عنه.

سؤال: هل تخوفت من الموت بسبب آرائك؟

لوركا: كنت أعرف أن اليمين الصاعد سيعتبرني مكروهاً. لكنني رفضت إخفاء آرائي اليسارية، أو أن أرقب ما كنتُ أعتبره موضوعات مثيرة للجدل، كالرغبة المثلية والثورة السياسية. الموت جزء من الحياة، والشاعر يعرف أن كلماته ستخلده.

أغاني الغجر - رومانسيرو جيتانو
سؤال: لقد اشتهرت بـ"أغاني الغجر" (رومانسيرو جيتانو). ماذا تمثل لك هذه المجموعة؟

لوركا: (عيناه تلمعان) صدرت عام 1928، وتضمنت ثمانية عشر رومانسية. كانت لوحة مذبح منحوتة للأندلس، تضم الغجر والخيول ورؤساء الملائكة والكواكب... كتاب لا يعبّر إطلاقاً عن الأندلس المرئية، بل حيث ترتجف الأندلس الخفية.

سؤال: لكن البعض اتهمك بأنك رومنتيكي في تصوير الغجر؟

لوركا: (بضيق) إنهم يزعجونني قليلاً بأسطورة الغجرية. الغجر موضوع، ولا شيء أكثر. كان يمكن أن أكون شاعراً لآلات الخياطة أو للمناظر الهيدروليكية. لا أريد أن يتم وضعي في إطار محدد. أشعر أنهم يقيدونني بسلاسل.

سؤال: لكن قصائدك في "أغاني الغجر" كانت ثورية في جوهرها؟

لوركا: (بحماس) نعم، لأنها تناولت نضال الغجر ضد القمع والتمييز الاجتماعي. كنت أندد بالظلم الذي يعانون منه وأدافع عن حقهم في الحرية والكرامة والمساواة. استخدمت رموزاً كالقمر والماء والدم والحصان للتعبير عن المفاهيم المجردة.

سؤال: اقرأ لنا بعضاً من "أغاني الغجر".

لوركا: (ينشد)

"إذا جاء الغجر،
سيصنعون من قلبك
قلائد وخواتم بيضاء"

وهذا من "رومانسية القمر، القمر". القمر في شعري ليس مجرد جرم سماوي، بل رمز للموت والجمال والحلم.

السفر إلى نيويورك وشاعر في نيويورك
سؤال: حدثنا عن رحلتك إلى نيويورك عام 1929.

لوركا: (بتأمل) سافرت مع فرناندو دي لوس ريوس. أصبت بخيبة أمل من الحضارة الأمريكية المختلفة تماماً عن الحضارة الإسبانية. هناك كتبت "شاعر في نيويورك"، وهي صرخة احتجاج ضد التعصب العنصري، والاستهلاك الطائش، وعبادة التكنولوجيا.

سؤال: كيف تصف نقدك للرأسمالية في هذا الديوان؟

لوركا: (بمرارة) كان "شاعر في نيويورك" واحداً من أعظم النقد الشعري للمجتمع الرأسمالي في تاريخ الأدب. نقدت inequalities النظام الرأسمالي، واضطهاد الطبقات العاملة من الأميركيين الأفارقة، وظلم المجتمعات المعتدلة. المدينة الحديثة كانت وحشاً يبتلع الروح.

المسرح والنضال الثقافي
سؤال: كنت أيضاً كاتباً مسرحياً. ما دور المسرح في نضالك؟

لوركا: كان المسرح بالنسبة لي وسيلة للوصول إلى الناس. لم أكتب كغالبية شعراء عصري للخاصة. كنت أريد للصور التي أستمدها من شخصياتي أن تفهمها تلك الشخصيات نفسها. فطرت على الرغبة في أن يفهمني كل إنسان ويحبني كل إنسان من خلال شعري.

سؤال: مسرحياتك مثل "عرس الدم" و"بيت برناردا ألبا" تناولت قضايا اجتماعية عميقة؟

لوركا: (بحزن) نعم. "عرس الدم" حكاية ريفية وضعت فيها كل ما عانيته. و"بيت برناردا ألبا" هي مسرحية واقعية، عنيفة. كتبتها لأفضح القمع الاجتماعي، وخصوصاً قمع المرأة في المجتمع الأندلسي التقليدي.

الاعتقال والاغتيال
سؤال: حدثنا عن أيامك الأخيرة في غرناطة.

لوركا: (يخفض صوته) في يوليو 1936، عدت إلى غرناطة. كانت المدينة تغلي سياسياً. اعتقل صهري، محافظ المدينة، وأقاربي الاشتراكيين. كنت في منزلي، وفُتشت أكثر من مرة، وعُنفت وضُربت أثناء التفتيش.

سؤال: لجأت إلى منزل صديقك لويس روساليس؟

لوركا: نعم، شعرت بالأمان النسبي لأن اثنين من إخوته كانا من الشخصيات البارزة في الكتائب. لكن حتى هناك، لم أكن آمناً.

سؤال: ماذا حدث في 16 أغسطس 1936؟

لوركا: (يتنهد) حضرت قوات الحرس المدني إلى المنزل لاعتقالي. كان برفقتهم رامون رويث ألونسو، النائب السابق عن حزب الاتحاد الإسباني اليميني، الذي قدّم بلاغاً ضدي.

سؤال: بماذا اتهموك؟

لوركا: (بسخرية مريرة) اتهموني بـ"التجسس لصالح الروس، والتواصل معهم عبر الراديو، وشغلي سابقاً منصب سكرتير لدى فرناندو دي لوس ريوس". واتهموني أيضاً بأني مثلي الجنس. كانوا يبحثون عن أي ذريعة.

سؤال: وماذا حدث بعد اعتقالك؟

لوركا: نُقلت أولاً إلى مقر الحكومة المدنية، ثم إلى بلدة فيثنار. قضيت ليلتي الأخيرة في سجن مؤقت، برفقة معتقلين آخرين. وفي فجر 18 أغسطس 1936، عند الساعة 4:45، أُعدمت رمياً بالرصاص على الطريق الواصل بين فيثنار وألفاكار.

سؤال: أين دفنت؟

لوركا: (بصوت خافت) لم يُعثر على جثماني أبداً. دُفنت في قبر جماعي مجهول، إلى جانب جثامين المعلم الوطني ديوسكورو غاليندو، والمناصرين الأناركيين فرانسيسكو غالادي وخواكين أركوياس. رفاتي ما زالت تنتظر من يكتشفها.

سؤال: هل تعرف من أصدر أمر إعدامك؟

لوركا: استشار الحاكم المدني الجنرال كيبو دي يانو بشأن ما يفعل بي، فجاء الرد: "أعطه قهوة، قهوة كثيرة"، وهي كناية عن الإعدام. كنت ضحية حملة إعدامات جماعية للقضاء على جميع مؤيدي وحلفاء الجبهة الشعبية.

تأملات أخيرة
سؤال: لو عدت بالزمن، هل كنت ستغير شيئاً؟

لوركا: (بابتسامة حزينة) لا. كنت سأكتب نفس الشعر، وأعبر عن نفس الأفكار، وأدافع عن المظلومين. الموت جزء من حياة الشاعر. وكما كتبت:

"آه ليمهلني الموت
حتى أصير في قرطبة
قرطبة البعيدة، الوحيدة"

سؤال: كيف تريد أن يتذكرك الناس؟

لوركا: (ينظر إلى الأفق) كشاعر غنى للحرية والجمال والحب. كإنسان آمن بأن الفن رسالة، وأن الكلمة سلاح. تركتُ إرثاً من الشعر والمسرح ما زال يؤثر في الكتاب والفنانين في جميع أنحاء العالم. رغم أن الظلم حرمنا من فيديريكو غارسيا لوركا، إلا أن إرثي كشاعر عالمي يُعلي من شأن التنوع الثقافي والأقليات، باقٍ.

سؤال: كلمة أخيرة؟

لوركا: (يقرأ بصوت شجي)

"مع المضطهدين، والغجر، والسود، واليهود...
والموريسكيين الذين نحملهم جميعاً في داخلنا"

هذا هو لوركا. شاعر الغجر والموت والحب. شاعر الحرية الذي دفع حياته ثمناً لكلماته.

ينتهي الحوار، ويختفي لوركا في ضوء القمر، تاركاً وراءه كلماته الخالدة وأغانيه التي ما زالت تتردد في شوارع غرناطة.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استغلال المخابرات البريطانية للدين عبر التاريخ
- قراءة في قصيدة -التمثال- للشاعر علي محمود طه
- إيران إلى أين في ظل الحرب المستمرة؟
- الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني
- خطوط نقل النفط في منطقة الشرق الأوسط وأسباب توقف كل خط عن ال ...
- ابنة الفجر لإيليا أبو ماضي: دراسة تحليلية
- الإغتراب في أدب الشاعر خير الدين الزركلي
- ضعف الغرب في أوكرانيا يعني خسارة تايوان: بحث أكاديمي في التر ...
- ليندسي غراهام: سيرة سياسي أميركي مثير للجدل
- قراءة في قصيدة -الشاعر في السماء- لإيليا أبو ماضي
- أدب المقاومة في شعر خير الدين الزركلي
- الفطام الإرادي: كيف تخطط إسرائيل لفطام نفسها عن الولايات الم ...
- تاريخ التشارك المخابراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة عبر ا ...
- كم يضيق الأفق عندما نقيس الأمور من منظور طائفي!
- أمريكا تقول -أنا أنفذ المطلوب مني في إيران-: قراءة في أحادية ...
- أمريكا تقول -سنغزو إيران وعلى حلفائنا الصمت-: قراءة في الأحا ...
- البقرة الحمراء في التاريخ الإنساني: دراسة في التراث اليهودي ...
- كيف تحول الرئيس ترامب من رجل السلام كما يقول إلى رجل الحرب؟
- احتمالية الحرب العالمية الثالثة — تحليل نموذج -اللاعبين الأر ...
- دمشق في الوعد الإلهي التوراتي...


المزيد.....




- مع تصاعد التوترات في باب المندب والبحر الأحمر.. كيف تستفيد ا ...
- مدرب بطل العالم يهاجم زملاء ميسي: ما حدث بعد النهائي -غير مق ...
- رعب التماسيح يجتاح السودان.. فواجع وتغيرات بيئية تشدد وطأة ...
- -ترقبوا المزيد-.. ترامب يتوعد الاتحاد الأوروبي بدفع ثمن باهظ ...
- السفارة الأمريكية في بغداد تصدر تحذيرا أمنيا لرعاياها
- سوبيانين: إحباط هجوم لنحو 250 مسيرة في مقاطعة موسكو
- أسلحة نووية أمريكية في أوروبا وخطط فرنسية مشابهة وتحذيرات من ...
- لماذا ارتفعت ديون مصر من 48 إلى 165 مليار دولار؟ رئيس الوزرا ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط مئات المسيرات ويحبط هجوما أوكرانيّا ...
- -الحوثيون-: نفضل مواجهة أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني عل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا