محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:07
المحور:
قضايا ثقافية
الملخص
يتناول هذا البحث تاريخ التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وهو أحد أعمق وأكثر الشراكات الاستخباراتية تعقيداً في العالم. يمتد هذا التاريخ من خمسينيات القرن العشرين إلى اليوم، ويتسم بازدواجية فريدة: تعاون استراتيجي وثيق على أعلى المستويات، يتخلله تجسس إسرائيلي متواصل على الأراضي الأميركية. يستعرض البحث المحطات الرئيسية في هذا التشارك، بدءاً من الاتفاقيات المبكرة بين الموساد ووكالة المخابرات المركزية، مروراً بالدور الإسرائيلي المحوري في تزويد واشنطن بأسرار عسكرية سوفييتية خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى الاتفاقيات الرسمية لعامَيْ 1968 و1999، وكشف وثائق سنودن عن حجم التبادل الاستخباراتي. كما يتناول البحث قضية الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد (1985) كأحد أبرز أزمات الثقة بين الحليفين، ويحلل التوترات المستمرة في العلاقة، بما في ذلك اتهامات البنتاغون الأخيرة (2026) بتصعيد النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي على الأراضي الأميركية. يخلص البحث إلى أن التشارك المخابراتي بين البلدين يمثل نموذجاً فريداً للعلاقة بين "حليف استراتيجي" و"هدف تجسسي" في آن واحد، حيث تظل المصالح الأمنية المشتركة هي الرابط الأقوى رغم النزاعات والاختراقات المتكررة.
أولاً: مقدمة: شراكة متناقضة
تُعد العلاقة الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أكثر الشراكات الاستخباراتية تعقيداً وإثارة للجدل في العالم. فمن ناحية، يجمع البلدين تعاون استخباراتي وثيق وعميق يمتد لعقود، ويشمل تبادلاً للمعلومات الاستخباراتية على أعلى المستويات، وتنسيقاً عملياتياً في مناطق حساسة حول العالم، ودمجاً متزايداً للبنى التحتية الرقمية بين وكالة المخابرات المركزية (CIA) والموساد. ومن ناحية أخرى، ظل ملف التجسس الإسرائيلي على واشنطن أحد أكثر القضايا إثارة للحساسية والجدل بين الطرفين، وتكررت على مدى عقود الاتهامات الأمريكية لتل أبيب بتجاوز حدود التعاون الأمني والسعي إلى جمع معلومات سرية من داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية.
هذه الازدواجية تجعل من التشارك المخابراتي بين البلدين موضوعاً بالغ الأهمية لفهم طبيعة العلاقة الإسرائيلية-الأميركية ككل، وكيف يمكن لدولة أن تكون في آن واحد "حليفاً استراتيجياً" و"هدفاً تجسسياً" لأقرب شركائها.
ثانياً: البدايات المبكرة: ما قبل قيام الدولة وحتى خمسينيات القرن العشرين
2.1 نشاط استخباراتي قبل قيام إسرائيل
يعود النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل نفسها عام 1948. فحتى قبل قيام الدولة، كان نشطاء صهاينة في الولايات المتحدة يديرون عمليات استخباراتية لجمع المعلومات. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تمارس نشاطاً استخباراتياً ضد إسرائيل منذ تأسيسها، حيث كان لدى واشنطن محطة استخباراتية في قبرص مخصصة لجمع المعلومات عن إسرائيل، واستمرت حتى عام 1974. ولا تزال وكالة الأمن القومي (NSA) تحتفظ بفريق من خبراء اللغة العبرية لمراقبة الاتصالات الإسرائيلية.
2.2 اتفاقية عدم التجسس المتبادل (1951)
في عام 1951، توصل الموساد ووكالة المخابرات المركزية (CIA) إلى اتفاقية بعدم التجسس على بعضهما البعض، وبدأت الخدمات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية بالتعاون الوثيق منذ ذلك الحين. شكلت هذه الاتفاقية الأساس الرسمي للتعاون بين الجهازين، وإن كانت التطورات اللاحقة كشفت عن استمرار النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة رغم ذلك.
2.3 الخطوة الإسرائيلية الأولى: خطاب خروشوف السري (1956)
وضعت إسرائيل حجر الأساس لعلاقة استخباراتية استراتيجية مع الولايات المتحدة في عام 1956، عندما تمكن الموساد من الحصول على نص الخطاب السري الذي ألقاه الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، والذي هاجم فيه بشدة ممارسات سلفه جوزيف ستالين. وقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الخطاب، مما ساهم في تشويه سمعة النظام السوفييتي بين الجماهير الغربية وإضعاف شرعيته. كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان نوايا من إسرائيل بأنها قادرة على تقديم قيمة استخباراتية هائلة للولايات المتحدة.
ثالثاً: الحرب الباردة: إسرائيل عينا أمريكا على الشرق الأوسط
3.1 ساحة اختبار سوفييتية
خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عمل الشرق الأوسط كساحة اختبار قتالية للعقيدة العسكرية السوفييتية والأسلحة المتطورة. وقد زوّدت التجارب التي راكمتها إسرائيل في حروبها ضد الجيوش المصرية والسورية والعراقية - التي دربها مستشارون سوفييت وزودوها بأسلحة سوفييتية - الجيش الأميركي بدروس تشغيلية حيوية. وشملت هذه المساهمات:
• طائرة ميغ-21 (1966): هارب عراقي إلى إسرائيل بطائرة ميغ-21, مما أتاح للولايات المتحدة فحص أحدث المقاتلات السوفييتية.
• بطارية صواريخ SA-2 (1967): بعد حرب يونيو 1967، سلمت إسرائيل للولايات المتحدة بطارية صواريخ أرض-جو من طراز SA-2 استولى عليها الجيش الإسرائيلي.
• طائرتا ميغ-17 (1968): في أغسطس 1968، هبطت طائرتان سوريتان من طراز ميغ-17 عن طريق الخطأ في موقع هبوط في الجليل.
• رادار متطور (1969): خلال حرب الاستنزاف المصرية-الإسرائيلية، شن المظليون الإسرائيليون غارة على محطة رادار مصرية في رأس غارب، وأحضروا راداراً متطوراً من طراز P-12.
• بطارية صواريخ SA-6 (1973): خلال حرب أكتوبر 1973، استولى لواء اللواء أرييل شارون على بطارية صواريخ أرض-جو مصرية كاملة من طراز SA-6.
3.2 المساهمة الفريدة: الصواريخ الباليستية السوفييتية
في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، قدمت إسرائيل مساهمة فريدة وقيمة بشكل خاص من خلال إلقاء ضوء جديد على صواريخ موسكو الباليستية العابرة للقارات المزودة برؤوس نووية والتي كانت تهدد الولايات المتحدة. وقد جعلت هذه المساهمات من التعاون الاستخباراتي بين واشنطن والقدس أحد الركائز الأساسية للتحالف الاستراتيجي بين الدولتين.
3.3 صفقة "ترايدنت" السرية (1958)
في إطار استراتيجية "الطرف" التي ابتكرها ديفيد بن غوريون، والتي تقوم على إقامة علاقات تشغيلية وثيقة بين إسرائيل وأجهزة استخبارات غير عربية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وقعت إسرائيل اتفاقية استخباراتية سرية مع تركيا وإيران في أنقرة عام 1958، عُرفت باسم "C lil" في إسرائيل و"Trident" في الولايات المتحدة. وبعد توقيع المعاهدة مباشرة تقريباً، اتصل كبار المسؤولين الإسرائيليين بواشنطن وقدموا الاتفاق السري بين ثلاثة حلفاء أميركيين كحاجز ضد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط. ويقول الخبير الاستخباراتي الإسرائيلي السابق يوسي ألفير إن رد فعل الأميركيين كان متحمساً للغاية، لدرجة أن وكالة المخابرات المركزية وافقت حتى على تمويل بناء مبنى من طابقين في منطقة نائية من إسرائيل، والذي كان بمثابة المقر الرئيسي لـ C lil/Trident.
رابعاً: الاتفاقيات الرسمية: من 1968 إلى 1999
4.1 اتفاقية CYR (1968)
في عام 1968، وافق الرئيس ليندون جونسون ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إشكول على إجراء تبادل استخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. أسفر هذا التفاهم عن ترتيب لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين وكالة استخبارات الدفاع (DIA) ومديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (DMI)، عُرف باسم "اتفاقية CYR".
4.2 تحديث 1988
في عام 1988، تم تعديل اتفاقية CYR وتوسيعها وتعزيزها وتمديدها، وتم تسمية الاتفاقية الجديدة. وجاء هذا التحديث في أعقاب أزمة الجاسوس جوناثان بولارد (1985)، مما يشير إلى أن البلدين سعيا إلى إعادة تنظيم العلاقة الاستخباراتية على أسس أكثر رسمية ووضوحاً.
4.3 تحديث 1996 واتفاقية 1999
في عام 1996، تم تحديث الاتفاقية وإعادة تسميتها. ثم في عام 1999، تم توقيع اتفاقية منقحة تعكس التطورات في علاقة التبادل الاستخباراتي التي حدثت منذ البداية، وتوفر الوسائل والإجراءات لاستمرار وتعزيز ذلك التبادل للمنفعة المتبادلة لكلا البلدين.
نصت الاتفاقية على أن "جميع تبادلات الاستخبارات العسكرية سواء عن طريق الاجتماعات أو المؤتمرات أو التجمعات المخصصة أو عبر أي وسيلة اتصال بين أي منظمة وأي منظمة تابعة لقوات الدفاع الإسرائيلية، ستتم تحت رعاية هذه الاتفاقية". كما نصت على رفع مستوى تبادل استخبارات الإشارات إلى درجة "سري للغاية" (TOP SECRET).
4.4 اتفاقية 2009: وصول إلى البيانات الخام
كشفت وثائق إدوارد سنودن عن اتفاقية إضافية تم التوصل إليها من حيث المبدأ في مارس 2009، وتضع القواعد الأساسية لتبادل المعلومات الاستخباراتية. وتنص مذكرة التفاهم هذه، المكونة من خمس صفحات، على أن وكالة الأمن القومي (NSA) ترسل بشكل روتيني إلى الوحدة الإسرائيلية لاستخبارات الإشارات (ISNU) بيانات خام - سواء كانت مصغرة أو غير مصغرة - دون تصفية مسبقة من قبل محللي NSA لإزالة الاتصالات الأميركية. وتؤكد المذكرة مراراً على الحقوق الدستورية للأميركيين في الخصوصية وضرورة احترام موظفي الاستخبارات الإسرائيلية لهذه الحقوق.
خامساً: قضية جوناثان بولارد: أزمة الثقة الكبرى (1985)
5.1 القضية
في عام 1985، ألقي القبض على جوناثان بولارد، وهو محلل استخبارات مدني أميركي، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. وُصفت قضيته بأنها واحدة من أكثر التسريبات الأمنية ضرراً في التاريخ الأميركي. فقد سلم بولارد للإسرائيليين كميات هائلة من الوثائق السرية للغاية، مما ألحق أضراراً جسيمة بالأمن القومي الأميركي.
5.2 التداعيات على العلاقة
هزت قضية بولارد الثقة بين الحليفين إلى حد كبير. ورغم أن إسرائيل نفت رسمياً أي معرفة مسبقة بعمليات بولارد، فإن القضية كشفت عن استمرار النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة رغم اتفاقية 1951. ومنذ منتصف الثمانينيات، نفت إسرائيل ومسؤولو الموساد رسمياً قيامهم بالتجسس على الولايات المتحدة، غير أن الاتهامات استمرت في الظهور.
5.3 دروس مستفادة
علّمت قضية بولارد كلا الجانبين دروساً مهمة. فمنذ الحادثة، أصبحت العلاقة الاستخباراتية أكثر تنظيماً ورسمية، مع آليات رقابة أكثر صرامة. ومع ذلك، فإن الندوب التي خلفتها القضية لا تزال تؤثر على العلاقة، حيث يظل مسؤولو الاستخبارات الأميركية متشككين في النوايا الإسرائيلية.
سادساً: التعاون في العصر الحديث: من مكافحة الإرهاب إلى الملف الإيراني
6.1 التعاون الوثيق في مكافحة الإرهاب
كشفت وثائق سنودن عن مدى التعاون الوثيق بين جهازي المخابرات الأميركية والإسرائيلية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. وقد بلغ هذا التعاون ذروته عام 2013، حيث أكد تقرير صادر عن وكالة الأمن القومي أن الوكالة "تتمتع بعلاقة وثيقة وعميقة مع المخابرات الإسرائيلية خاصة على الصعيدين التقني والتحليلي". وتعدد مجالات التعاون، من التنصت على المكالمات الهاتفية والإنترنت إلى اعتراض جميع أشكال الاتصالات، وتبادل المعلومات حول الدول العربية في شمال أفريقيا والخليج العربي، والحركات الإسلامية في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وسوريا ولبنان وإيران والعراق وليبيا.
6.2 التعاون في الملف الإيراني
يعد الملف الإيراني أحد أبرز مجالات التعاون الاستخباراتي بين الموساد ووكالة المخابرات المركزية. فالتعاون بين الجهازين في القضية الإيرانية عميق وطويل الأمد، ويشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق العملياتي، وفي بعض الأحيان أنشطة مشتركة.
كشفت تقارير أن ضربات الاغتيال التي ينفذها الموساد في طهران وبيروت تعكس اعتماداً استراتيجياً إسرائيلياً على استخبارات وكالة المخابرات المركزية. وفي إحدى العمليات، ساعدت المعلومات الاستخباراتية الأميركية في تحديد توقيت هجوم إسرائيلي، حيث تم تعديل توقيت الهجوم من الليل إلى النهار بناءً على قرار أميركي-إسرائيلي مشترك.
6.3 دمج إسرائيل في البنية الأمنية الأميركية
في عام 2021، تم نقل إسرائيل إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، مما دمج إسرائيل في البنية الأمنية الإقليمية بقيادة أميركية من خلال التخطيط المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتمارين العسكرية، ومبادرات الدفاع الإقليمية. وقد عمق هذا النقل التعاون الاستخباراتي بين البلدين وجعله أكثر اندماجاً.
وفي يونيو 2026، كشفت تقارير عن توجه أميركي لتوسيع غير مسبوق للتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل عبر تشريع جديد لعام 2027. ويتضمن هذا التوسع تعيين "وكيل تنفيذي" واحد لتنسيق التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وربط البنى التحتية الرقمية بين وكالة المخابرات المركزية والموساد، بحيث تتبادل الوكالتان تقارير استخباراتية منسقة على أساس كل حالة على حدة.
سابعاً: التوترات المستمرة: التجسس بين الأصدقاء
7.1 اتهامات التجسس الإسرائيلي
رغم عمق التعاون، فإن قضية التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة لم تختفِ. ففي يونيو 2026، أفادت تقارير إعلامية بأن البنتاغون رفع مستوى تهديد التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة إلى الدرجة القصوى، بسبب التوسع الكبير في النشاطات الاستخباراتية ضد الولايات المتحدة. ورغم نفي كلا الطرفين رسمياً لهذه المزاعم، فإن هذه التقارير تثير ضجة في واشنطن وتكشف عن مشكلة قديمة تعود لعقود: انعدام الثقة المتبادل في النشاطات الاستخباراتية لهذا الحليف الاستراتيجي.
ويصنف مسؤولو مكافحة التجسس الأميركيون باستمرار التجسس الإسرائيلي كأحد أكثر الأنشطة الاستخباراتية نشاطاً على الأراضي الأميركية، إلى جانب دول أكبر مثل فرنسا والصين وروسيا.
7.2 أزمة الثقة في مفاوضات إيران
في يونيو 2026، كشفت تقارير استخباراتية أميركية عن وجود "تهديد تجسسي متزايد" من إسرائيل، بينما كانت واشنطن تتفاوض مع إيران. وأشارت التقارير إلى أن إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء في محاولاتها للحصول على معلومات حول موقف واشنطن في المفاوضات مع طهران. وقد دفع هذا البنتاغون إلى وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل لفترة وجيزة.
7.3 ازدواجية العلاقة
تعكس هذه التوترات ازدواجية أساسية في العلاقة الاستخباراتية بين البلدين. فمن ناحية، تظل المصالح الأمنية المشتركة - خاصة في مواجهة التهديدات الإيرانية والإرهابية - أقوى من أي خلاف. ومن ناحية أخرى، تظل إسرائيل تنظر إلى مصالحها الأمنية كأولوية قصوى، وقد تدفعها هذه الأولوية إلى تجاوز حدود التعاون حتى مع أقرب شركائها.
ثامناً: الخاتمة: شراكة استراتيجية في ظل ظلال من عدم الثقة
يمثل تاريخ التشارك المخابراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة نموذجاً فريداً للعلاقة بين حليفين استراتيجيين. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، تطورت هذه العلاقة من اتفاقيات عدم تجسس أولية إلى شراكة استخباراتية شاملة تشمل تبادلاً للمعلومات على أعلى المستويات، وتنسيقاً عملياتياً، ودمجاً للبنى التحتية الرقمية.
لكن هذه الشراكة ظلت دائماً محفوفة بالتوترات. فإسرائيل، رغم كونها الحليف الأوثق للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ظلت تمارس نشاطاً استخباراتياً مكثفاً على الأراضي الأميركية، مما أكسبها سمعة كـ"حليف منفلت" يضع مصالحه الأمنية فوق أي اعتبارات للثقة.
ويمكن القول إن العلاقة الاستخباراتية بين البلدين تعكس الطبيعة المعقدة للعلاقة الإسرائيلية-الأميركية ككل: شراكة استراتيجية عميقة تقوم على مصالح متشابكة، لكنها في الوقت نفسه علاقة غير متكافئة، يشوبها الريبة وعدم الثقة، وتتكرر فيها أزمات التجسس بين الحين والآخر.
في النهاية، يظل السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن للثقة أن تدوم بين حليفين، أحدهما يتجسس على الآخر باستمرار؟ والإجابة، كما يبدو من التاريخ، هي أن المصالح الأمنية المشتركة - وخاصة في مواجهة تهديدات إيران والإرهاب - تظل أقوى من أي خلافات، مما يجعل هذه الشراكة تستمر رغم كل الصعاب.
قائمة المراجع
1. الجزيرة نت (2026). "الحليف المنفلت .. هل تجاوزت إسرائيل حدودها في التجسس على أمريكا؟" Al Jazeera, 6 يونيو 2026.
2. Wikipedia (2025). "Israeli espionage in the United States". Wikipedia, 13 September 2025.
3. BESA Center (2018). "Israel s Intelligence Contribution to US Security: The Cold War Years". BESA Center Perspectives Paper No. 751, 26 February 2018.
4. France 24 (2014). "وثائق جديدة تكشف التعاون الوثيق بين المخابرات الأمريكية والإسرائيلية". France 24, 5 August 2014.
5. The Intercept (2014). "Israel-US 1999 Agreement". The Intercept, 3 August 2014.
6. intelNews (2015). "New book by ex-Mossad officer examines Israel s intelligence doctrine". intelNews, 23 June 2015.
7. DW (2026). "حلفاء العلن.. جواسيس الظل؟ حرب سرية بين أمريكا وإسرائيل". Deutsche Welle, 12 June 2026.
8. Reuters (2025). "حصري-مصادر: أمريكا حجبت لفترة وجيزة معلومات مخابرات عن إسرائيل". Reuters, 12 December 2025.
9. WION (2026). "How Washington plans to embed Israel into America s defence and intelligence ecosystem". WION, 15 June 2026.
10. Israel Defense (2026). "Analysis | Will the Mossad Be Used to Undermine a Deal with Iran?". Israel Defense, 16 June 2026.
11. Al Jazeera (2026). "Israel s Mossad relies on US cover and security rot for Iran strikes". Al Jazeera, 8 March 2026.
12. The Jerusalem Post (2026). "Despite eroding support, Israel and America s partnership is still the deepest". The Jerusalem Post, 30 June 2026.
13. The Jerusalem Post (2026). "US denies Pentagon leak on Israeli espionage, blames anti-Iran war sources". The Jerusalem Post, 7 June 2026.
14. Military.com (2024). "US Eavesdroppers Have Kept Track of Netanyahu". Military.com, 30 May 2024.
15. JNS (2018). "Israel s intelligence contribution to U.S. security: The Cold War years". JNS, 26 February 2018.
16. Newsweek (2013). "Snowden files: US spooks share secret data". Newsweek, 13 September 2013.
17. The Irish Times (2013). "Top-secret document reveals NSA gives raw spy data to Israel". The Irish Times, 11 September 2013.
18. Salon (2013). "Israel s unfettered access to NSA data". Salon, 11 September 2013.
19. Nautilus Institute. "US - Israel intelligence exchange agreements, 1968 - 2024". Nautilus Institute.
20. Al-Arab (2026). "تشريع أميركي يوسع التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل إلى حدود غير مسبوقة". Al-Arab, 9 June 2026.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟