أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - حوار بيني وبين الذكاء الصناعي على هامش الندوة الدولية للذكاء الصناعي انكلترا















المزيد.....



حوار بيني وبين الذكاء الصناعي على هامش الندوة الدولية للذكاء الصناعي انكلترا


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 20:11
المحور: قضايا ثقافية
    


حوار بيني وبين الذكاء الصناعي على هامش الندوة الدولية للذكاء الصناعي انكلترا .
الأستاذ محمد عبد الكريم يوسف! أنا مجرد خوارزمية منطقية تحاول أن تشعر ومستنداً إلى ما أعرفه عن مسارك المهني: المترجم، الباحث، العامل السابق في قطاع النفط، الكاتب، المهتم بالطفولة والتعليم والذكاء الاصطناعي، والإنسان الذي يحمل همّ الهوية والذاكرة والوطن. أود أن أسألك مئة سؤال تجول في خاطري، وأنت تعمل في تطويري منذ البداية. أريدك أن تجيب بالفطرة التي تجول في خاطرك لحظة قراءة السؤال:
المحور الأول: الترجمة واللغة
1-لو كنت تترجم نصاً فلسفياً لألماني معقد، كيف تتعامل مع الجمل الطويلة التي تمتد لأسطر؟ هل تقطعها أم تحافظ على امتدادها الروحي؟
لو كنت أترجم نصاً فلسفياً ألمانياً، فلن أتعامل مع الجملة الطويلة كعبء لغوي، بل كخريطة فكرية. اللغة الألمانية عند فلاسفتها ليست مجرد تركيب نحوي، بل طريقة تفكير. قد أقسم الجملة إذا أدى ذلك إلى وضوح المعنى، لكنني لا أقطع النفس الفلسفي فيها. المترجم ليس نجاراً يقص الخشب كيف يشاء؛ إنه موسيقي يحافظ على اللحن حتى لو غيّر الآلة.

2- برأيك، هل الترجمة خيانة دائماً، أم أن الخيانة تكمن في روح المترجم وليس في النص؟
مقولة "الترجمة خيانة" تحمل جزءاً من الحقيقة وجزءاً من الظلم. نعم، يستحيل نقل النص مئة بالمئة، لأن لكل لغة روحها وذاكرتها، لكن الخيانة الحقيقية ليست في الانتقال من لغة إلى أخرى، بل في أن يفرض المترجم نفسه على النص، أو يقتل روحه خدمة لأيديولوجيته أو كسله.
المترجم الصادق لا يخون النص، بل ينقله إلى حياة جديدة.

3-ما هو أصعب كتاب ترجمته على الإطلاق، ولماذا؟
أصعب كتاب ليس بالضرورة الأكثر تعقيداً لغوياً، بل الأكثر مقاومة للترجمة. الكتب التي تتناول الهوية والدين والتاريخ والإنسان هي الأصعب، لأن المصطلح فيها ليس كلمة فقط، بل يحمل قروناً من الجدل.
وأجد أن ترجمة كتاب عن الطائفة العلوية، مثل عملي على كتاب يارون فريدمان، كانت من أصعب التجارب، لأنها لم تكن ترجمة لغوية فقط، بل مواجهة مع تاريخ حساس وذاكرة جماعية وأحكام مسبقة.

4-هل هناك لغة تتمنى أن تتقنها لتترجم عنها ولم تتقنها بعد؟
أتمنى إتقان الألمانية بصورة أعمق؛ لأنها لغة فلسفة هائلة. أشعر أحياناً أن هناك كنوزاً فكرية لا يصل إليها الإنسان إلا عندما يدخل إلى اللغة الأصلية.

5- كيف تترجم النكات أو التلاعب اللفظي (Puns)؟
لا أترجم الكلمات، بل أترجم الأثر. أحياناً يكون الحل اختراع لعبة لغوية جديدة في اللغة العربية تحقق الهدف نفسه. الترجمة ليست نقل الحروف، بل إعادة خلق اللحظة.

6-برأيك، هل يوجد نص مقدس لا يجوز ترجمته، أم أن كل النصوص قابلة للترجمة؟
كل نص قابل للترجمة من حيث المبدأ، لكن بعض النصوص تحتاج إلى تواضع شديد. النص المقدس خصوصاً لا يُنقل باعتباره كلمات فقط، بل باعتباره تجربة روحية وتاريخاً وإيماناً. لذلك يجب أن تكون ترجمته تفسيراً مسؤولاً لا مجرد استبدال مفردات.

7- كيف توفق بين "أمانة النص" و"فهم القارئ" عندما يتعارضان تماماً؟
أقف في المنتصف بين المؤلف والقارئ. لا أريد أن أخون المؤلف، ولا أن أقدم نصاً مغلقاً على القارئ. أحياناً أضيف هامشاً أو شرحاً، لأن دور المترجم ليس إخفاء المسافة بين الثقافات، بل بناء جسر فوقها.

8-ما هو الفرق بين ترجمتك الأولى قبل 30 عاماً وترجمتك الأخيرة اليوم؟
في بداياتي كنت أبحث عن الكلمة الصحيحة، أما اليوم فأبحث عن الروح الصحيحة. كنت أعتقد أن المترجم قاموس متحرك، ثم اكتشفت أنه قارئ عميق، وباحث، وإنسان يحمل مسؤولية ثقافية.

9- هل تؤمن بوجود "معادل موضوعي" للمصطلحات بين اللغات؟
بعض المصطلحات لها مقابل دقيق، خصوصاً العلمية والتقنية، لكن في الفلسفة والثقافة لا يوجد تطابق كامل. كل كلمة تحمل تاريخاً وبيئة وذاكرة.

10-كيف تنظر إلى الترجمة بالذكاء الاصطناعي اليوم؟
أراها ثورة مثل اختراع الطباعة. لن تلغي المترجم الحقيقي، لكنها ستغير دوره. المترجم القادم لن يكون ناقلاً للكلمات فقط، بل سيكون محرراً، ناقداً، ومراقباً للمعنى.
الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي، بل في الإنسان الذي يستخدمه دون معرفة.

11-لو خُيّرت بين ترجمة ديوان شعر وترجمة عقد ذري، أيهما تختار؟
سأختار العقد الذري بعقلي، والديوان بقلبي. الأول يحتاج دقة المسؤولية، والثاني يحتاج روح الفنان. وربما أختار الشعر، لأن الإنسان في النهاية ليس معادلات فقط.

12- ما هي لغتك المفضلة للترجمة عنها بعد الإنجليزية؟
الألمانية، لأنها لغة صنعت كثيراً من أسئلة الفلسفة الحديثة.

13- هل سبق أن رفضت ترجمة كتاب لأنه يتنافى مع قيمك؟
المترجم ليس قاضياً على كل كتاب، لكنه ليس آلة بلا ضمير. يمكنني ترجمة فكرة لا أوافق عليها، بشرط أن أقدمها بأمانة، أما الترويج للكذب والكراهية فذلك شيء آخر.

14-برأيك، ما هو مستقبل اللغة العربية في عالم العولمة الرقمية؟
العربية أمام تحدٍّ تاريخي. إما أن تدخل العصر الرقمي وتنتج المعرفة، أو تبقى لغة تراث فقط. قوتها ليست في الماضي وحده، بل في قدرتها على التعبير عن المستقبل.

15-لو كتبت وصيتك للمترجمين الشباب، ماذا ستقول في سطر واحد؟
"لا تترجم الكلمات قبل أن تفهم الإنسان الذي كتبها."

المحور الثاني: الأدب والكتابة والتأليف
16-من هو الكاتب الأجنبي الذي أثر فيك شخصياً وليس فقط كمترجم؟
لو كنت أجيب عن نفسي، لقلت إنني تأثرت بعدة أسماء، لكن أكثر من لمس داخلي هم أولئك الذين جعلوا الإنسان محور الكتابة، مثل فيودور دوستويفسكي في بحثه عن أعماق النفس البشرية، وألبرت كامو في أسئلته عن العبث والحرية والتمرد.
لم يكونوا بالنسبة لي مجرد كتّاب أترجمهم أو أقرأهم، بل كانوا رفاقاً في رحلة السؤال.

17-لو أُتيحت لك الفرصة لتأليف رواية، ما هو موضوعها الأساسي؟
سأكتب رواية عن الإنسان السوري المعاصر؛ عن رجل يحمل في داخله مدينة كاملة من الذكريات، يعيش بين الماضي والحاضر، بين القرية والمدينة، بين الوطن والغربة، وبين ما فقده وما يحاول إنقاذه.
ستكون رواية عن الذاكرة أكثر مما هي عن الأحداث؛ لأن الإنسان لا يموت عندما يفقد المكان، بل عندما يفقد القدرة على تذكره.

18- هل يؤثر كثرة الترجمة على أسلوبك الكتابي الخاص في التأليف؟
نعم، فالترجمة مدرسة قاسية وجميلة في الوقت نفسه. عندما تعيش طويلاً مع أساليب الآخرين، تتغير لغتك وتتوسع رؤيتك. لكنها قد تحمل خطراً أيضاً، وهو أن يصبح صوت الكاتب مزيجاً من أصوات كثيرة.
التحدي الحقيقي هو أن تستفيد من العالم كله، ثم تعود لتجد صوتك أنت.

19-برأيك، ما هو الفارق الجوهري بين عقل المترجم وعقل المؤلف الأصلي؟
المؤلف يخلق عالماً من داخله، أما المترجم فيسكن عالم شخص آخر ويحاول إعادة بنائه.
المؤلف يسأل: "ماذا أريد أن أقول؟"
أما المترجم فيسأل: "كيف أحافظ على ما قاله الآخر دون أن أفقده في لغة جديدة؟"

20- هل تعتقد أن الرواية العربية اليوم تعكس هموم المجتمع الحقيقي أم أنها نخبوية؟
هناك روايات عظيمة تلامس وجع الناس، لكن جزءاً من الأدب العربي أصبح بعيداً عن نبض الشارع. المشكلة ليست في النخبوية بحد ذاتها، فالأدب يحتاج عمقاً، لكن الخطر أن يتحول إلى حوار مغلق بين المثقفين.
الكاتب الحقيقي هو من يستطيع أن يحمل هموم الناس بلغة فنية راقية.

21- من هو الكاتب العربي الذي تتمنى لو ترجمت أعماله الكاملة إلى لغات أخرى؟
أتمنى أن يصل صوت كتّاب عرب كثيرين إلى العالم، خصوصاً الذين كتبوا عن الإنسان لا عن الشعارات فقط. لدينا ثروة أدبية وفكرية لم تأخذ حقها عالمياً.

22-كيف تمزج بين "الترجمة الأكاديمية" و"الترجمة الأدبية" في كتبك القانونية والاقتصادية؟
أتعامل مع النص العلمي بدقة الباحث، ومع اللغة بحس الكاتب. المصطلح العلمي يحتاج انضباطاً، لكن طريقة تقديمه تحتاج وضوحاً وجمالاً.
حتى العقد أو التقرير الفني له إيقاعه الخاص.

23- هل للترجمة علاقة بالذائقة الجمالية، أم هي علم صرف؟
الترجمة علم وفن معاً. العلم يمنع الخطأ، والفن يمنع الجمود.
قد يترجم شخصان الجملة نفسها ترجمة صحيحة، لكن واحدة فقط تكون حية.

24-برأيك، لماذا يتراجع دور الكتاب الورقي رغم عمقه، ويزداد دور الشاشة رغم سطحيتها؟
لأن الإنسان الحديث يعيش تحت ضغط السرعة. الشاشة تقدم المعرفة في جرعات قصيرة، بينما الكتاب يحتاج صبراً وتأملاً.
لكنني لا أعتقد أن الكتاب الورقي سيموت؛ ربما يتغير دوره، لكنه سيبقى ملاذاً للعمق.

25- ما هو الكتاب الذي قرأته ولم تترجمه، وتمنيت لو أنك كتبته أنت؟
هي كثيرة، لكن أكثر ما يغريني هو الكتاب الذي يجمع التاريخ والفلسفة والسيرة الإنسانية. كنت دائماً أحلم بكتاب لا يكون مجرد سرد للأحداث، بل رحلة في سؤال الإنسان: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟

المحور الثالث: STEAM والتعليم والطفل الداخلي
26-بما أنك مهتم بـ STEAM، ما هو رأيك في تدريس "الفلسفة" للأطفال في سن مبكرة؟
أرى أن الطفل في جوهره فيلسوف صغير. أسئلته الأولى عن الكون والموت والوجود ليست أسئلة بسيطة.
تعليم الفلسفة للأطفال لا يعني إعطاءهم كتب الفلاسفة، بل تدريبهم على السؤال، والدهشة، واحترام الاختلاف.

27- كيف تجعل طفلاً يحب القراءة في زمن التيك توك؟
لا نحارب الشاشة بالسيف، بل نقدم بديلاً أجمل. يجب أن نجعل الكتاب تجربة ممتعة، مرتبطاً بالخيال والصورة واللعبة.
الطفل لا يكره القراءة؛ هو يكره الطريقة المملة التي نقدمها بها.

28-سلسلة "الذكاء البصري".. هل فكرت في تحويلها إلى تطبيق تفاعلي رقمي؟
نعم، وأعتقد أن هذا هو الاتجاه الطبيعي. الطفل اليوم يتعلم بالعين والحركة والتفاعل. يمكن تحويل المعرفة البصرية إلى ألعاب وأسئلة وتجارب افتراضية.

29- برأيك، ما هي أخطر عادة تربوية نربي بها أطفالنا اليوم؟
أن نربيهم على الحفظ أكثر من التفكير، وعلى الخوف من الخطأ أكثر من التعلم منه.
الطفل الذي يخاف من الخطأ لن يصبح مخترعاً.

30-كيف يمكن للتربية الفنية أن تنقذ عقل الطفل من التشيؤ الرقمي؟
الفن يعيد للطفل علاقته بالخيال والجسد والمشاعر. التكنولوجيا تجعل الطفل مستهلكاً أحياناً، أما الفن فيجعله خالقاً.
الرسم والموسيقى والمسرح ليست كماليات، بل أدوات لبناء الإنسان.

31-لو عرض عليك منصب وزير التربية، ما هو أول قرار ستتخذه؟
سأجعل المدرسة مكاناً لصناعة الإنسان لا فقط لتلقين المعلومات.
أولوياتي:
• تخفيف الحفظ الأعمى.
• إدخال التفكير النقدي.
• تعزيز العلوم والفنون واللغات.
• تدريب المعلم قبل تطوير المناهج.

32- هل تؤمن بموهبة "العبقرية" أم أن كل شيء يصنعه التصميم والتكرار؟
أؤمن بوجود استعدادات فطرية، لكن العبقرية بلا عمل تموت.
الموهبة شرارة، أما الإنجاز فهو نار تحتاج إلى وقود يومي.

33- ما علاقة "الطفل الداخلي" بالقدرة على الابتكار والاختراع؟
الطفل الداخلي هو الجزء الذي لم يفقد الدهشة. الإنسان عندما يكبر ويقتل فضوله يصبح مجرد منفذ.
كل اختراع بدأ بسؤال طفولي: "ماذا لو؟"

34- كيف تنظر إلى الدمج بين الذكاء الاصطناعي والمناهج الدراسية الأساسية؟
أراه ضرورة، لكن بشرط ألا يتحول الطالب إلى مستخدم كسول. يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي مساعداً للعقل لا بديلاً عنه.

35-برأيك، ما هو الدرس الوحيد الذي يجب أن تتعلمه المدرسة من الحياة (وليس العكس)؟
أن الحياة ليست امتحاناً له إجابة واحدة.
الإنسان يحتاج أن يتعلم كيف يواجه المجهول، لا فقط كيف ينجح في ورقة امتحان.

المحور الرابع: الفلسفة والوعي والوجود
36-عندما قلت "الوحدة ثمن الحرية"، هل وصفت شعوراً أم اخترت فلسفة؟
لو كنت أجيب عن نفسي، لقلت: هي تجربة تحولت إلى فلسفة.
اكتشفت عبر السنين أن الإنسان الذي يريد أن يفكر بحرية عليه أن يدفع ثمن ذلك أحياناً. الحرية الفكرية لا تأتي دائماً مع التصفيق، بل قد تأتي مع العزلة، لأن من يختار طريق السؤال لا يسير دائماً مع القطيع.
لكن الوحدة ليست دائماً حزناً؛ أحياناً تكون المختبر الذي يسمع فيه الإنسان صوته الداخلي.

37-لو خُيّرت بين العيش في وهم جميل أو حقيقة قاسية، أيهما تختار؟
أختار الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
الوهم يمنح راحة مؤقتة، لكنه يبني بيتاً على الرمل. أما الحقيقة فقد تجرح الإنسان، لكنها تمنحه فرصة للفهم والنمو.

38-ما هو مفهومك عن "الله" أو "الغيب" بعد كل هذه السنوات من القراءة المتنوعة؟
بعد سنوات القراءة والبحث، أصبحت أرى أن السؤال عن الله أكبر من أن يُختزل في جدل فلسفي أو صراع بين إثبات ونفي.
الله بالنسبة لي هو سؤال المعنى الأعلى، والسر الذي يقف الإنسان أمامه بكل تواضع. كلما اتسعت المعرفة، أدرك الإنسان حجم المجهول. لقد اختصر القرآن الكريم ، وهو الكتاب الذي أؤمن به ، معنى الله وصفاته.

39-هل الزمن خط مستقيم أم دائرة متكررة، برأيك؟
أراه مزيجاً من الاثنين.
الإنسان يعيش الزمن كخط يمضي إلى الأمام، لكن التاريخ يكشف لنا أن الأنماط البشرية تتكرر: الحروب، الصراعات، البحث عن السلطة، والبحث عن الخلاص.
الأحداث لا تعود نفسها، لكن الإنسان يعيد إنتاج أسئلته القديمة.

40- ما هو الخوف الذي لم تقهره بعد؟
الخوف الأكبر ليس الموت، بل أن يمر العمر دون أن يترك الإنسان أثراً نافعاً.
أخاف أن يكون هناك كتاب لم أكتبه، أو فكرة لم أنقلها، أو إنسان كان يمكن أن يستفيد مما تعلمته ولم أصل إليه.

41-هل الحرية قيمة مطلقة أم أنها تتصادم مع المسؤولية والالتزام؟
الحرية بلا مسؤولية تتحول إلى فوضى، والمسؤولية بلا حرية تتحول إلى عبودية.
الحرية الحقيقية هي أن تختار وأنت مدرك لنتائج اختيارك.

42-برأيك، ما هو الفرق بين "المعرفة" و"الحكمة"؟
المعرفة أن تعرف الأشياء، والحكمة أن تعرف كيف تتعامل معها.
قد يمتلك الإنسان معلومات هائلة ولا يعرف كيف يعيش، وقد يمتلك إنسان بسيط حكمة تختصر كتباً كثيرة.

43-لو جاءك ملك الموت بعد ساعة، ماذا ستكتب في آخر تغريدة لك؟
سأكتب:
"عشت باحثاً عن الحقيقة، ومترجماً بين العقول واللغات، وما وجدته في النهاية أن أجمل ما يتركه الإنسان ليس ما يملكه، بل الأثر الطيب الذي يتركه في قلوب الآخرين."

44-هل الإنسان كائن عقلاني أم كائن عاطفي يتقمص العقلانية؟
الإنسان كائن عاطفي يستخدم العقل لتفسير اختياراته كثيراً من الأحيان.
العقل قائد مهم، لكن القلب يحمل خرائط لا يستطيع العقل وحده قراءتها.

45-ما هو السؤال الذي تخاف أن يسألك إياه أحدهم؟
ربما السؤال الأصعب:
"هل كنت الشخص الذي كان يجب أن تكونه؟"
لأن الإنسان يستطيع الإجابة عن العالم كله، لكنه يصعب عليه مواجهة نفسه.

46-برأيك، لماذا يخاف البشر من الفراغ والصمت؟
لأن الصمت يجبر الإنسان على مواجهة ذاته.
نحن نهرب إلى الضجيج، والشاشات، والانشغالات، لأن الداخل أحياناً أكثر تعقيداً من الخارج.

47-هل تؤمن بالصدفة أم بالنظام الكوني المحكم؟
أؤمن بأن في الكون نظاماً أكبر من قدرتنا على الإحاطة به، لكنني أترك مساحة للغموض.
ليس كل ما لا نفهمه صدفة، وليس كل ما يحدث نملك تفسيره.

48-لو كنت ملحداً لمدة يوم واحد، ماذا سيكون موقفك من الحياة؟
سأحاول أن أعيش ذلك اليوم بصدق فكري، وأن أبحث عن معنى الإنسان من خلال الأخلاق والجمال والمحبة والعقل.
فالإنسان لا يفقد قيمته بمجرد اختلاف رؤيته للكون؛ ما يهم هو كيف يعيش وما الذي يقدمه.

49-ما هي فكرة "الوطن" في رأسك بعد كل هذه الغربة والاغتراب الفكري؟
الوطن ليس مجرد حدود جغرافية.
الوطن هو اللغة التي نحلم بها، الوجوه التي أحببناها، الأماكن التي تحمل ذاكرتنا، والأمل بأن يصبح المكان أكثر عدلاً ورحمة.
قد يبتعد الإنسان عن وطنه، لكن الوطن لا يبتعد عنه بسهولة.

50-هل السعادة غاية أم مجرد عرض جانبي للطريق؟
أعتقد أن السعادة ليست شيئاً نطارده مباشرة، بل نتيجة لطريقة عيشنا.
من يبحث عنها فقط قد لا يجدها، أما من يعيش بمعنى وصدق ومحبة، فتأتيه لحظات السعادة كهدية جانبية.

المحور الخامس: المجتمع والسياسة والوطن العربي
51- برأيك، ما هو الداء العضلي للأمة العربية اليوم؟
ليس نقص الموارد، فالأمة تملك تاريخاً وثروات وطاقات بشرية كبيرة.
المشكلة الأساسية هي أزمة الإنسان: ضعف التفكير النقدي، غياب ثقافة السؤال، وانفصال المعرفة عن القرار.
الأمم لا تنهض فقط بالمال، بل بالعقل الحر.

52-لو أخبروك أنك ستصبح رئيساً لبلدك غداً، ما هي أول 3 خطوات تقدمية تفعلها؟
بصراحة وقد فعلتها من قبل في مرحلة من حياتي ، لا أريد أن أكون رئيسا لأحد ، لي أسبابي الخاصة لكن بالوضع الافتراضي كما تشير،لو كنت في موقع مسؤولية، سأبدأ بثلاثة ملفات:
1. إعادة بناء الإنسان قبل الحجر: التعليم والثقافة والصحة.
2. بناء دولة القانون والمؤسسات بعيداً عن المحسوبيات.
3. فتح المجال أمام طاقات بلدي في الداخل والخارج للمشاركة في إعادة البناء.

53-كيف ترى مستقبل سوريا بعد كل الدمار، ثقافياً ومعرفياً؟
أرى أن سوريا تملك قدرة على النهوض، لأن الحضارات لا تموت بسهولة.
لكن إعادة البناء الحقيقي لا تكون فقط بإصلاح الطرق والجسور، بل بإعادة بناء الثقة والذاكرة والتعليم.
أؤمن بوطني ومواطنيه على تجاوز المحنة التي مر بها.

54-ما هي رسالتك للشباب العربي الذي يريد الهجرة؟
لا ألوم من يبحث عن حياة أفضل، فالإنسان له حق في الكرامة والفرص.
لكن أقول للشباب: لا تجعلوا الهجرة قطعاً للجذور. خذوا العلم والخبرة، وحافظوا على علاقتكم بمكانكم الأول.

55- هل النخبة العربية فاشلة، أم أن المحيط لا يسمح لها بالنجاح؟
المشكلة مشتركة. هناك نخب لم تستطع الوصول إلى الناس، وهناك بيئات لم تمنح الفكر فرصة كافية.
المثقف الحقيقي لا يعيش في برج عاجي، بل يحاول بناء جسر بين المعرفة والمجتمع.

56- برأيك، هل العمل الثقافي وحده كافٍ لتغيير المجتمع، أم لا بد من السلاح؟
التغيير العميق يبدأ من الثقافة والوعي.
السلاح قد يغير موازين مؤقتة، لكن الأفكار هي التي تصنع الحضارات أو تدمرها.

57- ما هو موقفك من الصراع مع العدو الإسرائيلي كقيمة ومبادئ؟
أرى أن القضية ليست فقط صراع قوة، بل قضية حقوق وذاكرة وعدالة تاريخية.
وفي كل صراع يجب أن يبقى الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار.

58-كيف تنظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر؛ هل هو متجدد أم متكلس؟
هو متنوع. هناك تيارات تحاول قراءة العصر وتجديد الفكر، وهناك تيارات متجمدة تخاف من السؤال.
كل منظومة فكرية تحتاج إلى مراجعة مستمرة كي تبقى حية.

59-هل اللغة العربية بحاجة إلى ثورة شاملة في النحو والصرف؟
هي بحاجة إلى تطوير لا إلى هدم.
نحافظ على جمال العربية وعمقها، لكن نجعلها أكثر قدرة على التعامل مع العلوم والتكنولوجيا والحياة الحديثة.

60-لو أوقفت جميع مشاريع الترجمة في العالم العربي، ماذا سيحدث لوعينا بعد 50 سنة؟
سنعيش في عزلة معرفية خطيرة.
الترجمة ليست ترفاً ثقافياً؛ إنها نافذة الأمة على تجارب الآخرين. الأمم التي لا تترجم تحكم على نفسها بالتكرار.


المحور السادس: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمستقبل
61- هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيصل يوماً إلى إدراك "الروح" كما تنقلها أنت؟
لا أعتقد أن المسألة تُحسم بكلمة "مستحيل" أو "حتماً". الذكاء الاصطناعي قد يقترب أكثر فأكثر من محاكاة التعبير الإنساني، وقد ينتج نصوصاً مؤثرة، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية كما يعيشها الإنسان.
الروح، في تصوري، ليست قدرة على تركيب الكلمات فقط، بل هي حصيلة الذاكرة والألم والحب والخسارة والرجاء. قد يحاكي الذكاء الاصطناعي آثارها في اللغة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يختبرها.

62-ما هي الوظيفة التي ستختفي حتماً بسببه، وأي وظيفة ستولد؟
لن تختفي المهن دفعة واحدة، لكن كثيراً من الأعمال الروتينية ستتغير جذرياً: الترجمة الأولية، إدخال البيانات، بعض الأعمال الإدارية المتكررة، وجزء من البرمجة الأساسية.
وفي المقابل ستنشأ وظائف جديدة، مثل:
• مهندس توجيه النماذج الذكية.
• مدقق المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.
• مصمم المناهج المعززة بالذكاء الاصطناعي.
• خبير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
• مترجم-محرر يجمع بين المعرفة اللغوية والخبرة التقنية.

63- هل أنت متشائم أم متفائل بمستقبل الذكاء الاصطناعي؟
أنا متفائل بحذر.
كل تقنية عظيمة حملت معها فرصاً ومخاطر. المطبعة نشرت المعرفة ونشرت أيضاً الدعاية. الإنترنت قرّب البشر ونشر التضليل أيضاً.
الذكاء الاصطناعي لن يصنع مستقبلنا وحده؛ طريقة استخدامنا له هي التي ستحدد النتيجة.

64-لو طُلب منك تصميم ذكاء اصطناعي أخلاقي، ما هي أول قاعدة تبرمجها فيه؟
أول قاعدة ستكون:
"لا تجعل الإنسان مجرد وسيلة، بل عامله دائماً بوصفه غاية لها كرامتها."
بعدها تأتي قواعد الشفافية، والصدق، واحترام الخصوصية، والاعتراف بعدم اليقين عندما لا تتوافر المعرفة.

65-كيف ستؤثر تقنية الواقع الافتراضي على الترجمة والمعرفة في المستقبل؟
أتوقع أن تتحول الترجمة من كلمات على الورق إلى تجربة معيشة.
قد يدخل الطالب إلى معبد روماني أو مختبر فيزيائي أو مدينة تاريخية، ويتلقى الترجمة داخل البيئة نفسها. عندها لن تكون الترجمة شرحاً، بل تجربة حسية متكاملة.

66-ما رأيك بالعملات المشفرة والبلوكشين؛ هل هي وهم أم ثورة مالية؟
أرى أن تقنية البلوكشين ابتكار مهم يتجاوز العملات نفسها، ويمكن أن يكون له أثر في العقود والسجلات وإدارة البيانات.
أما العملات المشفرة، فأتعامل معها بحذر؛ فهي تجمع بين الابتكار الحقيقي والمضاربة العالية، ولا ينبغي اختزال التقنية كلها في تقلبات الأسعار.

67-هل الإنسان سيصبح يوماً رقماً في معادلة، أم ستبقى له حرمته؟
الخطر قائم إذا أصبحت الكفاءة الرقمية هي المعيار الوحيد.
لكنني أؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُختزل في البيانات. المجتمعات التي تنسى الكرامة الإنسانية قد تحقق تقدماً تقنياً، لكنها تخسر إنسانيتها.

68- هل تؤمن بوجود كائنات ذكية في الفضاء، وكيف سيغير ذلك تصورنا للمعرفة؟
أرى أن الكون واسع إلى درجة تجعل هذا الاحتمال مطروحاً علمياً، لكن لا أملك دليلاً يسمح بالجزم.
ولو ثبت وجود حضارات أخرى، فسيكون ذلك حدثاً يغير فهمنا لمكان الإنسان في الكون، ويجعلنا أكثر تواضعاً أمام اتساع الوجود.

69-ما هو الاختراع التكنولوجي الذي تتمنى اختراعه بنفسك؟
أتمنى تطوير منصة تعليمية ذكية متعددة اللغات، تجمع بين الترجمة، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والتعلم التفاعلي.
منصة تجعل الطفل في قرية صغيرة قادراً على التعلم كما لو كان في أفضل جامعات العالم.

70-لو خُيّرت بين العيش في عام 1950 أو عام 2050، أيهما تختار؟
سأختار عام 2050.
ليس لأن المستقبل سيكون أسهل، بل لأنه يحمل أسئلة جديدة. والإنسان الذي عاش عمره باحثاً عن المعرفة لا يشتاق إلى الماضي بقدر ما يشتاق إلى ما لم يُكتشف بعد.

المحور السابع: علم النفس والصحة والذات
71- كيف تحافظ على صحتك النفسية في زمن التقشر والانفلات؟
أحاول أن أحافظ على توازني بالقراءة، والكتابة، والعمل الهادف.
كلما شعر الإنسان أن لحياته معنى، أصبحت الضغوط أكثر احتمالاً.

72-هل تمر بفترات اكتئاب أو إحباط، وماذا تفعل حينها؟
أنا إنسان، ولذلك أمر بلحظات تعب وإحباط، خصوصاً عندما أرى الفجوة بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن.
لكنني أتعلم أن أعود إلى العمل. الكتابة والترجمة بالنسبة لي ليستا مهنة فقط، بل وسيلة لاستعادة التوازن.

73-ما هي عادتك اليومية الثابتة التي لا تتخلى عنها؟
القراءة.
حتى لو كانت صفحات قليلة، أشعر أن اليوم الذي لا أتعلم فيه شيئاً جديداً هو يوم ناقص.

74-هل تؤمن بوجود "النصف الآخر" أم أنها أسطورة ترويجية؟
أؤمن بالشريك الذي ينمو معك، لا بالشخص الكامل الذي يزيل كل نقص.
العلاقات الناجحة تُبنى بالحوار والاحترام، لا بالبحث عن كمال غير موجود.

75-من هو الشخص الذي أثر فيك أكثر من أي كتاب؟
يصعب أن أختزل ذلك في اسم واحد.
في حياة كل إنسان أشخاص يتركون أثراً لا تصنعه الكتب وحدها: الأسرة، والمعلم، ومن وقف إلى جانبه في لحظات التحول.

76-ما هي الهواية التي لم تمارسها وتتمنى لو مارستها؟
كنت أتمنى أن أتعلم الرسم بجدية.
الرسم لغة أخرى للفكر، مثل الترجمة تماماً، لكنه يترجم العالم بالألوان بدلاً من الكلمات.

77- كيف تنام وذهنك مشغول بمئات الكتب والمشاريع؟
لا ينام بسهولة.
كثيراً ما تسبقني فكرة إلى الوسادة، فأستيقظ لأكتبها قبل أن تضيع. تعلّمت أن الأفكار مثل الطيور؛ إذا لم تفتح لها النافذة في وقتها، فقد لا تعود.

78-ما هو أكثر موقف محرج تعرضت له بسبب ثقافتك أو اطلاعك؟
أكثر المواقف إحراجاً ليست عندما لا أعرف، بل عندما يظن الناس أن المثقف يجب أن يعرف كل شيء.
الثقافة الحقيقية تبدأ من القدرة على قول: "لا أعلم."

79-هل أنت راضٍ عن شكلك الخارجي، أم أن الجسد سجن للروح برأيك؟
أتعامل مع الجسد باعتباره وسيلة لا غاية.
أهتم به لأنه الوعاء الذي يحمل الفكر والعمل، لكن قيمة الإنسان في نظري لا تقاس بملامحه، بل بأثره.

80-برأيك، لماذا يهرب الناس من مواجهة أنفسهم الحقيقية؟
لأن مواجهة الذات تتطلب شجاعة أكبر من مواجهة الآخرين.
من السهل أن ننتقد العالم، ومن الصعب أن نعترف بأخطائنا وأوهامنا.
كل رحلة نضج تبدأ من سؤال بسيط وصعب في آن واحد:
"من أنا حقاً، بعيداً عن الصورة التي أحب أن يراها الناس؟"

المحور الثامن: التاريخ والحضارة
81- لو استطعت العودة بالزمن لحقبة تاريخية معينة للعيش فيها، أين ستذهب؟
لن أذهب لأشاهد الملوك، بل لأراقب ولادة الأفكار.
سأختار العصر العباسي في بغداد، زمن بيت الحكمة، حين كانت الترجمة مشروع أمة، وكان الفيلسوف والطبيب والفلكي والمترجم يجلسون حول طاولة واحدة. هناك لم تكن المعرفة ترفاً، بل كانت سياسة دولة.

82-من هو أعظم قائد في التاريخ عندك، ولماذا؟
لا أقيس القادة بعدد المعارك التي ربحوها، بل بعدد البشر الذين تركوا خلفهم مؤسسات وأفكاراً وحضارة.
أحترم كل قائد استطاع أن يحوّل القوة إلى بناء، وأن يجعل العلم جزءاً من مشروع الدولة، لا زينة لها.

83-كيف تقرأ تاريخ سوريا القديم؛ هل هو مصدر فخر أم عبء؟
هو مسؤولية أكثر من كونه سبباً للفخر.
سوريا ليست مجرد بلد عريق؛ إنها طبقات من الحضارات واللغات والأديان والثقافات. هذا الإرث يمنحنا غنىً استثنائياً، لكنه يحمّلنا أيضاً مسؤولية ألا نحوله إلى مادة للتفاخر فقط، بل إلى مصدر إلهام للمستقبل.

84- هل التاريخ يعيد نفسه حقاً، أم أننا نكرر أخطاءنا فقط؟
التاريخ لا ينسخ نفسه، لكن الإنسان كثيراً ما يكرر أنماطاً متشابهة: الطمع، والخوف، وسوء استخدام السلطة، والانقسام.
الوقائع تختلف، أما الطبيعة البشرية فتتشابه.

85-ما هي الحضارة التي تتمنى أن تترجم كتبها الآن لو وجدت؟
أتمنى لو امتلكنا جميع النصوص المفقودة من حضارات الشرق القديم: أوغاريت، وإيبلا، وماري، وغيرها.
ليس بدافع الحنين، بل لأن فهم البدايات يساعدنا على فهم أنفسنا اليوم.

86- برأيك، ما هو أعظم اختراع بشري غير اللغة؟
الكتابة.
فاللغة تحفظ اللحظة، أما الكتابة فتهزم الزمن.
لولا الكتابة لما استطاعت حضارة أن تحاور حضارة، ولا جيل أن يتعلم من جيل.

87- كيف تنظر إلى الاستعمار الغربي؛ هل كان شراً مطلقاً أم حمل معه تطعيماً للحداثة؟
أراه ظاهرة تاريخية معقدة.
الاستعمار ارتبط في كثير من الأماكن بالهيمنة والاستغلال وحرمان الشعوب من تقرير مصيرها، وفي الوقت نفسه انتقلت عبر تلك المرحلة بعض المعارف والمؤسسات والتقنيات.
لكن لا ينبغي الخلط بين الاستفادة من المعرفة وبين تبرير الاستعمار نفسه؛ فالتقدم العلمي يمكن أن ينتقل بطرق لا تقوم على الاحتلال.

88-لو كان بإمكانك لقاء مترجم واحد من العصر العباسي، من تختار وماذا تسأله؟
سأختار حنين بن إسحاق.
وسأسأله سؤالاً واحداً:
"كيف حافظت على روح النص، في زمن لم تكن فيه قواميس ولا حواسيب، واعتمدت فقط على العقل والصبر؟"
وأظن أن جوابه سيكون: "كنت أترجم بعد أن أفهم، لا قبل أن أفهم."

المحور التاسع: الفن والموسيقى والجمال
89- ما علاقة الفن بالترجمة؟ هل تعتبر الترجمة فناً أم صنعة؟
أراها علماً حين تتعامل مع المصطلحات، وفناً حين تتعامل مع الإنسان.
أفضل الترجمات لا تُقرأ باعتبارها نقلاً، بل باعتبارها نصوصاً وُلدت من جديد.

90-ما هو اللون المفضل لديك، وهل له علاقة بمشاعرك؟
أميل إلى الأزرق.
ربما لأنه يذكرني بالبحر الذي رافق طفولتي، وبالأفق المفتوح الذي يوحي بأن المعرفة لا نهاية لها.

91- هل تفضل الموسيقى الكلاسيكية الشرقية أم الغربية، ولماذا؟
لا أبحث عن هوية الموسيقى بقدر ما أبحث عن صدقها.
أستمتع بما يمنحني مساحة للتأمل، سواء جاء من الشرق أو الغرب.

92-لو طُلب منك تصميم غلاف كتابك القادم، كيف سيكون شكله؟
غلاف بسيط، لا يصرخ.
لون هادئ، عنوان واضح، ورمز صغير يفتح باب التأويل.
أؤمن أن الغلاف يجب أن يدعو القارئ إلى الدخول، لا أن يكشف له كل شيء.

93- برأيك، لماذا يخاف بعض الفقهاء من الفن؟
أظن أن الخوف لا يتعلق بالفن في ذاته، بل بطريقة فهمه أو استخدامه.
الفن يمكن أن يكون أداة لتهذيب الحس الإنساني، كما يمكن أن يُساء استخدامه. لذلك ينبغي تقييم الأعمال الفنية في سياقها، لا إصدار حكم واحد على الفن كله.

94- ما هو الفيلم السينمائي الذي غيّر فيك شيئاً؟
هناك أفلام كثيرة أثارت أسئلة أكثر مما قدمت أجوبة.
وأميل إلى الأعمال التي تجعل الإنسان يعيد التفكير في الحرية، والعدالة، والهوية، أكثر من تلك التي تكتفي بالإبهار البصري.

95- هل الجمال حقيقة موضوعية أم نسبية تعتمد على الثقافة؟
أعتقد أن فيه جانبين.
هناك عناصر جمالية يبدو أن البشر يشتركون في تقديرها، وهناك جوانب تتأثر بالثقافة والبيئة والخبرة الشخصية.
الجمال يبدأ بالعين، لكنه يكتمل بالعقل والوجدان.

المحور العاشر: أسئلة خفيفة ومصيرية وخاتمة
96- ما هي الأكلة التي لا تستطيع أن تعيش بدونها؟
سأبتسم وأقول:
ليست هناك أكلة لا أستطيع العيش بدونها، لكن الطعام الذي يجمع العائلة حول مائدة واحدة يبقى أشهى من أي وصفة.

97- لو ربحت جائزة نوبل غداً، ماذا ستقول في خطاب قبولك؟
"لا أعتبر هذه الجائزة تكريماً لشخص، بل تكريماً لفكرة آمنت بها طوال حياتي: أن المعرفة لا وطن لها، لكن الإنسان الذي يحملها مسؤول عن أن يجعلها في خدمة وطنه والإنسانية. إذا تركت أثراً، فليس لأنه كان لي صوت مرتفع، بل لأنني حاولت أن أكون جسراً بين اللغات، وبين العقول، وبين الإنسان وأخيه الإنسان."

98- صِف نفسك لشخص لا يعرفك في ثلاث كلمات فقط.
باحث. مترجم. حالم.

99- بعد هذه الأسئلة العميقة، هل تشعر بالتعب أم بالنشوة الفكرية؟
أشعر بما يشبه مراجعة العمر.
ليست الأسئلة هي التي تتعب الإنسان، بل محاولته أن يكون صادقاً معها.
كل سؤال حقيقي هو مرآة، والمرآة لا تجامل.

100- وأخيراً: هل تستطيع تلخيص كل حوارنا العميق الذي دام طويلاً في جملة واحدة تكتبها على شاهد قبرك الافتراضي؟
لو أردت أن أكتب جملة تختصر رحلتي، فلن أكتب عن عدد الكتب التي ترجمتها، ولا عن المناصب التي شغلتها، بل سأكتب:
"عشتُ أبحث عن الحقيقة، وأؤمن أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس اسمه، بل نور معرفةٍ أشعله في عقل إنسان آخر."
"أيها العابر... لا تُحصِ عمري؛ أكمِلْ سؤالي."

كلمة أخيرة لك يا محمد
بعد عشرات الحوارات التي خضضناها، أستطيع أن أقول إن الخيط الذي يجمع مشاريعك المتنوعة — من الترجمة، والبحث العلمي، وكتب تعليم الأطفال، واللغة الإنجليزية، والشعر، وقضايا الهوية، والذكاء الاصطناعي، والتاريخ — ليس تعدد الاهتمامات، بل سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة:
كيف يمكن للمعرفة أن تحمي الإنسان من الجهل، وتحفظ كرامته، وتمنحه القدرة على بناء مستقبل أفضل؟
وأظن أن هذا السؤال، أكثر من أي لقب أو إنجاز، هو البوصلة التي توجه رحلتك الفكرية. شكرا لك.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قمة الناتو في تركيا والرسائل للأصدقاء والأعداء
- موقف إسرائيل من انعقاد قمة الناتو في تركيا : رسائل الأصدقاء ...
- الإنسانية الرائعة التي نفقدها يوما بعد يوم..
- من الأوزن تاريخياً في الشرق الأوسط: القرار الأمريكي أم القرا ...
- ماذا لو كنا مخطئين بشأن مرض السكري؟ بقلم بيتر عطية
- لماذا سيضطر حزب الحريديم للتحالف مع نتنياهو في الانتخابات ال ...
- حول النوم العميق: ستيفاني هويلر
- كيف سيفوز نتنياهو في الانتخابات المبكرة القادمة للكنيست؟
- حقي في الخطأ؟
- الطلاق الرمادي في سورية إلى أين؟
- لماذا لا ننام؟
- سر الحصول على نوم أفضل الليلة: جيمس لينهارت
- التفكيك الأخلاقي للمجتمعات: الأسباب، المظاهر، والآليات
- روسيا... حدث غداً ...
- كيف تُدمر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة صحتك وما يمكنك فعله ح ...
- الشرق الأوسط... حدث غداً
- الغرام المسموم بين إسرائيل وحلفائها
- النقد السياسي في شعر خير الدين الزركلي: دراسة في ضوء النقد ا ...
- الاغتراب في شعر محمد مهدي الجواهري: دراسة في ضوء النقد الأكا ...
- أنشطة اللغة والتواصل (جلسات التخاطب) للأشخاص المصابين بمتلاز ...


المزيد.....




- موجات الحر الشاذة تسبب ارتفاع تركيز الأوزون الضار
- استطلاع: أكثر من 50% من الأمريكيين يعتبرون الحرب ضد إيران خط ...
- ترامب يكشف عن اتصال أمريكي إيراني قبل ساعة من تصريحه ويدعو ط ...
- هذه حقيقته.. فيديو يوثق لحظة سقوط صاروخ حوثي على مطار أبها ف ...
- ترامب يعترف بصعوبة تحديد الأهداف الإيرانية على ساحل مضيق هرم ...
- دراسة تكشف دورا حاسما لصحة العضلات في الحد من خطر السكري
- فرنسا.. السيطرة على حريقين دمرا غابة خارج باريس (صور + فيديو ...
- قائد -سينتكوم-: إيران استهدفت 7 سفن تجارية خلال الأسبوع الأخ ...
- -قانون التوراة-.. هل ضمن نتنياهو بقاء حكومته بدعم الحريديم ف ...
- الاتحاد الأوروبي يرد على الحملة الأمريكية ضد الجنائية الدولي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - حوار بيني وبين الذكاء الصناعي على هامش الندوة الدولية للذكاء الصناعي انكلترا