محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 00:11
المحور:
قضايا ثقافية
روسيا... حدث غداً
ملخص
في صيف عام 2026، تقف روسيا على مفترق طرق تاريخي، إذ تواجه أزمة وجودية متعددة الأبعاد بلغت ذروتها في يونيو 2026، عندما وصف الرئيس فلاديمير بوتين الوضع بأنه "مصيري". فبعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، وتراكم العقوبات الغربية، وتآكل النفوذ الإقليمي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، تجد روسيا نفسها في مواجهة تحديات تهدد أسس نظامها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. تتناول هذه الورقة التحولات الراهنة في روسيا في ضوء التطورات الأخيرة التي شهدها النصف الأول من عام 2026، محاولة قراءة ملامح "غد" روسيا من خلال وقائع "يومها" الراهن.
أولاً: الأزمة الوجودية – متى وصلت روسيا إلى نقطة اللاعودة؟
في 28 يونيو 2026، وقف الرئيس بوتين على منصة المؤتمر الثالث والعشرين لحزب "روسيا الموحدة" ليعلن أن روسيا تمر بـ"لحظة مصيرية". هذا الإعلان لم يكن خطاباً عابراً، بل اعترافاً صريحاً بأن الضغوط التي كانت روسيا تتحملها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا قد تحولت من صدمات "انفجارية" إلى استنزاف "تآكلي" متواصل في المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية.
فمنذ ربيع 2026، تصاعدت وتيرة الضربات الأوكرانية على العمق الروسي، مستهدفةً البنية التحتية الحيوية للطاقة والنقل، من مصفاة كابوتنيا قرب موسكو إلى مصفاة تيومين في سيبيريا. هذه الهجمات لم تتسبب فقط في نقص الوقود في بعض المناطق، بل كسرت أيضاً الوهم القائل بأن الحرب محصورة في "منطقة العمليات العسكرية الخاصة"، وأجبرت روسيا على توزيع مواردها الدفاعية الجوية المحدودة على جبهات متعددة.
ثانياً: الميدان العسكري – هجوم ربيع وصيف 2026 بين الطموح والواقع
شنت القوات الروسية هجوماً ربيعياً-صيفياً في عام 2026، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. فوفقاً لتقييم معهد دراسات الحرب (ISW)، لم يحقق الهجوم تقدماً ذا دلالة تشغيلية، حيث بلغ معدل التقدم الروسي في يونيو 2026 جزءاً بسيطاً من معدل التقدم المحقق في يونيو 2025. ففي يونيو 2025، سيطرت القوات الروسية على 481.25 كيلومتراً مربعاً بمعدل 16.04 كيلومتراً مربعاً يومياً، بينما في يونيو 2026، لم تتجاوز المساحة التي سيطرت عليها أو تسللت إليها 30.42 كيلومتراً مربعاً، بمعدل 1.01 كيلومتر مربع يومياً.
والأكثر إثارة للقلق هو التكلفة البشرية الباهظة لهذا التقدم البطيء. فقد تكبدت القوات الروسية 39,490 إصابة (بين قتيل وجريح) في يونيو 2026، أي نحو 1,298 إصابة لكل كيلومتر مربع تم السيطرة عليه، مقارنة بـ 68 إصابة لكل كيلومتر في يونيو 2025. كما تضاعفت خسائر المركبات وخزانات الوقود 3.8 مرات، بينما قفزت خسائر الطائرات المسيرة 13.3 مرة مقارنة بالعام السابق.
في الوقت نفسه، تواجه روسيا صعوبات متزايدة في إمداد خطوطها الأمامية، حيث اضطرت بعض وحدات المشاة إلى السير لمسافات تصل إلى 30 كيلومتراً للوصول إلى مواقعها. ورغم اختراق القوات الروسية لخطوط الدفاع الأوكرانية في بعض المناطق مثل كوستيانتينيفكا وكوبيانسك، إلا أن التقدم يظل بطيئاً ومكلفاً.
ثالثاً: الاقتصاد – بين الوعود الرسمية والانهيار الصامت
في المقابل الرسمي، يصر الرئيس بوتين على أن الاقتصاد الروسي يتعافى ويعود تدريجياً إلى مؤشراته المستهدفة، معترفاً بأن التضخم هو المشكلة الكلية الرئيسية. لكن الصورة الحقيقية أكثر قتامة.
3.1 تراجع الإيرادات وعجز الميزانية
تشير البيانات إلى أن إيرادات الميزانية الروسية انخفضت بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي، رغم ارتفاع أسعار النفط. ووصل عجز الميزانية إلى حوالي 70 مليار دولار، أي ضعف التقديرات السابقة لوزارة المالية. وفي الربع الأول من 2026، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2%، وهو أول انكماش ربع سنوي منذ 2023. وتشير تقديرات معهد كييف للاقتصاد إلى أن إيرادات روسيا من صادرات النفط قد تنخفض من 160 مليار دولار في 2025 إلى 115 ملياراً في 2026 و113 ملياراً في 2027.
3.2 العقوبات "شبه الجزئية" وتأثيرها التراكمي
يواصل الغرب تشديد العقوبات على روسيا، حيث اعتمد المجلس الأوروبي في يونيو 2026 حزمة عقوبات جديدة استهدفت 34 فرداً و47 كياناً مرتبطاً بالمجمع الصناعي العسكري، وأسطول النفط "الظل"، وآلة الدعاية، وانتهاكات حقوق الإنسان. وتستهدف العقوبات بشكل متزايد سلاسل التوريد العسكرية وأسطول الناقلات "الظل".
ورغم ذلك، لا تزال روسيا تعتمد على ناقلات "الظل" التي نقلت في أبريل 2026 الحصة الأكبر من صادرات الوقود الأحفوري الروسي على الإطلاق (54%). لكن الضغوط مستمرة، إذ تسببت الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير في خفض الإنتاج، بينما أدى التدقيق المتزايد في الشحنات إلى تباطؤ صادرات الوقود الروسي إلى آسيا.
3.3 التحول نحو الشرق – اعتماد متزايد على الصين
مع إغلاق الأسواق الأوروبية، تحولت روسيا بشكل متزايد نحو الصين. ففي يناير 2026، كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الروسي المنقول بحراً، حيث استوردت نحو 2.1 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر 2025. واستوردت الصين 50% من إيرادات روسيا من الوقود الأحفوري من أكبر خمسة مستوردين.
لكن هذا الاعتماد له ثمنه. فقد نقلت روسيا السيطرة على إعادة تأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى الصين، مما يمنح بكين نفوذاً كبيراً على شريان حيوي من صادرات الطاقة الروسية. وفي المقابل، زودت الصين روسيا بنحو 90% من وارداتها من التكنولوجيا الخاضعة للعقوبات في 2025. وقد بلغت التجارة الثنائية بين البلدين حوالي 228 مليار دولار في 2025، محتفظة بمستوى يتجاوز 200 مليار دولار للسنة الثالثة على التوالي.
رابعاً: الداخل الروسي – مجتمع تحت الضغط
4.1 أزمة ديموغرافية واقتصادية متفاقمة
تواجه روسيا أزمة سكانية حادة، حيث لا يتجاوز معدل الإنجاب الرسمي 1.78 طفل لكل امرأة، ويقدر الخبراء المعدل الحقيقي بنحو 1.5 فقط، وهو أقل بكثير من معدل الإحلال البالغ 2.1. وتشير تقديرات إلى أن الخسائر العسكرية الروسية قد تصل إلى 1.2 مليون بين قتيل وجريح. ويعاني سوق العمل من نقص حاد في العمالة، حيث تتوقع وزارة العمل وصول العجز إلى 2.4 مليون عامل بحلول 2030.
كما أدى ارتفاع الإنفاق العسكري إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي إلى تقليص الاستثمار في الاقتصاد المدني، وارتفع التضخم، وزادت الضرائب، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة ورسوم "تقنية" جديدة على الإلكترونيات المستوردة.
4.2 التوتر الاجتماعي والجريمة
تشير تقارير إلى تفاقم مشاكل الجريمة والعنف، مع عودة المحاربين القدامى من الجبهات، حيث قدر عدد العاطلين منهم بنحو 250 ألفاً. وتتزايد المخاوف من تكرار سيناريو ما بعد الحرب الأفغانية، حيث ارتفعت معدلات الجريمة بشكل كبير. وقد وثقت الدراسات زيادة في الجرائم المرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، والجرائم المرتكبة بحق أسر الجنود، والاحتيال، والتطرف.
خامساً: الجغرافيا السياسية – روسيا في عالم متغير
5.1 الشرق الأوسط: تراجع النفوذ وإعادة التموضع
شهد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط تراجعاً ملحوظاً، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024. ومع ذلك، لا تزال روسيا تحتفظ بوجودها العسكري في سوريا عبر قاعدتي حميميم وطرطوس، وتسعى لتثبيت هذا الوجود عبر دعم الحكومة السورية الجديدة اقتصادياً. وقد طبع الروس أوراقاً نقدية سورية بقيمة 23 مليون دولار لدعم الاقتصاد السوري، في محاولة لكسب ود الحكومة الجديدة.
لكن العلاقة ليست خالية من التوتر، إذ حددت الحكومة السورية الجديدة شروطاً لبقاء القواعد الروسية، وفرضت قيوداً على العمليات العسكرية الروسية في المنطقة. كما أوقفت القوات السورية قافلة عسكرية روسية كانت متجهة إلى قاعدة طرطوس.
في موازاة ذلك، تواصل روسيا تعزيز علاقاتها مع إيران، حيث سلمت طهران أول مروحية هجومية من طراز مي-28NE، وتخطط لتسليم 48 مقاتلة من طراز سو-35 بموجب صفقة بقيمة 6.5 مليار دولار. كما تستعد روسيا للعب دور وسيط في النزاع الإيراني-الإسرائيلي، معربة عن استعدادها للمساعدة في إحلال السلام في الشرق الأوسط.
5.2 أوكرانيا: مفاوضات متعثرة وأولويات متغيرة
لا تزال أوكرانيا تمثل الأولوية القصوى للكرملين. لكن الاهتمام الأمريكي تحول نحو إيران، مما أوجد "توقفاً" في عملية السلام الأوكرانية. ورغم استعداد روسيا للتفاوض، فإن كلاً من كييف وموسكو يستبعدان تقديم تنازلات إقليمية.
وتكشف وثائق استخباراتية أوكرانية أن أحد الأهداف السياسية الرئيسية لروسيا هو تقييد علاقات أوكرانيا الأمنية والاقتصادية مع مولدوفا ودول جنوب القوقاز والشرق الأوسط والخليج.
5.3 العلاقات مع الغرب: جدار من انعدام الثقة
ورغم استمرار القنوات الدبلوماسية، فإن العلاقات بين روسيا والغرب في أدنى مستوياتها. وقد صرح بوتين بأن روسيا لا ترفض الحوار مع أوروبا، لكن المفاوضين يجب أن يكونوا "جديرين بثقة روسيا". أما الولايات المتحدة، فقد اجتمع كبار الدبلوماسيين من الجانبين في السعودية في يونيو 2026 لمناقشة إعادة ضبط العلاقات، لكن التقدم ما زال محدوداً.
خاتمة: روسيا... أي غد؟
ما تمر به روسيا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل نقطة تحول تاريخية تعيد تعريف مكانتها في النظام العالمي. فروسيا التي اعتادت أن تكون قطباً عظيماً في موازين القوى الدولية، تجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات وجودية:
• عسكرياً: حرب استنزاف في أوكرانيا بتكلفة بشرية ومادية هائلة، وتقدم ميداني بطيء لا يرقى إلى مستوى التضحيات.
• اقتصادياً: اقتصاد يعاني من العقوبات التراكمية، ويعتمد بشكل متزايد على الصين، مما يخلق تبعية استراتيجية جديدة.
• اجتماعياً: مجتمع يعاني من أزمة ديموغرافية، ونقص في العمالة، وتفاوت اجتماعي، وارتفاع في الجريمة.
• جيوسياسياً: نفوض متراجع في الشرق الأوسط، وعلاقات متوترة مع الغرب، وتحالف استراتيجي مع الصين يحمل في طياته مخاطر التبعية.
إن "غد" روسيا يتحدد اليوم، في خياراتها بين الاستمرار في مسار المواجهة والاستنزاف، أو البحث عن مخارج تفاوضية تعيد تعريف دورها في العالم. لكن الأكيد أن روسيا التي ستخرج من هذه المحنة لن تكون روسيا التي دخلتها.
قائمة المراجع
1. China.com.cn. (2026, July 1). 普京为何说俄罗斯到了“命运攸关”的时刻؟ China.com.cn.
2. 新华社. (2026, June 6). 普京就多个热点问题答世界主要通讯社提问. 新华每日电讯.
3. Militarnyi. (2026, June 18). Russia Seeks to Buy Control Over Its Bases In Syria. Militarnyi.com.
4. TASS. (2026, April 27). Middle East, Ukrainian settlement, V-Day parade: Kremlin’s statements. TASS.
5. The Daily Tribune. (2026, June 23). Russia s Putin arrives in Iran for talks on Syrian conflict, Ukraine grain. Newsofbahrain.com.
6. CSS ETH Zurich. (2026, May 26). Playing a ‘Weak Hand’: Russia’s Middle East Policy. css.ethz.ch.
7. 中新网. (2026, February 6). 巩固战略支点、助伊朗增强军力,俄罗斯在中东打出组合拳. chinanews.com.cn.
8. International Affairs. (2026, January 27). NI: Russia’s new Middle East strategy. en.interaffairs.ru.
9. KSE Institute. (2026, March 10). Russian Oil Tracker – February 2026. kse.ua.
10. RBC-Ukraine. (2026, May 11). Kremlin hands China control over Russian gas export insurance. newsukraine.rbc.ua.
11. Asiae.co.kr. (2026, February 24). “俄罗斯企业劳动力短缺、犯罪与腐败激增等问题严峻”——兰德研究所. asiae.co.kr.
12. Institute for the Study of War. (2026, July 1). Russian Offensive Campaign Assessment, July 1, 2026. understandingwar.org.
13. SANA. (2026, May 19). Putin visits China as Moscow and Beijing deepen strategic ties. sana.sy.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟