محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 00:27
المحور:
قضايا ثقافية
جبران خليل جبران في فضاءات الشاعر هنري زغيب
مقدمة
في المشهد الثقافي اللبناني المعاصر، يقف الشاعر هنري زغيب (1948 –) كواحد من أبرز من كرّس حياته لدراسة ونشر تراث جبران خليل جبران. إن العلاقة التي تربط زغيب بجبران ليست مجرد إعجاب أكاديمي عابر، بل هي "عشق" متجذر امتد لأكثر من أربعة عقود، حوّله من قارئ متأثر إلى باحث موسوعي، ومن متلقٍ إلى حارس أمين على إرث أحد أعظم كتاب لبنان والعالم.
هذا المقال يستعرض فضاءات جبران في حياة وإبداع هنري زغيب، متتبعًا رحلة الشاعر اللبناني في البحث عن جبران إنسانًا وأديبًا وفيلسوفًا، من اللقاء الأول في صفحات الكتب، إلى رحلة التتبع في شوارع بوسطن ونيويورك، وصولًا إلى إصداراته المتعددة وترجماته وأعماله الأكاديمية التي جعلت من جبران محورًا رئيسيًا في مشروعه الثقافي.
أولاً: اللقاء الأول: بذور العشق المبكرة
يعود لقاء هنري زغيب بجبران خليل جبران إلى مرحلة مبكرة من حياته الأدبية. يروي زغيب في مقابلة له: "تعرفت إلى جبران في سنّ مبكرة، عند فجر مسيرتي الأدبية، إذ قرأت مؤلفاته العربية وتأثرت بثورته الأدبية والاجتماعية على حد سواء". وقد كتب مقالاته الأولى عن جبران في جريدة "النهار" اللبنانية الكبرى، حيث بدأ يبلور رؤيته الخاصة لهذا الأديب العالمي.
لم يكن هذا الاهتمام مجرد فضول أكاديمي، بل كان شغفًا متناميًا دفعه لاحقًا إلى السفر إلى الولايات المتحدة عام 1984، حيث بدأ رحلة استكشافية حقيقية في الأماكن التي عاش فيها جبران.
ثانياً: البحث عن الأثر: رحلة في الزمان والمكان
في الولايات المتحدة، تحول شغف زغيب إلى بحث ميداني دؤوب. زار بوسطن، وتجوّل في الشارع الذي كان يقع فيه شقة جبران، وزار مدرسة هاسكل في 314 مارلبورو ستريت. والتقى بخليل وجين جبران (قريبَي جبران) اللذين استقبلاه في زيارة مطولة وأرياه وثائق كثيرة عن الشاعر.
في نيويورك، زار زغيب شارع West 51 وشارع West 10th حيث سكن جبران (وهو المكان الذي لم يعد موجودًا اليوم)، إضافة إلى مستشفى سانت فنسنت حيث توفي جبران ليلة 10 نيسان 1931.
لكن الأهم من زيارة الأماكن كان لقاءه بأشخاص عرفوا جبران شخصيًا: المطران منصور اسطفان، فؤاد الخوري، وأندرو غريب (مترجم جبران من العربية إلى الإنكليزية). أمضى زغيب وقتًا طويلاً في التحاور معهم، جامعًا شهادات حية عن شخصية جبران ومزاجه وسلوكه، وموثقًا جوانب لم يسبق نشرها عن الرجل.
يقول زغيب عن هذه الرحلة: "أتبعتُ خطوات الرجل والأماكن التي ذهب إليها. عملتُ على حياته الأدبية والخاصة. قد تشعر أنه قد تم المبالغة في الحديث عنه، لكنه في الحقيقة بئر عميقة. كلما حفرت أكثر، كلما حصلت على ماء أكثر".
ثالثاً: "جبران خليل جبران – شواهد الناس والأمكنة": ثمرة أربعين عامًا
كانت ثمرة هذه الجهود المتواصلة صدور كتابه "جبران خليل جبران – شواهد الناس والأمكنة" عام 2012، وهو الكتاب الذي وصفه زغيب بأنه ليس دراسة في أدب جبران، وليس استقصاء بيوغرافيًا، بل هو "رحلة بدأها الشاعر هنري زغيب قبل ربع قرن صوب جبران، رحلة خاصة حميمة صوب الرجل الكاتب".
يضم الكتاب شهادات حية من معاصري جبران، إضافة إلى توثيق للأماكن التي عاش فيها. وقد صدرت له لاحقًا طبعة إنكليزية عن مركز الدراسات اللبنانية في لندن، تضمنت مواد جديدة لم تُنشر من قبل، مثل بيان الباخرة الهولندية التي نزل منها جبران في نيويورك على مرفأ "إليس آيلند" مساء 17 حزيران 1895.
رابعًا: ترجمة "النبي": تجديد الكلاسيكي بلغة العصر
في عام 2023، تزامنًا مع مرور مائة عام على صدور كتاب "النبي" لجبران، أصدر هنري زغيب ترجمته العربية الجديدة لهذا العمل العالمي. وقد أثارت هذه الترجمة جدلاً واسعًا في الأوساط الأدبية، بين مؤيد ومعارض.
يشرح زغيب دوافع ترجمته قائلاً: "من زمان وأنا أفكر في ترجمة هذا الكتاب، بعد عقود على صدور ترجماته السابقة في لغة كانت بنت عصرها وعليها أن تتجدد. فاللغة، كأيّ كائن حي، تتجدَّد قاموسًا وأُسلوبًا كل فترة. ومن هنا فإن لغةَ اليوم الرشيقةَ غيرُ تلك التي كانت سائدة في عشرينات القرن الماضي. من هنا رأيتُ أن أنقل النبي إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم مع كل الأمانة للُغة جبران الأصلية".
ويضيف: "سكبتُ النص العربي في لغة رشيقة هي بنتُ عصريَ اليوم لا عصر جبران. اللغة كائن حيٌّ يتطوَّر مع العصور والأَجيال المتعاقبة، حتى إِنجليزية جبران في كتابه تطوَّرت عما كانت عليه قبل 100 سنة".
وقد لاقت ترجمته إشادة من بعض النقاد، حيث وُصفت بأنها الترجمة الأكثر قدرة على التقاط جوهر "المصطفى".
خامسًا: ترجمة "هذا الرجل من لبنان" لباربرا يونغ
في عام 2021، أصدر زغيب ترجمته العربية لكتاب باربرا يونغ الشهير "This Man from Lebanon"، الذي صدر بالأصل عن دار Knopf عام 1945. باربرا يونغ (1878-1960) كانت شاعرة وناقدة أدبية أميركية، التقت جبران في قراءة علنية لـ"النبي" وأصبحت سكرتيرته في السنوات السبع الأخيرة من حياته.
لم يكتف زغيب بالترجمة، بل أضاف إليها تعليقاته الخاصة وسلسلة من الصور والوثائق غير المنشورة، كما أضاف قسمًا ثالثًا كاملاً عن مسيرة باربرا يونغ بعد وفاة جبران وما دار حولها من جدل، مما جعل الكتاب "أكثر من مجرد ترجمة، إنه منجم معلومات عن أشهر كتّاب لبنان".
سادسًا: مركز التراث اللبناني والمؤتمرات الدولية
في عام 2000، تقدم زغيب باقتراح لإنشاء "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، وتمت الموافقة على المشروع عام 2002. ومنذ ذلك الحين، أصبح المركز منصة رئيسية لدراسة ونشر تراث جبران.
نظم المركز تحت إدارة زغيب العديد من المؤتمرات الدولية الكبرى، أبرزها:
• "جبران في القرن الحادي والعشرين: رسالة إلى العالم" (2018)، بالتعاون مع جامعة ميريلاند، حضرها خبراء من جميع أنحاء العالم.
• "الذكرى المئوية للنبي" (2023)، مؤتمر دولي استمر يومًا كاملاً، شارك فيه باحثون من لبنان وإيطاليا وبلجيكا وبلغاريا والولايات المتحدة، واختتم بقراءات مسرحية من ترجمة زغيب الجديدة لـ"النبي".
كما أشرف زغيب على إصدار مجلة "مرايا التراث" المحكمة، وشارك في تحرير أوراق مؤتمر جبران الثالث.
سابعًا: العلاقة الشخصية والروحية
يتجاوز اهتمام زغيب بجبران الجانب الأكاديمي ليصبح علاقة شخصية وروحية عميقة. في مقابلة له، يسأل عن سبب حبه لجبران فيجيب: "أقل ما يمكنني قوله هو أنه يفتح في داخلي أفقًا واسعًا من الشجاعة والمثابرة في كسر جميع أنواع المحرمات سواء على المستوى الأدبي أو الاجتماعي".
كما يصف جبران بأنه "منارة أمل وغذاء روحاني" لمن يقرؤه. وقد تجلت هذه الروحانية في محاضرته التي ألقاها في المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية بعنوان "في زمن الميلاد: يسوع، جبران، ولبنان" (2025)، حيث جمع بين البعد الروحي للمسيح، وتعلق جبران بلبنان، وهوية لبنان الوطنية.
خاتمة
في فضاءات هنري زغيب، يحتل جبران خليل جبران موقعًا فريدًا، لا كموضوع للدراسة فحسب، بل كشريك في رحلة وجودية وثقافية وروحية. فمنذ اللقاء الأول في صفحات الكتب، مرورًا برحلة العمر في شوارع بوسطن ونيويورك، وصولًا إلى ترجماته المتعددة وإصداراته ومؤتمراته الدولية، يبقى جبران حاضرًا في قلب وعمل زغيب.
إن ما قام به هنري زغيب ليس مجرد عمل أكاديمي، بل هو إحياء لتراث جبران، وجعله حيًا ومتجددًا في العصر الحديث. من خلال ترجماته التي تحدّث لغة جبران لتناسب نبض اليوم، ومن خلال مركز التراث اللبناني الذي جعله منصة عالمية لدراسة جبران، يستمر زغيب في أداء رسالة يعتبرها تكليفًا روحيًا أكثر من كونها مهنة. وكما قال عن جبران: "العبقرية لا يجب أن تنتهي، بل يجب أن تُجدد كل يوم". وهذا بالضبط ما يفعله هنري زغيب في فضاءاته الممتلئة بجبران خليل جبران.
المراجع (References)
زغيب، ه. (2012). جبران خليل جبران – شواهد الناس والأمكنة. دار درغام.
زغيب، ه. (2023). ترجمة النبي لجبران خليل جبران.
زغيب، ه. (2021). ترجمة هذا الرجل من لبنان لباربرا يونغ. Centre du patrimoine libanais, LAU.
Henri Zoghaib: A Life Devoted to Kahlil Gibran. (2021, May 12). The Kahlil Gibran Collective. https://www.kahlilgibran.com/latest/108-dr-henri-zoghaib-a-life-devoted-to-kahlil-gibran.html
Najjar, A. (2021, July 1). Gibran, cet homme du Liban. L Orient-Le Jour. https://www.lorientlejour.com/article/1267003/gibran-cet-homme-du-liban.html
From Orphalese to LAU, Khalil Gibran’s Prophet Returns. (2023, August 9). LAU News. https://news.lau.edu.lb/2023/from-orphalese-to-lau-khalil-gibrans-prophet-returns.php
Kahlil Gibran, From Lebanon to the World. (2018, January 9). LAU News. https://news.lau.edu.lb/2018/01/kahlil-gibran-from-lebanon-to-the-world.php
Henri Zoghaib at Time out Magazine. (2009, July). Henri Zoghaib Official Website. https://www.henrizoghaib.com/4745/
بكري، م. (2012، مارس 20). جبران خليل جبران، شواهد الناس والأمكنة، هنري زغيب (لبنان)، دراسة. جريدة النهار. http://langue-arabe.ac-versailles.fr
خوري، ن. (2016، نوفمبر 14). هنري زغيب لـ «الراي»: جبران خليل جبران... شعّ على العالم من صومعته الصغيرة. الراي. https://www.alraimedia.com/article/706273/
محاضرة عن جبران في الجامعة الأميركية: فرص العمر في حياة جبران. (2014، أبريل 16). Henri Zoghaib Official Website. https://www.henrizoghaib.com/
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟