محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 20:12
المحور:
قضايا ثقافية
لا يمكن للقارئ العربي أن يمر على الأدب السوري الحديث دون أن يقف مطولاً عند تجربة كوليت خوري، الكاتبة والشاعرة التي جعلت من كلماتها مرآة صافية تعكس تفاصيل روحها وهواجسها، وتلتقط بدقة نادرة العلاقة الجدلية بين الحبّ والوطن، بين الأنوثة والانتماء.
تأتي هذه الدراسة كقراءة دافئة في تجربتها الشعرية، هدفها الاقتراب من عالمها، وفهم كيف حوّلت الصوت الأنثوي الداخلي إلى إبداع ملموس، وكيف جسّدت في قصائدها ثنائية متكاملة: الحب كملاذ حميم، والوطن كمسؤولية وجودية، في محاولة لكشف الرهان الذي ظلّ يراودها طوال مشوارها: أن تكون "شامية الهوى"، في زمن يختبر فيه الوطن والانتماء أقسى المحن.
أولاً: حياة الشاعرة: بين الجذور الثقافية والجرأة الأدبية
وُلدت كوليت الخوري في مدينة دمشق عام 1931 لأسرة عريقة الملامح الثقافية والسياسية: فهي حفيدة رئيس الوزراء السوري الأسبق فارس الخوري (1877-1962)، القومي البارز الذي ترك بصمة في تاريخ سورية الحديث بمناهضته للاستعمار الفرنسي. لم يكن هذا الميراث العائلي بالنسبة لها مجرد هوية وراثية، بل تكليفاً وجودياً جعلها، في نضجها الأدبي، تعي أن حمل هذا الاسم يضعها دائماً في موقع المساءلة والتوقعات العالية، كما يشير النقاد في قراءاتهم الصادقة.
كوليت هي الاسم الأوّل الذي اختاره والدها سهيل الخوري تأثراً بالكاتبة الفرنسية الشهيرة كوليت التي كانت تعيش مجدها الأدبي آنذاك. أمّا "خولة"، فقد اختاره لها جدّها فارس الخوري تيمّناً ببنت الأزور، راغباً في وجود "فارسة" جديدة من عائلته، لتصبح هي بالفعل فارسة الأدب.
تلقّت تعليمها الأوّلي في مدرسة راهبات البيزانسسون، وأتمّت دراستها الثانوية في المعهد الفرنسي العربي في دمشق، ثم انتقلت إلى بيروت لدراسة الحقوق في الجامعة اليسوعية والجامعة القديس يوسف. لكن زواجها المبكر من الكونت الإسباني رودريكو دوزيس جعلها تترك الدراسة مؤقتاً، لتعود وتتخرج من الجامعة السورية (دمشق) عام 1958، حاملة شهادة في الحقوق وأخرى في اللغة الفرنسية وآدابها. وعلّمت اللغة الإنجليزية على يد زوجة المبشر والمؤرخ موريس سيغيل سيل، التي كانت إقامتها في منزل جدّها فارس الخوري مسؤولاً عن إتقانها للغة الإنجليزية.
في عام 1990، رشّحت نفسها لمجلس الشعب وفازت على مدى دورتين متتاليتين، ثم آثرت الانسحاب لاحقاً لتتفرّغ لأعمالها الأدبية. وفي عام 2006، عيّنها الرئيس السوري بشار الأسد مستشارةً أدبيةً له، وهو ما أثار حولها جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية.
غادرت كوليت خوري عالمنا في 10 أبريل 2026 عن عمر ناهز 95 عاماً، تاركةً إرثاً أدبياً غنياً يمتد لأكثر من ستة عقود، وبصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب النسوي العربي.
ثانياً: الإنتاج الأدبي بين العربية والفرنسية والإنجليزية
أجادت كوليت خوري الكتابة بالعربية والفرنسية والإنجليزية. لكن حضورها الأدبي كان متعدّد المستويات:
• إنتاج بالفرنسية (كتابة مباشرة): نشرت باكراً ديوانيها الشعريين باللغة الفرنسية، هما "عشرون عاماً (Vingt ans)" (1957) و"رعشة (Frisson) (1960)". عبّرت في هذين العملين عن سخطها من القيود الاجتماعية وعن محاولاتها وتخبّطاتها في الحب.
• إنتاج بالإنجليزية: إضافة إلى كتاباتها النثرية الأصلية، هناك حضور مهم لقصائدها المترجمة إلى الإنجليزية بجهود خاصة.
• الإنتاج بالعربية: وهو الأكثر جماهيرية، ليُشكّل العمود الفقري لشهرتها في العالم العربي.
ثالثاً: ديوان "معك على هامش رواياتي": متاهة الحب والوطن والحنين
الإطار العام للديوان
صدر ديوان "معك على هامش رواياتي" عام 1987، وهو مجموعة شعرية مميّزة يصفها النقاد بأنها مجموعة "قصائد منثورة"، مؤلفة من ثلاث عشرة مقطوعة، تحمل هواجس الكاتبة وخواطرها التي كُتبت في فترات متفاوتة، تتميّز بشفافية اللغة وجمال الكتابة. الديوان يُقدّم كرحلة تأملية تتحرك بهدوء بين أسئلة الحب الذاتية وهموم الوطن المصيرية.
ثنائية الحب والوطن
تتلاقى في هذا الديوان ثنائية الحب والوطن التي أيقظت الشاعرة من واقع لم تكن تراه في حبّها الفردي وحده. كان حبّ الوطن – كما عبّرت في أكثر من موضع – أكثر من مجرد شعور فطري، بل هو "الوطن الذي أخاف عليه"، خوف الأم على طفلها.
يمكن تتبّع هذه الثنائية في الديوان عبر المحاور التالية:
1. الحنين إلى الحبّ المطلق: تبحث كوليت عن حبّ متحرّر من القيود الاجتماعية، لا يعترف سوى بصدق الشعور. تكتب عن الرغبة والحرية بصدق غير مألوف في زمنها، مقدمة صوتاً نسائياً لم يسبق له أن عبّر بهذه الجرأة من قبل. إنها تبحث عن ذلك الرجل الذي، في رؤيتها، يستطيع أن يكون أباً يرعاها كطفلة، وفي الوقت نفسه طفلاً تحتاج إلى رعايته.
2. الحنين إلى الوطن الغائب: هذا الحنين يتجاوز الحنين الجغرافي إلى مدينتها دمشق التي أحبّتها وسكبت في روحها عطر الياسمين. إنه حنين إلى وطن أكثر عدلاً وكرامة، كما صرّحت في أكثر من مناسبة: "كان الوطن الذي أخاف عليه"، كأنّ هذا الوطن أصبح بحاجة إلى حماية، فأصبحت قصائدها دفاعاً شفاهياً عنه.
3. الرهان على الحب والوطن: تنتهي الرحلة الشعريّة عند حقيقة راسخة: لا يمكن للشاعرة أن تتنازل عن حبّها لبلدها مهما تكاثرت التحديات. تقول في إحدى قصائدها: "ما استطعت يوماً أن أنسلخ عن بيئتي ومدينتي والوطن". كوليت، هنا، تعلن مسؤوليتها الأخلاقية وإنسانيتها العميقة تجاه المكان الذي صنعها.
رابعاً: الجهود الترجمة للناطقين بالإنجليزية
لم تبقَ قصائد كوليت خوري محصورة في اللغة العربية، بل عبرت الحدود بجهود مترجمين مهتمين، وفي مقدّمتهم الأستاذ محمد عبد الكريم يوسف.
إسهامات الأستاذ محمد عبد الكريم يوسف في الترجمة
قام الأستاذ محمد عبد الكريم يوسف بترجمة قصائد كوليت خوري إلى اللغة الإنجليزية، وقدّمه في أنشودة تغنّي بالنضال والحبّ والانتماء. ترجمته تمثّلت في:
• ترجمة كاملة لديوان "معك على هامش رواياتي"، ليصبح تحت العنوان "With You on the Sidelines of My Novels"، في ترجمة أنيقة تسعى إلى نقل الشفافية الشعرية للنص الأصلي إلى القارئ الإنجليزي.
• ترجمة مختارات شعرية أخرى من الديوان نفسه. قام الأستاذ يوسف بترجمة الديوان ونشره في الطبعة الأولى (ترجمة وإعداد)، ليصبح في متناول القرّاء الناطقين باللغة الإنجليزية.
نموذجان من الترجمة لعناوين القصائد
يمكن عرض نماذج من عناوين القصائد المترجمة التي تنقل إحساس الشاعرة:
العنوان العربي العنوان الإنجليزي (حسب الترجمة)
قصيدة "بعيداً عن متناول يدي" Far from My Reach
قصيدة "التناقضات" Contradictions
قصيدة "معاً... لكن بعيدين" Together... but Apart
قصيدة "سأحتفظ بك" I Will Keep You
لم تقتصر جهود الأستاذ يوسف على الترجمة فقط، بل حرص على تقديم السياق الثقافي والاجتماعي الذي أنتجت فيه هذه القصائد، كاشفاً عن الارتباط العضوي بين تجربة كوليت الإنسانية وطبيعة النص الأدبي.
خامساً: دراسات سابقة ومراجع نقدية
حظيت تجربة كوليت خوري باهتمام نقدي متزايد، خاصّةً بعد رحيلها في أبريل 2026، والذي أعاد فتح ملفّ إرثها الأدبي والسياسي:
• دراسة "كوليت خوري... أن تكون حفيداً لفارس بيك" (العربي الجديد، 2026): تتناول مفارقات موقعها كحفيدة لزعيم وطني، والضغوط التي رافقتها بسبب وقوفها في صف النظام السوري أثناء الثورة. لم يغفر لها كثيرون أنها كانت في الثمانين من عمرها حين قامت الثورة، متخذةً موقفاً واضحاً وحاسماً داعماً للنظام.
• دراسة "كوليت خوري... الشامية" (محمد عبد الكريم يوسف، 2026): هي دراسة نقدية وترجمة معاً، حيث تُعرِّف الشاعرة وتُقدم نماذج مترجمة من ديوانها، موضحةً كيف أنها تحبّ أن تسمّي نفسها "الشامية" وهي حقاً "شامية الهوى".
• مقالات رثاء وتأبين (جريدة "القدس العربي"، موقع "النخبة"، جريدة "الثورة"): نُشرت عقب رحيلها، توقّفت عند منجزها الأدبي وإرثها النضالي في مجال حقوق المرأة وجرأتها في كسر التابو في الأدب السوري.
• أبحاث جامعية: تتناول مسيرتها الأدبية، لا سيما في مجال الرواية النسوية والقصّة القصيرة. من المرجّح أن يكون هناك العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت جوانب متعدّدة من إبداعها في الجامعات السورية.
خاتمة: رحلة الجمال والتحدّي
في ختام هذه القراءة الدافئة، تبقى كوليت خوري واحدة من أكثر أصوات الأدب النسوي السوري والعربي عمقاً وإثارة للجدل. استطاعت أن تبني جسراً بين جرأة الحب وعذوبة الوطن، وأن تفرض رؤيتها الخاصة للكتابة كصرخة تحرّر ومرآة تعكس هموم إنسانيتها.
من خلال ديوانها "معك على هامش رواياتي" ، تتركنا مع سؤال يستحقّ التأمّل: هل كان حبّها للوطن امتداداً لحبّها الكبير للرجل، أم كان هو الأصل الذي لا يمكن التنازل عنه؟ تظلّ إجابتها مدوّنة في أشعارها التي ستظلّ شاهداً على زمن التحدّيات والجمال معاً، وستبقى أعمالها المترجمة إلى الإنكليزية نافذة مضيئة تطلّ منها ثقافتنا العربية على العالم.
قائمة المراجع
المصادر العربية:
1. العربي الجديد. (2026، أبريل 11). كوليت خوري.. أن تكون حفيداً لفارس بيك. تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من [الرابط الافتراضي]
2. النخبة. (2026). كوليت خوري.. القلادة الأجمل في جيل الأدب السوري الذهبي. تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من [الرابط الافتراضي]
3. العربي الجديد. (2026، أبريل 10). كوليت خوري تودع الزمن السوري و"تلامس الشمس". تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من [الرابط الافتراضي]
4. جريدة القدس العربي. (2014، مارس 24). شاعر الحّب نزار فرنسيس: ملحم بركات علم فنّي من أعلام لبنان. تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من [الرابط الافتراضي]
5. وزارة الثقافة. (2017). تاريخ الآداب العربية (الجزء 9). دمشق، سورية.
المصادر الأجنبية والموسوعية:
6. Wikipedia. (n.d.). Colette Khoury. تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من https://en.wikipedia.org/wiki/Colette_Khoury[reference:23]
7. Khoury, C. (1987). معك على هامش رواياتي (With You on the Sidelines of My Novels) ] مخطوطة/ديوان منشور [
8. Yousef, M. A. (2026). كوليت خوري ...الشامية (Colette Khoury... the Levantine). تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من https://mj-iq.com/كوليت-خوري-الشامية- محمد-عبد-الكريم-يوسف/[reference:24]
9. Yousef, M. A. (n.d.). محمد عبد الكريم يوسف (Mohammad Abdul-karem Yousef). تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026، من https://www.ahewar.org/m.asp?i=9497[reference:25]
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟