محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:03
المحور:
قضايا ثقافية
دلالات انتشار الغيبية والخوارق والتوقعات والتنجيم في مجتمعات الشرق الأوسط....
1-المقدمة
على الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم في القرن الحادي والعشرين، لا تزال المعتقدات الغيبية والظواهر الخارقة للطبيعة تشكل حضورًا لافتًا في نسيج المجتمعات العربية والإسلامية. ففي الوقت الذي تنتشر فيه الجامعات ومراكز البحث العلمي وتتسع دائرة التعليم، يظل الإيمان بالجن والسحر والعين والتنبؤ بالمستقبل حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي، بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن هذه الظواهر لا تتراجع في مواجهة التحديث، بل تجد في حداثة العصر – وبخاصة في الفضاء الرقمي – ساحات جديدة لتمثلها وتجددها. في لبنان، على سبيل المثال، تتحول الشاشات التلفزيونية عشية كل عام جديد إلى منصة للمنجمين والعرافين، الذين يملئون الأثير بتنبؤات غامضة. وفي باقي أنحاء العالم العربي، يُنفق الناس سنويًا على الشعوذة والعرافين أكثر من خمسة مليارات دولار، بمعدل مشعوذ واحد لكل خمسة آلاف شخص. وهذه المؤشرات وغيرها تطرح تساؤلاً جوهريًا: ما دلالات انتشار هذه الظواهر في مجتمعات الشرق الأوسط المعاصرة؟
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن فهم انتشار الغيبية والتنجيم لا يمكن اختزاله في تفسير أحادي، كإرجاعه إلى الجهل أو التخلف الثقافي، بل لا بد من مقاربة متعددة الأبعاد تستحضر العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية معًا. ففي تحليلهم لظاهرة التنجيم كآلية ثقافية، يخلص باحثون معاصرون إلى أن الإيمان بالغيبيات ليس مجرد بقايا خرافية من عصور ما قبل الحداثة، بل هو "آلية ثقافية تعكس المخاوف الوجودية والقلق الجمعي واستراتيجيات التكيف للتعامل مع حالة عدم اليقين في الحياة اليومية". وهذا يعني أن هذه الظاهرة ليست عائقًا بسيطًا في طريق التقدم، بل هي نافذة أساسية لفهم التحولات العميقة التي تعيشها مجتمعات المنطقة.
2-تأصيل المفاهيم والإطار النظري
قبل الخوض في تحليل الظاهرة، لا بد من وضع حدود مفاهيمية واضحة للمصطلحات الرئيسية في هذا البحث.
• الغيب: في السياق الإسلامي، يُعرف الغيب بأنه "ما غاب عن الحواس الخمس"، وهو عالم لا يُدرك بالوسائل الفيزيائية المباشرة. يُعد الإيمان بالغيب ركنًا أساسيًا في العقيدة الإسلامية، إذ يشمل ذلك الإيمان بالله والملائكة واليوم الآخر والجن. وهذا التصور يُضفي على الغيب شرعية دينية ويمنح هذه المعتقدات حضورًا قويًا.
• الخوارق (Paranormal) : تعرف بأنها "القوى والأفكار والظواهر التي تتجاوز قدرة الإنسان والإمكانات التفسيرية للعلم، وتنشأ عن أسباب خفية وغير مفسرة، ولا يمكن إقامة علاقة سببية لها". وتشمل هذه المعتقدات مفاهيم مثل السحر والجن والملائكة والاستبصار والأبراج.
• التنجيم (Astrology) : هو الاعتقاد بأن مواقع وحركات الأجرام السماوية تؤثر في شخصيات البشر ومصائرهم وأحداث حياتهم. وعلى الرغم من إجماع الأوساط العلمية على أنه "علم زائف" يفتقر إلى الأدلة التجريبية، إلا أنه لا يزال يحظى بشعبية واسعة، خاصة بين الشباب.
• الخرافة (Superstition) : تعرف بأنها الأفكار والمعتقدات غير المنطقية وغير المثبتة علميًا التي يعتنقها الأفراد لتفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية، وغالبًا ما تحمل بعدًا تفسيريًا وتكيفيًا.
من منظور الأنثروبولوجيا المعرفية وعلم نفس المعتقدات، يتضح أن انتشار الخرافات والتنبؤ بالغيب يعكس "محاولات عقلية بدائية لتفسير الظواهر الطبيعية والوجودية، خصوصًا في مواجهة المجهول"، أي أنها تتجاوز كونها مجرد أفكار خاطئة، لتكون استراتيجيات تكيفية في وجه شكوك الحياة.
3- مظاهر انتشار الظاهرة في مجتمعات الشرق الأوسط
تتنوع مظاهر الغيبية والخوارق في المنطقة بين معتقدات راسخة في التراث الديني والثقافي، وبين ممارسات وتطبيقات جديدة ظهرت مع العصر الرقمي.
3-1-الإيمان بالجن والمس والسحر
يحتل الإيمان بالجن مكانة محورية في المجتمعات العربية والإسلامية، فهو معتقد مؤسس على نصوص قرآنية، مما يمنحه شرعية دينية لا تضاهيها معتقدات مماثلة في مجتمعات أخرى. وتُظهر الدراسات الميدانية أن هذا الإيمان لا يزال حاضرًا بقوة. ففي الأناضول الجنوبية الشرقية، تشير دراسة ميدانية إلى وجود "آثار نفسية-اجتماعية حادة للمس الشيطاني"، رغم الجدل المستمر حول وجود الكائنات الخارقة. وتؤكد المصادر ذاتها أن القوى الخارقة تُنظر إليها في هذه المناطق "في معظمها بمبالغة وخوف عظيم"، ويبدو أن الناس "ورثوا المعتقدات والممارسات التقليدية للكائنات الخارقة من خلفياتهم الدينية والثقافية والاجتماعية-البيئية".
أما بالنسبة للسحر والشعوذة، فتُظهر الإحصاءات حجمًا اقتصاديًا هائلًا لهذه الممارسات. يُنفق العرب سنويًا "على الشعوذة والعرافين ما يزيد على 5 مليارات دولار، ويوجد مشعوذ لكل 5 آلاف شخص". ويشير خبراء إلى أن "البطالة والهشاشة النفسية وتعفن الدماغ" هي من أبرز العوامل المفسرة لهذه الظاهرة، فضلًا عن أن الابتعاد عن "منهاج النبوة" يخلق فراغًا روحانيًا تستغله هذه الممارسات.
3-2- التنجيم والأبراج وقراءة الطالع
تُعد قراءة الأبراج والتوقعات المستقبلية من أكثر مظاهر التنجيم انتشارًا في وسائل الإعلام العربية التقليدية والحديثة. ويتحول شهر يناير عادة في الدول العربية إلى موسم تتصدر فيه تنبؤات المنجمين الشاشات. وفي هذا السياق، يشير باحثون إلى أن المجتمعات العربية، وخاصة اللبنانية، تشهد "تحولًا في الشاشات التلفزيونية إلى منصات للمنجمين والعرافين الذين يملئون الأثير بتنبؤات غامضة"، وهو ما يثير قلقًا من تبعاته الثقافية والفكرية.
هذا الانتشار الواسع لا يقتصر على فئة عمرية معينة، إذ أشارت دراسات حديثة إلى أن "الإيمان بعلم التنجيم ظاهرة شائعة بشكل مقلق، خاصة بين الشباب"، وهو ما يؤكد أن الظاهرة تجتاح مختلف الفئات الاجتماعية.
3-3-التكنولوجيا الرقمية والتنجيم الإلكتروني
يمثل التحول الرقمي نقلة نوعية في انتشار الظاهرة؛ فقد انتقلت ممارسات التنجيم والتوقعات إلى العالم الافتراضي عبر منصات متعددة. ففي تحليلهم لظاهرة قراءة الطالع في إيران، يخلص الباحثون إلى أن هذه الممارسات "تكيفت مع السياقات المعاصرة من خلال المنصات الإلكترونية، وتطبيقات الهواتف المحمولة، وصفحات إنستغرام، وقنوات تليغرام". وهذا التحول الرقمي يُتيح للمنجمين والعرافين الوصول إلى جمهور أوسع، ويتيح للأفراد سهولة الوصول إلى هذه الخدمات في أي وقت ومن أي مكان.
وفي العالم العربي أيضًا، باتت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة خصبة لترويج هذه الممارسات، مما يخلق "هشاشة نفسية" لدى المستخدمين وتشجعهم على اللجوء إلى المشعوذين، كما يوضح الخبراء. ونظرًا لانتشار "التاروت" وقراءة الكف والعلاج الروحاني عبر هذه المنصات، باتت هذه الظاهرة مصدر قلق أخلاقي وديني ومجتمعي في آن. فالتعلق بهذه الممارسات الرقمية يتسبب في "فقدان الثقة في النفس والقرارات، إذ يتحول الإنسان إلى متلقٍ ساذج".
4-دلالات انتشار الغيبية والتنجيم – مقاربة تحليلية متعددة المستويات
تتجاوز ظاهرة انتشار الغيبية والخوارق في الشرق الأوسط كونها مجرد أزمة معرفية أو ثقافية؛ فهي تحمل في طياتها دلالات متشابكة على مستويات نفسية واجتماعية واقتصادية وحضارية.
4-1-الدلالات النفسية: القلق الوجودي والهشاشة النفسية
على المستوى النفسي، تقدم الدراسات تفسيرًا مقنعًا للانتشار الواسع لهذه المعتقدات: فهي آليات تكيف في مواجهة القلق الوجودي. توضح الأبحاث الميدانية أنه "عندما تواجه حياة الناس بعض الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ولا يجدون لها أي تفسير أو تعليل علمي قائم على دليل منطقي، فإنهم يتلقفون أي تفسير يجدونه أمامهم جاهزًا، ليشعروا بنوع من الراحة والأمن النفسي، ويُبعد عنهم الخوف والقلق والتوتر". وهذا يعني أن الغيبية ليست ضعفًا في التفكير بقدر ما هي حاجة إنسانية للبحث عن معنى وتفسير في لحظات العجز المعرفي والنفسي.
وتتعمق هذه الرؤية عندما ننظر إلى الظاهرة في سياق الأزمات. تُجمع التحليلات المعاصرة على أن "الجذب البشري نحو قراءة الطالع ليس جديدًا، لكنه يتضخم في أوقات الأزمات. فاليأس الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، والتشرذم الاجتماعي، تدفع الأفراد إلى البحث عن اليقين في أوقات عدم اليقين". وبالتالي، فإن انتشار التنجيم والتنبؤات ليس مجرد انحراف معرفي، بل هو مؤشر على وجود أزمات حقيقية في المجتمع تُعبّر عن نفسها رمزيًا من خلال الانجذاب نحو الغيب.
وقد أشارت دراسات حديثة إلى أن الهشاشة النفسية وتعفن الدماغ من بين العوامل الرئيسية التي تدفع الأفراد إلى اللجوء إلى المشعوذين، مضيفة بُعدًا مهمًا حول تأثير العصر الرقمي في خلق واستدامة هذه الهشاشة. فالاستهلاك المستمر للمحتوى السطحي وغير الموثوق على وسائل التواصل الاجتماعي يُضعف قدرة الأفراد على التفكير النقدي، ويزيد من قابلية الانخداع بالخطاب الغيبي.
4-2- الدلالات الاجتماعية: التماسك الجماعي والوظيفة التفسيرية للمعتقدات
من منظور اجتماعي، تؤدي المعتقدات الغيبية وظائف بالغة الأهمية، أبرزها تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء الهوية الجماعية. في دراسة أجراها الباحثون على 340 فردًا في المجتمع التركي المسلم، توصلوا إلى وجود "ارتباطات إيجابية ذات دلالة إحصائية بين المعتقدات الدينية التقليدية، والمعتقدات الكلاسيكية الخارقة، والروحانية، والسحر، وتوقعات الفعالية الاجتماعية وتوقعات النتائج الاجتماعية". واستنتجوا أن "المعتقدات الدينية التقليدية قد تكون فعالة في تحسين القبول الاجتماعي للأفراد، وأن الإيمان بإله ثقافي/ديني واحد يوحد الأفراد".
هذا يعني أن المعتقدات في الغيب لا تعزل الأفراد عن مجتمعاتهم، بل على العكس تمامًا، فهي تعمل على تعزيز الروابط الاجتماعية من خلال توفير أطر ثقافية ودينية مشتركة، وتحقيق نوع من الاندماج الاجتماعي. فالإيمان المشترك بوجود عالم خفي، أو بقدرة السحر على التأثير، أو بفعالية الأبراج، يُشكل رابطة اجتماعية جامعة تجعل الأفراد يشعرون بالانتماء والطمأنينة، وهو ما يفسر استمرار هذه المعتقدات عبر الأجيال رغم تطور المجتمعات.
4-3- الدلالات الثقافية والحضارية: استمرارية الموروث وتجديده
على المستوى الثقافي والحضاري، تُظهر دراسة هذه الظاهرة استمرارية الموروث الحضاري وتجديده في مواجهة العولمة. ففيما يتعلق بالمعتقدات الغيبية، يلاحظ الباحثون أن المجتمعات العربية والإسلامية ورثت هذه المعتقدات من خلفياتها الدينية والثقافية والاجتماعية-البيئية. وهذا يعني أن الخوارق ليست عائقًا حضاريًا بقدر ما هي جزء من الذاكرة الجمعية للشعوب. إلا أن التجديد يظهر في الطرق الحديثة لنشر هذه المعتقدات عبر وسائل الإعلام والإنترنت.
فقد تطورت الممارسات التقليدية كقراءة الفنجان والكف، ليتحول بعضها إلى عروض "تاروت" وتطبيقات إلكترونية، حيث أصبح من السهل الحصول على هذه الخدمات عبر الإنترنت. وهذا التطور يطرح تساؤلات مهمة حول التوفيق بين التقاليد والحداثة، وكيف يتشكل الفكر العربي المعاصر في ظل هذا التزاوج.
إضافة إلى ذلك، تُظهر بعض الدراسات كيف أن المنجمين والعرافين يستخدمون لغة العصر الحديث لتقديم أنفسهم. ففي دراسة الحالة الإيرانية، مثّل العرّاف مشاكل العملاء بمصطلحات مجردة وذات صدى ثقافي مثل "الثقل" أو "التأثيرات الروحية"، مما يشير إلى أن خطاب الغيب يتكيف ويتجدد وفقًا للتغيرات الثقافية.
4-4- الدلالات الاقتصادية والسياسية: صناعة الوهم واستغلال الأزمات
بعيدًا عن الأبعاد النفسية والاجتماعية، يحمل انتشار الغيبية دلالات اقتصادية وسياسية بالغة الأهمية لا يمكن إغفالها.
• الدلالة الاقتصادية: تتجاوز الإحصاءات المتعلقة بحجم الأموال المنفقة على السحرة والعرافين 5 مليارات دولار سنويًا في العالم العربي، مما يُشير إلى وجود "اقتصاد موازٍ" ضخم قائم على استغلال حاجات الناس ومخاوفهم. ويُوصف هذا الاقتصاد بأنه "اقتصاد يقوم على ضربات الحظ"، حيث تُستخدم هذه الخدمات كحلول سريعة ووهمية للمشكلات المالية والعاطفية والنفسية. وهذا الاستغلال الاقتصادي يُعمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حيث يتحول الفقراء والأكثر ضعفًا إلى ضحايا لهذه الصناعة.
• الدلالة السياسية: تطرح المقاربة السياسية تحذيرًا مهمًا صاغه ابن خلدون منذ قرون، حيث أكد أن المجتمعات على حافة الانهيار تصبح مهووسة بعلم التنجيم والتنبؤات، بحثًا عن ملاذ في الخوارق كرد فعل على الخوف والعجز. وكان ابن خلدون قد كتب: "عندما يتكاثر المنجمون ويتوافد الناس إليهم، فاعلم أن الدولة في طريقها إلى الانهيار". وعليه، فإن انتشار التنجيم في مجتمع ما لا يقتصر تأثيره على المستوى الفردي، بل هو مؤشر على أزمة سياسية واجتماعية أوسع. فالأنظمة السياسية غير المستقرة قد تشجع على هروب المواطنين نحو الغيب هربًا من الواقع المرير، مما يُسهم في تراجع المشاركة السياسية والإنتاجية المجتمعية، وهو ما يحذر منه خبراء اليوم: "عندما يبدأ المجتمع في الاعتقاد بأن أزماته السياسية وانهياراته الاقتصادية وحتى صراعاته الشخصية ستُحل سحريًا في الأشهر المقبلة لأن منجمًا قال ذلك، فإنه يتوقف عن اتخاذ أي إجراء".
5-استمرارية الظاهرة في العصر الرقمي: تعايش الغيب مع الحداثة
أحد أبرز التحديات التي تطرحها ظاهرة انتشار الغيبية هو دحضها لنظريات العلمنة الخطية، التي تنبأت بتراجع الدين والخرافة مع تقدم العلم والتحديث. فما نراه اليوم في الشرق الأوسط - وفي العالم بأسره - ليس تراجعًا، بل تحولًا في أشكال الظاهرة. فبدلًا من اختفائها، نراها تنتقل إلى الفضاء الرقمي وتتكيف معه وتزدهر.
هذه الظاهرة ما بعد الحداثية تُظهر أن الخوارق ليست بالضرورة نقيض الحداثة، بل هي عنصر من عناصرها الفرعية. فالشاب الذي يدرس الهندسة أو الطب قد يلجأ إلى قراءة الأبراج عبر تطبيق على هاتفه، وهذا لا يعني بالضرورة تخليه عن العقلانية، بل قد يُشير إلى حاجته إلى نظام معرفي موازٍ يُلبِّي جوانب أخرى من شخصيته. وتؤكد الأبحاث أن "الإيمان بعلم التنجيم ظاهرة شائعة بشكل مقلق، خاصة بين الشباب"، وهذا يعني أن الظاهرة تتجدد بين الأجيال الجديدة بصورة لم تكن متوقعة سابقًا.
علاوةً على ذلك، تُظهر الدراسات المعاصرة كيف يستفيد المنجمون والعرافون من أدوات العصر الحديث لتقديم أنفسهم كـ"خبراء رقميين" و"معالجين روحانيين". فالظاهرة التي نشأت في بيئات تقليدية، أصبحت اليوم تُسوَّق من خلال "صفحات إنستغرام وقنوات تليغرام"، مما يُعطيها هالة من الحداثة والعصرية ويجذب إليها جمهورًا أوسع. وكما لاحظ باحثون، "على الرغم من انتشار العقلانية والتقدم العلمي في المجتمعات الحديثة، لا يزال الإيمان بالممارسات الخارقة للطبيعة، مثل العرافة والكهانة، واسع الانتشار".
6-خلاصات وخاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أن انتشار الغيبية والخوارق والتنجيم في مجتمعات الشرق الأوسط ظاهرة معقدة تحمل في طياتها دلالات متعددة ومتشابكة، يمكن تلخيصها في الآتي:
1. ظاهرة متعددة الدلالات: لا يمكن اختزال انتشار الغيبية إلى سبب واحد كالجهل أو التخلف. فهي تنبثق من تداخل العوامل النفسية (القلق الوجودي والهشاشة النفسية)، والعوامل الاجتماعية (الحاجة إلى التماسك والتفسير)، والعوامل الاقتصادية (صناعة اقتصادية ضخمة تستغل حاجة الناس)، والعوامل السياسية (الأزمات التي تدفع السكان نحو الهروب إلى الخيال).
2. وظائف نفسية واجتماعية حيوية: بعيدًا عن كونها مجرد "أخطاء معرفية"، تؤدي المعتقدات الغيبية وظائف تكيفية مهمة مثل تخفيف القلق، وتوفير تفسير للمجهول، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وبناء الهوية الجماعية. وهذا ما يفسر استمراريتها عبر الأجيال رغم تطور المجتمعات.
3. تحول رقمي وليس تراجعًا: في العصر الرقمي، لا تتراجع هذه الظاهرة بل تتحول وتتكيف. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت ممارسات العرافة والتنجيم إلى الفضاء الإلكتروني، وأصبحت أكثر انتشارًا وإتاحة. وهذا التطور يُظهر أن الغيبية تستطيع البقاء في قلب المجتمعات الحديثة.
4. دحض نظريات العلمنة الخطية: تشير هذه الوقائع إلى أن فرضية "كلما تقدم العلم تراجع الدين والخرافة" لم تعد صحيحة بالشكل المطلق. فرغم التعليم الجامعي والانفتاح على التكنولوجيا، يظل الإيمان بالغيب حاضرًا وقويًا. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في العلاقة بين الدين والعلم والحداثة.
5. تحذير من تداعيات سياسية واقتصادية خطيرة: تنبؤات ابن خلدون حول تزايد الاهتمام بالتنجيم كعلامة على انهيار الدول تبقى حاضرة في تحذير العلماء المعاصرين. وعليه، فإن الانغماس الجماعي في هذه الممارسات ليس مجرد هروب فكري، بل هو مؤشر على أزمات اجتماعية وسياسية أوسع تتطلب معالجة جذرية.
في الختام، تلفت هذه الدراسة النظر إلى أن معالجة ظاهرة انتشار الغيبية والتنجيم لا ينبغي أن تتخذ شكل "حرب على الخرافات" بطريقة أخلاقية مجردة. بل ينبغي أن تركز على فهم الأسباب العميقة الكامنة وراءها، ومعالجة الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الناس نحو هذه الممارسات. فبديل الخرافة ليس الهجوم عليها، بل تقديم بدائل معرفية ونفسية وحياتية أكثر إشباعًا، تمنح الإنسان المعاصر أدوات لمواجهة شكوك الحياة ومخاوفها دون الحاجة إلى اللجوء إلى عالم الغيب.
7-قائمة المراجع
المراجع العربية
1. الزم، ليلى قاسم (2020). درجة شيوع الأفكار الخرافية لدى طالبات الأقسام الداخلية: دراسة ميدانية في جامعة ميسان. مجلة أبحاث ميسان، المجلد 16، العدد 31، حزيران 2020.
2. الهلي، مصباح، والشايب، محمد الساسي (2016). المعتقدات الخرافية الشائعة لدى تلاميذ مرحلة المتوسط: دراسة ميدانية على عينة من تلاميذ مرحلة التعليم المتوسط بورقلة (الجزائر). مجلة العلوم النفسية والتربوية، العدد 8، 2016.
3. الخبير الرقمي أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة. مجلة المجتمع، 23 نوفمبر 2025.
4. جريدة العربي (2016). اللجوء إلى السحر والشعوذة ظاهرة تتغلغل في وجدان المرأة العربية. 17 أبريل 2016.
5. الموقع الإلكتروني لمجلة "الأزهر" (2025). الخرافات والتنبؤ بالغيب: بين العلم والوهم وتأثيراتهما النفسية والاجتماعية. 1 يناير 2025.
6. هذا هو بيروت (2025). ظاهرة تنبؤات العام الجديد: بين الخرافة والانحدار الاجتماعي. 2 يناير 2025.
7. باحثون في جامعة الأزهر (2024). علم أم خرافة؟.. التنجيم الإلكتروني ظاهرة شغلت المغاربة. العربية.نت، 22 فبراير 2024.
8. الماسة (2025). "التاروت" أو "الكارطة": حين تمارس التكنولوجيا الدجل. 13 نوفمبر 2025.
المراجع الأجنبية
1. Ayar, D., Aksu, Ç., & Çakı, B. (2022). The Relationship Between Paranormal Beliefs, Social Efficacy and Social Outcome Expectations in Muslim Society: The Case of Turkey. Journal of Religion and Health, 61, 4807–4824.
2. Duyar, V. (2018). Socio-Psychological Effects of the Beliefs on Supernatural Beings: Case Studies from Southeast Anatolia. International Journal of Social Sciences .
3. Bakhshi, H., & Jala iyan Bakhshandeh, V. (2025). Fortune-Telling as a Cultural Mechanism: Thematic Analysis of Fortunes Based on the Interactions between Fortune-Teller and Clients. Strategic Research on Social Problems, 15(1), 59-80.
4. Brancaccio, M. T., et al. (2025). Attacking a Straw Man? A Theoretical Alternative and an Exploratory Empirical Approach on How to "Inoculate" Students Against Astrology. Science & Education, 34, 3751–3784.
5. Al-Zoubi, A. (2025). Spiritual Emptiness Behind the Turn to Sorcerers: Digital Expert Ahmed Al-Zoubi to Al-Mujtama. Al Mujtama Magazine (English edition), December 30, 2025.
6. Al-Helali, M., & Al-Shayeb, M. S. (2016). Common Superstitious Beliefs Among Middle School Students: A Field Study on a Sample of Middle School Students in Ouargla (Algeria). Journal of Psychological and Educational Sciences, Issue 8. (Original in Arabic).
7. University of Baghdad Digital Repository. (2015). The Role of Witchery and Astrology Programs in Spreading Illusion and Myth.
8. Tsacoyianis, B. A. (2024). Disturbing Spirits: Mental Illness, Trauma, and Treatment in Modern Syria and Lebanon. University of Notre Dame Press (October 14, 2024).
9. Al-Krenawi, A. (1999). Explanations of Mental Health Symptoms By the Bedouin-Arabs of the Negev. International Journal of Social Psychiatry, 45(1), 56-66.
10. Culver, R. B., & Ianna, P. A. (1988). Astrology: True´-or-False? A Scientific Evaluation. Prometheus Books. (Cited in Brancaccio et al., 2025).
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟