محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 18:08
المحور:
قضايا ثقافية
المقدمة
تُمثل الشائعات في دول حوض البحر الأبيض المتوسط ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية بالغة التعقيد، تعكس التحديات الجوهرية التي تواجه مجتمعات هذه المنطقة الحيوية من العالم. ففي الوقت الذي تشهد فيه دول الجنوب والشرق المتوسطي تحولات سياسية حادة وأزمات اقتصادية خانقة، تبرز الشائعات كسلاح ذي حدين: فهي من جهة تعبير عن فشل الأنظمة في تلبية احتياجات الجماهير وتلبية تعطشها للمعلومات الموثوقة، ومن جهة أخرى أداة حرب نفسية تستخدمها أطراف متعددة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تحولت الشائعات من ظاهرة محلية محدودة إلى شبكات عالمية معقدة تنتقل عبر القارات بسرعات غير مسبوقة، مما يضع المجتمعات والدول أمام تحديات جديدة تتطلب فهماً عميقاً لطبيعة هذه الظاهرة وآليات مواجهتها.
1- الأسباب الجذرية لانتشار الشائعات في دول حوض البحر المتوسط
تتعدد الأسباب التي تجعل مجتمعات دول حوض البحر الأبيض المتوسط أكثر عرضة من غيرها لانتشار الشائعات، ويمكن حصرها في العوامل التالية:
1-1- النقص المزمن في المعلومات الموثوقة
يعد غياب الشفافية وعدم توفر المعلومات الدقيقة والكافية من المصادر الرسمية أحد أهم الأسباب لظهور الشائعات. في كثير من دول المنطقة، تعاني مؤسسات الإعلام الرسمية من ضعف المصداقية أو التوجه الإيديولوجي المفرط، مما يدفع الجماهير إلى البحث عن بدائل. وكما يشير التحليل النفسي والاجتماعي للشائعات، فإن "الإيمان والثقة بالبلاغات الرسمية" هو الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو دائرة الشائعات، فإذا افتقد الجمهور هذه الثقة، تصبح الشائعات هي المصدر البديل لتفسير الأحداث. كما أن "كتم الأخبار المهمة أو ندرة المعلومات" و"غموض الأدلة ذات الصلة بالموضوع المهم" يشكلان بيئة خصبة لانطلاق الشائعات.
1-2- الجهل وضعف الوعي النقدي
لا يزال "الجهل وانخفاض نسبة التعليم" يشكلان أرضاً خصبة لانتشار الشائعات في بعض المجتمعات المتوسطية، حيث يفتقر قطاع من الجمهور إلى القدرة على تقييم المعلومات بشكل نقدي والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة.
1-3-الاستعداد النفسي والخوف من المجهول
تلعب العوامل النفسية دوراً محورياً في تفسير سرعة انتشار الشائعات في أوقات الأزمات. فالأفراد عندما يواجهون مواقف غير مألوفة أو تهديدات غير واضحة المعالم، يميلون نفسياً إلى "توقع حدوث الشر"، مما يجعلهم أكثر استعداداً لتقبل أي رواية تشرح لهم ما يحدث، حتى لو كانت غير مؤكدة أو مبالغاً فيها. هذا "الاستعداد النفسي (الخوف) من المجهول" هو ما يفسر سرعة انتشار الشائعات في بدايات الأزمات قبل أن تتوفر المعلومات الدقيقة.
1-4-ضعف الشخصية والتباهي بـ"المصادر الخاصة"
في بعض الثقافات المتوسطية، يرتبط انتشار الشائعات أحياناً بالرغبة في إظهار المكانة الاجتماعية. فالأشخاص الذين ينقلون الشائعات قد يفعلون ذلك "بحجة الاقتراب من مصادر القرار"، ساعين إلى تعزيز مكانتهم الاجتماعية من خلال إيهام الآخرين بأنهم يمتلكون معلومات خاصة ومتميزة. هذا "التباهي" بالمعلومات السرية يتحول إلى دافع قوي لنقل الشائعات وتضخيمها.
1-5-العداوة والحقد الاجتماعي
تلعب النزاعات الاجتماعية القديمة والعداوات الشخصية والجماعية دوراً في نشر الشائعات كوسيلة للإضرار بالآخرين. فـ "العداوة والحقد" يدفعان بعض الأطراف إلى ابتكار ونشر روايات مغرضة بهدف تشويه سمعة الخصوم أو إضعاف مكانتهم، وهذه الظاهرة تتفاقم بشكل خاص في المجتمعات التي تعاني من انقسامات طائفية أو عرقية أو سياسية عميقة.
2- الظروف الاجتماعية والسياسية المواتية لانتشار الشائعات
تخلق الأوضاع الاجتماعية والسياسية الهشة في كثير من دول حوض البحر المتوسط الظروف الملائمة لانتشار الشائعات وتضخيمها:
2-1-الأزمات الاقتصادية الممتدة
تعاني دول الجنوب المتوسطي (مصر، تونس، لبنان، الأردن، ليبيا، والجزائر) من أزمات اقتصادية مزمنة تتمثل في ارتفاع نسبة البطالة، وتراجع قيمة العملات، وارتفاع مستويات التضخم، وتراجع الاستثمارات. في هذه الأجواء من اليأس والإحباط، يبحث الناس عن تفسيرات سريعة لحالتهم المتردية، وتجد الشائعات الاقتصادية (مثل شائعات انهيار البنوك، إعادة هيكلة الديون، خفض قيمة العملة) أرضاً خصبة لها، خاصة وأن هناك دائماً حالة من عدم اليقين حول السياسات الاقتصادية للحكومات.
2-2-التحولات السياسية غير المستقرة
تشهد بعض دول المنطقة، خاصة دول "الربيع العربي"، حالة من عدم الاستقرار السياسي تتجلى في تعدد الحكومات، وتغيير الدساتير، وضعف مؤسسات الدولة، وتنامي دور الفاعلين غير الرسميين في المشهد السياسي. هذه الأوضاع تخلق فراغاً معلوماتياً هائلاً وتضعف قدرة الأنظمة على التحكم في تدفق المعلومات، مما يجعل المجتمعات أكثر عرضة للتأثر بالشائعات التي تطلقها أطراف متنافسة تسعى لتحقيق مكاسب سياسية.
2-3-التنوع الثقافي والطائفي
يتسم حوض البحر المتوسط بتنوع عرقي وثقافي وديني كبير (عرب، أمازيغ، أتراك، يونانيون، إيطاليون، إسبان؛ مسلمون، مسيحيون، يهود). هذا التنوع، في غياب سياسات وطنية جامعة، قد يتحول إلى مصدر للتوترات والنزاعات التي تستغل الشائعات كوسيلة لتعميق الانقسامات وإشعال الصراعات. فالشائعات التي تمس هوية مجموعة عرقية أو دينية معينة قد تنتشر بسرعة في أوقات التوتر، وتستخدم كأداة لتحريض جماعة ضد أخرى.
2-4- قرب الجوار من بؤر الصراع والنزاعات
يقع حوض البحر المتوسط في قلب منطقة تشهد نزاعات مسلحة متعددة ومتداخلة: الحروب في ليبيا وسوريا واليمن، والصراع العربي الإسرائيلي، والتوترات بين تركيا واليونان، وغيرها. هذه الصراعات تُنتج كمية هائلة من المعلومات المضللة التي يُروج لها أطراف النزاع لتضليل الرأي العام الدولي وإضعاف معنويات الخصوم. كما أن القرب الجغرافي من بؤر الصراع يجعل المجتمعات المتوسطية تشعر بتأثير هذه الصراعات بشكل مباشر، مما يزيد من قابليتها للتأثر بالشائعات المتعلقة بها.
3- أنماط انتشار الشائعات وديناميكيات انتقالها
3-1-الشائعات الاندفاعية
تتميز الشائعات الاندفاعية بأنها "تنتشر انتشار اللهب في الهشيم لأنها تتعلق بوعد أو بوعد مباشر، ولذلك فإنها تجتاح المجتمع في وقت مذهل في القصر". هذا النوع من الشائعات يرتبط عادة بأحداث مفاجئة وكبيرة (اغتيالات، انقلابات، كوارث طبيعية) تخلق حالة من الذهول لدى الجمهور، وتبدو المعلومة فيها ملحة وذات أهمية حيوية لدرجة أن الناس ينقلونها دون تثبت. في دول البحر المتوسط، كانت شائعة اغتيال رئيس الجمهورية، أو انهيار البنك المركزي، أو الحرب الوشيكة بين دولتين جارتين، أمثلة كلاسيكية على هذا النوع.
3-2-الشائعات في الحروب والأزمات
تكتسب الشائعات أبعاداً خطيرة بشكل خاص في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة. فقد أكدت العديد من المصادر أن "استخدام الشائعات في الحرب النفسية يؤدي إلى تضليل الشعوب وتزييف وعيها، وفي الكثير من الأحيان تعجز الشعوب عن التمييز بين الشائعة والخبر نتيجة خلط متعمد". وفي هذا السياق، "تعد الشائعات من أهم الأدوات التي تعتمدها الحرب النفسية من اجل تحقيق أهدافها، التي منها تحطيم معنويات الأعداء، وتحطيم الثقة بمصادره الإخبارية".
من جهة أخرى، "للشائعات أهداف، منها نشر الكراهية، وإيجاد روح انهزامية، وتشجيع التفاؤل المفرط الذي يعزز الشعور بالرضا والارتياح؛ لأن الحقيقة في بعض الأحيان مزعجة وتزيد من التوتر". وهذا يعني أن الشائعات يمكن أن تستخدم من جهة لإشاعة اليأس والإحباط، ومن جهة أخرى لنشر وعود وهمية بالنصر القريب كوسيلة لتشتيت الانتباه عن مشاكل حقيقية.
3-3-سرعة الانتشار عبر الحدود
مع الثورة الرقمية، لم تعد الشائعات محصورة بحدود دولة واحدة. فالشائعة التي تنطلق من الأردن قد تصل إلى المغرب خلال ساعات، والشائعة التي تطلق في تركيا قد تنتشر في إيطاليا وإسبانيا. وقد ساعدت "التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وما صاحبها من ثورة في عالم الاتصال" في جعل "العالم بمثابة القرية الصغيرة"، مما يعني أن أي شائعة تظهر في أي ركن من العالم المتوسطي سرعان ما تصل إلى كل الأركان الأخرى. هذه السرعة تمنع المؤسسات الرسمية من مكافحة الشائعات بشكل فعال، لأن الشائعة تصل إلى الجماهير قبل أن تتمكن السلطات من إصدار نفي رسمي أو تصحيح.
3-4- دوائر الانتشار المتتالية
يمثل نموذج "دوائر الانتشار المتتالية" إحدى الآليات الأساسية لانتشار الشائعات. تبدأ الشائعة من مصدر (قد يكون فرداً عادياً، أو جهة رسمية بتسريب متعمد، أو منظمة، أو حتى صفحة على مواقع التواصل) ثم تنتقل إلى دائرة صغيرة من الأقارب والأصدقاء الذين يثق بهم الناقل الأول. من هذه الدائرة، تنتقل إلى دوائر أوسع، وهكذا. وفي كل مرة، تضاف إليها طبقات من التفسير والتزيين والمبالغة، بحيث تصبح النسخة النهائية من الشائعة أكثر إثارة وأقل دقة من النسخة الأولى.
4- الاستغلال السياسي للشائعات
تعتبر الشائعات أداة سياسية استراتيجية تستخدمها مختلف الأطراف لتحقيق أهدافها:
4-1- الدعاية الانتخابية والتشويه
في الدول المتوسطية ذات الأنظمة الديمقراطية أو شبه الديمقراطية (مثل تونس ولبنان وتركيا وإسرائيل وإيطاليا)، تشهد الحملات الانتخابية سيلاً من الشائعات الموجهة ضد المرشحين المنافسين. هذه الشائعات قد تتعلق بفضائح مالية أو أخلاقية غير مثبتة، أو بعلاقات سرية مع جهات خارجية، أو بأخطاء طبية أو مهنية في الماضي. وكما يشير أحد المصادر، فإن "استخدام الشائعات" يمارس من قبل "بعض الأحزاب السياسية، وبعض المرشحين في الانتخابات الرئاسية" طلباً للانتصار على الخصم، وهذه الظاهرة انتشرت بشكل واسع في دول مثل تونس بعد الثورة ولبنان وتركيا.
4-2-زعزعة الاستقرار وإضعاف الحكومات
تستخدم أطراف معارضة، سواء كانت داخلية أو خارجية، الشائعات كأداة لإضعاف الحكومات ودفعها إلى اتخاذ قرارات متسرعة أو خاطئة. فالشائعات حول وشيكية انهيار الاقتصاد، أو قرب اندلاع حرب أهلية، أو وجود انقسامات حادة داخل الجيش أو الحكومة، تهدف إلى خلق مناخ من عدم الثقة والذعر يدفع المواطنين إلى الانسحاب من دعم النظام القائم والبحث عن بدائل.
4-3- أداة في الحروب بالوكالة
في مناطق النزاع المتوسطية (ليبيا وسوريا واليمن والعراق وأوكرانيا عبر البحر الأسود)، تستخدم الشائعات كأداة في الحروب بالوكالة بين القوى الكبرى والإقليمية. ففي النزاع الليبي، تبادلت الأطراف المتحاربة اتهامات بالفساد والانتهاكات والعلاقات المشبوهة مع قوى أجنبية، كل ذلك عبر موجات من الشائعات التي تهدف إلى تقويض شرعية الخصم في نظر الرأي العام الدولي والمحلي. وقد أكدت تقارير متعددة أن "فاعلين من دول" يقفون وراء الكثير من "المعلومات المضللة" المنتشرة حول الصراعات في المنطقة، حيث تستخدم حسابات مجهولة ومنصات تابعة لجهات حكومية لترويج روايات معينة وتشويه صورة الخصوم.
4-4-تسريب المعلومات المختارة كشائعات
تستخدم الحكومات وأجهزة المخابرات أحياناً الشائعات كغطاء لتسريب معلومات حساسة لا ترغب في الإعلان عنها رسمياً. فبطرق غير مباشرة، يتم تسريب أنباء عن سياسات حكومية مقبلة (مثل تعويم العملة، أو رفع الدعم، أو اتخاذ إجراءات أمنية معينة) لاختبار ردود فعل الجمهور قبل الإعلان الرسمي عنها. فإذا كانت ردود فعل الجمهور سلبية وقوية، قد تتراجع الحكومة عن القرار وتنفي الشائعة. وإذا كانت ردود الفعل معتدلة أو متقبلة، قد تعلن الحكومة القرار وتقدمه كأمر محتوم لا بد منه.
5- الاستغلال الاقتصادي للشائعات
تؤثر الشائعات بشكل كبير على الاقتصاديات المتوسطية، ويمكن تقسيم هذا التأثير إلى نوعين:
5-1- التأثير المباشر على الأسواق المالية
عندما تنتشر شائعة عن انهيار بنك كبير، أو خفض التصنيف الائتماني لدولة، أو نية البنك المركزي خفض قيمة العملة، تبدأ أسواق المال في الرد بسرعة. يحدث ذعر في أسواق الأسهم والسندات، يندفع المستثمرون إلى بيع أصولهم، وتنخفض قيمة العملة المحلية بشكل حاد. وعندما تتبين عدم صحة الشائعة، تكون الخسائر قد حدثت بالفعل. وقد استفاد مستثمرون ومضاربون في كثير من الأحيان من هذه التقلبات لتحقيق أرباح سريعة بأسعار مرتفعة.
5-2- التأثير السلبي على قطاعات اقتصادية حيوية
تعتبر دول حوض البحر المتوسط، وخاصة دول جنوبه وشرقه، من أكثر المناطق اعتماداً على السياحة. وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن التوترات في المنطقة تؤدي إلى تراجع حاد في الطلب على السفر إلى المتوسط، حيث "تشهد شركات السياحة تراجعاً في الطلب على العطلات في البحر الأبيض المتوسط مع تصاعد النزاع في الشرق الأوسط". وقد قدرت بعض المؤسسات الدولية أن "الصراع كان يكلف قطاع السياحة 600 مليون دولار يومياً في الإنفاق الزائر الدولي"، وأن "ما يقرب من 28 مليون رحلة خارجية من الشرق الأوسط معرضة للخطر هذا العام". كما أن "السياحة - التي تساهم بحوالي 10-11% من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي - تعاني من صدمة كبيرة".
5-3-التضليل الاقتصادي من قبل فاعلين من دول
في النزاعات الإقليمية، تستخدم الشائعات الاقتصادية كسلاح حرب. فقد أشارت بعض التقارير إلى أن "النظام الإيراني كان يشارك في تضليل المعلومات، محاولاً بنشاط المبالغة أو اختلاق قصص بالكامل عن البراعة العسكرية الإيرانية ". ولكن التضليل لا يقتصر فقط على الجوانب العسكرية، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية أيضاً، حيث تُطلق شائعات عن انهيار اقتصادات الدول المنافسة، أو تعرض بنوكها المركزية للاختراق، أو خروج استثمارات أجنبية كبيرة منها.
5-4- أضرار مباشرة على الشركات والعلامات التجارية
تستهدف الشائعات في بعض الأحيان شركات محددة أو قطاعات اقتصادية معينة. ففي إطار المنافسة الاقتصادية بين الشركات المتوسطية، قد تطلق منافسة شائعات عن وجود مواد سامة أو مغشوشة في منتجات شركة منافسة، أو عن نيتها الإفلاس، أو عن قرب استحواذ جهة أجنبية عليها. هذه الشائعات، إذا لم تُصحح سريعاً، يمكن أن تدمر شركات بأكملها وتكبدها خسائر فادحة.
6- الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي
يمثل ظهور منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، واتساب، إنستغرام، تيك توك) نقلة نوعية في ديناميكيات انتشار الشائعات:
6-1- تغيير جذري في مصادر المعلومات
قبل ظهور وسائل التواصل، كانت الشائعات تنتقل عبر دوائر اجتماعية محدودة (الأهل، الجيران، زملاء العمل)، وكانت سرعة انتشارها بطيئة نسبياً. أما اليوم، "فقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات التي يتم استخدامها بشكل سلبي في نشر الشائعات"، حيث "معدلات انتشار الشائعات تتناسب طردياً مع التقدم في تكنولوجيا المعلومات". بمعنى آخر، كلما زاد الاعتماد على هذه المنصات، زادت سرعة ومدى انتشار الشائعات.
6-2- آليات الانتشار الخوارزمية
تعمل منصات التواصل الاجتماعي بخوارزميات تهدف إلى زيادة تفاعل المستخدمين وإبقائهم أطول وقت ممكن على المنصة. هذه الخوارزميات تفضل المحتوى المثير للعواطف (الغضب، الخوف، الإثارة) على المحتوى الهادئ والموضوعي. وبما أن الشائعات غالباً ما تكون مثيرة للعواطف، فإن الخوارزميات تدفع بها إلى مقدمة خلاصات المستخدمين، مما يسرع انتشارها بشكل كبير.
6-3-غرف الصدى (Echo Chambers) والاستقطاب
تخلق منصات التواصل ما يُعرف بـ"غرف الصدى"، وهي بيئات رقمية يتابع فيها الأفراد صفحات ومجموعات وأشخاصاً يشاركونهم آراءهم وتوجهاتهم السياسية أو الدينية أو الثقافية. في هذه البيئات، يتم تعزيز المعتقدات الموجودة مسبقاً، وأي معلومة تتفق مع هذه المعتقدات (حتى لو كانت شائعة غير مؤكدة) تلقى قبولاً واسعاً وتنتشر بسرعة، بينما المعلومات التي تتعارض معها ترفض أو تتجاهل. هذا يؤدي إلى استقطاب المجتمعات وتعزيز الانقسامات القائمة.
6-4- دور التطبيقات المشفرة مثل واتساب
تمثل تطبيقات المراسلة الفورية المشفرة (مثل واتساب وتليغرام) تحدياً إضافياً في مكافحة الشائعات. فعلى عكس منصات التواصل المفتوحة، يصعب تتبع الشائعات المنتشرة عبر هذه التطبيقات أو معرفة مصدرها. وكثيراً ما تستخدم الشائعات في مجموعات واتساب العائلية أو المهنية كوسيلة لنشر معلومات مضللة بسرعة، خاصة في أوقات الأزمات. وقد أظهرت دراسات مختلفة أن "وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب أنموذجاً)" تشكل إحدى القنوات الرئيسية لانتشار الشائعات في المجتمعات العربية.
7-الشائعات في عصر الذكاء الاصطناعي
يمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة وأكثر خطورة في تطور ظاهرة الشائعات، ويمكن فهم هذه المرحلة من خلال عدة أبعاد:
7-1-التزييف العميق (Deepfakes)
تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة إمكانية إنشاء فيديوهات وصور وتسجيلات صوتية مزيفة تبدو حقيقية تماماً، حيث يظهر فيها شخصيات سياسية أو دينية أو اقتصادية وهم يقولوون أو يفعلون أشياء لم يفعلوها أو يقولونها في الواقع. هذه التقنية، التي تعرف بـ"التزييف العميق"، تمثل قفزة نوعية في التضليل. فبدلاً من شائعة مكتوبة قد يسهل نفيها، يظهر فيديو لرئيس دولة وهو يعلن استقالته، أو لوزير مال وهو يعلن تعويم العملة، أو لقائد عسكري وهو يعلن الحرب على دولة مجاورة. هذا النوع من التزييف يصعب كشفه بالعين المجردة، ويتطلب أدوات متخصصة ومهارات تقنية عالية.
7-2-إنتاج المحتوى المضلل بكميات غير مسبوقة
تستخدم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (مثل ChatGPT) لإنتاج كميات هائلة من المحتوى المضلل بسرعة ودقة. فبدلاً من أن يكتب الشخص شائعة يدوياً ويستغرق ساعات، يمكن لروبوت الدردشة إنتاج مئات الصفحات من المحتوى المقنع خلال دقائق. هذا الإنتاج الضخم يجعل من المستحيل على فرق التحقق من الحقائق البشرية متابعة كل المحتوى المضلل المنتشر على الإنترنت.
7-3- التلاعب بالوعي العام على نطاق غير مسبوق
أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن "تقنيات الذكاء الاصطناعي يتم من خلالها التلاعب بالوعي العام والترويج لأفكار ومعلومات مزيفة"، حيث يتم استهداف مجموعات محددة من الجمهور بمحتوى مصمم خصيصاً ليناسب ميولهم واهتماماتهم ومعتقداتهم المسبقة. هذه العملية، المعروفة بـ"الاستهداف الجزئي"، تجعل الشائعات أكثر فعالية في إقناع الجمهور المستهدف لأنها تتفق مع ما يعتقدونه بالفعل.
7-4- الذكاء الاصطناعي كسلاح وسيف ذو حدين
في الوقت الذي تستخدم فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي لنشر الشائعات، يتم استخدامها أيضاً لمكافحتها. فهناك تطبيقات متخصصة تستخدم التعلم الآلي لكشف الصور والفيديوهات المزيفة، وتحليل أنماط النشر، والكشف عن الحسابات الآلية المستخدمة في تضخيم الشائعات. ولكن المشكلة أن هذه التقنيات تتطور بسرعة، ويظل هناك سباق دائم بين من ينتجون المحتوى المضلل ومن يكتشفونه. وكما هو الحال في أي صراع، فإن القدرات الهجومية (نشر الشائعات) غالباً ما تكون أرخص وأسرع وأسهل من القدرات الدفاعية (كشف الشائعات).
7-5- تحديات جديدة أمام المجتمعات المتوسطية
تواجه دول حوض البحر المتوسط، خاصة الدول العربية والأفريقية منها، تحديات إضافية في مواجهة الشائعات في عصر الذكاء الاصطناعي:
• الفجوة التكنولوجية: تفتقر كثير من المؤسسات الإعلامية والرسمية في المنطقة إلى التجهيزات والكفاءات اللازمة لاكتشاف المحتوى المزيف المنتج بالذكاء الاصطناعي.
• ضعف البنية القانونية والتشريعية: تفتقر تشريعات كثير من الدول المتوسطية إلى نصوص واضحة تجرم استخدام الذكاء الاصطناعي في نشر الشائعات والمعلومات المضللة.
• ارتفاع نسبة الأمية الرقمية: لا يزال قطاع واسع من الجمهور في دول الجنوب المتوسطي يفتقر إلى المعرفة الكافية بالتقنيات الحديثة، مما يجعله أكثر عرضة للانخداع بالمحتوى المزيف المنتج بالذكاء الاصطناعي.
8-الخاتمة
تتضح من خلال هذا البحث المتعمق أن الشائعات في دول حوض البحر الأبيض المتوسط ليست مجرد ظاهرة عابرة أو هامشية، بل هي نظام معقد متعدد الأبعاد يعكس في جوهره أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة تعاني منها هذه المنطقة الحيوية من العالم.
أولاً، خلصنا إلى أن الأسباب الجذرية لانتشار الشائعات في المتوسط ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفشل مؤسسات الدول في توفير المعلومات الموثوقة والشفافة للمواطنين، وضعف الوعي النقدي في قطاعات واسعة من الجمهور، وتنامي مشاعر الخوف والقلق إزاء المجهول، خاصة في فترات التحولات السياسية الحادة والأزمات الاقتصادية الممتدة.
ثانياً، تبين أن الظروف المواتية لانتشار الشائعات تتفاقم في دول المنطقة الأكثر هشاشة (لبنان، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان، فلسطين)، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية مع النزاعات المسلحة والانقسامات المجتمعية العميقة، مما يخلق فراغاً معلوماتياً هائلاً تستغله أطراف متعددة لتمرير أجنداتها.
ثالثاً، أظهرت الدراسة أن الشائعات تُستخدم بشكل مكثف كأداة للاستغلال السياسي من قبل أطراف محلية وإقليمية ودولية متنافسة، سواء في سياق الانتخابات والحملات الدعائية، أو في إطار الحروب والنزاعات المسلحة، أو كآلية لتسريب المعلومات المختارة بهدف اختبار ردود فعل الجمهور.
رابعاً، فيما يتعلق بالاستغلال الاقتصادي، تبين أن الشائعات يمكن أن تتسبب في خسائر اقتصادية فادحة لدول المنطقة، سواء من خلال إحداث ذعر في أسواق المال، أو إلحاق أضرار جسيمة بقطاع السياحة الذي يعتبر أحد أهم مصادر الدخل في كثير من الدول المتوسطية، أو استهداف شركات محددة بهدف الإضرار بسمعتها ومكانتها التنافسية.
خامساً، أحدثت منصات التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في ديناميكيات انتشار الشائعات، حيث تحولت من دوائر اجتماعية محدودة وبطيئة السرعة إلى شبكات عالمية معقدة تنتقل فيها الشائعات بين القارات في ثوان. كما ساهمت الخوارزميات وغرف الصدى في تعزيز الاستقطاب المجتمعي وتعميق الانقسامات القائمة.
سادساً، يمثل الذكاء الاصطناعي التحدي الأكبر في مواجهة الشائعات في المستقبل القريب والبعيد. فمع ظهور التزييف العميق وإنتاج المحتوى المضلل بكميات غير مسبوقة، أصبح التمييز بين الحقيقة والخيال أصعب من أي وقت مضى. وتواجه دول حوض المتوسط، وخاصة الدول العربية والأفريقية منها، تحديات إضافية تتمثل في الفجوة التكنولوجية وضعف البنية القانونية وارتفاع نسبة الأمية الرقمية، مما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالشائعات المنتجة بالذكاء الاصطناعي مقارنة بدول الشمال المتوسطي الأكثر تقدماً تكنولوجياً.
وتوصي هذه الدراسة في ختامها بضرورة تبني استراتيجية متكاملة لمواجهة الشائعات في دول حوض البحر الأبيض المتوسط تقوم على:
1. تعزيز الشفافية وتحسين تدفق المعلومات من المصادر الرسمية.
2. تطوير مناهج التعليم لتعزيز التفكير النقدي والوعي المعلوماتي لدى الطلاب.
3. الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والتدريب اللازم لقدرات كشف الشائعات، خاصة تلك المنتجة بالذكاء الاصطناعي.
4. تطوير التشريعات الوطنية وتنسيق التعاون الإقليمي والدولي لمكافحة المعلومات المضللة.
5. بناء شراكات بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام لمواجهة الظاهرة بجهود جماعية.
ففي النهاية، تظل مواجهة الشائعات ليست مجرد مسألة أمنية أو تقنية، بل هي معركة ثقافية وحضارية تتعلق بقدرة المجتمعات المتوسطية على حماية وعيها الجماعي واستقلالية قرارها في عصر يزداد فيه صعوبة التمييز بين الحقيقة والخيال.
9-المراجع
Al-Bayan. (2025, June 18). الشائعات... الخطر الصامت وقت الحروب. Al-Bayan. https://www.albayan.ae
Al-Jazeera. (2022, November 16). الشائعات والحرب النفسية.. كيف تستخدم في تدمير معنويات الشعوب؟ Al Jazeera. https://www.aljazeera.net
Al-Mutairi, S. (2023). دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في مكافحة الشائعات الإلكترونية. Journal of Naif Arab University for Security Sciences.
Al-Suwailih, S. (2023). دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في مكافحة الشائعات الإلكترونية. Journal of Naif Arab University for Security Sciences, 12(2), 45-67.
Al-Zarqa, M. (2020). الشائعات" أنواعها وطرق انتشارها وأسباب الانتشار وتأثيرها. Al-Hadath Center for Studies. https://www.alhadathcenter.net
Associated Press. (2026, March 7). State actors are behind much of the visual misinformation about the Iran war. AP News. https://apnews.com
Azhar University. (2023, July 12). الشائعات في عصر الذكاء الاصطناعي.. التحديات والحلول. Azhar University. https://azhar.eg
Egyptian Cabinet Information and Decision Support Center. (2021, September 21). فن صناعة الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. IDSC. https://www.idsc.gov.eg
El-Batanouni, M. (2017, September 12). كيف تُستخدم حرب الشائعات فى المنطقة العربية؟ Siyassa. https://www.siyassa.org.eg
El-Sayed, R. (2020). أثر قيود دخل وإنفاق الأحزاب على التحول الديمقراطي. مجلة البيبان للدراسات القانونية والسياسية, 4(2), 7-35.
International Monetary Fund. (2026, April 9). Israel-Hamas war already hitting regional economies: IMF chief. New Age. https://newagebd.net
LCSS Academy. (n.d.). الإشاعة. LCSS Academy. https://lcss.academy
Middle East Eye. (2025, December 29). The rise of the Emirati dis-influencers and why we all should be worried. Middle East Eye. https://www.middleeasteye.net
Ministry of Endowments, Egypt. (2025, November 25). الشائعات خطر يهدد المجتمع. Awkaf Online. https://awkafonline.gov.eg
Norwegian University of Science and Technology. (n.d.). The problem of succession between ottomans and nobles in the Arab world during the 16th century. مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي, 8(3), 1999-2015.
Palestinian Ministry of Information. (n.d.). الشائعات في وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيراتها السلبية. PMI. https://www.pmi.pna.ps
Qureshi, A. (2021, September 21). فن صناعة الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. Information and Decision Support Center.
Rashid, A. (2021). دور شبكات التواصل الاجتماعي في ترويج الشائعات لدى طلاب الجامعات السعوديين. Umm Al-Qura University.
Rosenberg, E. (2026, April 22). White House, UAE financial deal talk: Damage done by war to Mideast economy extends well beyond energy. CNBC. https://www.cnbc.com
Saad, M. (2015). أثر القيود على دخل وإنفاق الأحزاب في مصر. Journal of Legal and Political Studies.
SBS News. (2026, March 18). Another war is being fought in your social media feed, powered by AI. SBS News. https://www.sbs.com.au
The Economic Times. (2026, March 19). Nearly 28 million trips from Mideast at risk this year due to Iran war, Oxford Economics research note says. The Economic Times. https://economictimes.indiatimes.com
United Nations Economic and Social Commission for Western Asia. (2025). الاستغلال. ESCWA.
Wikipedia. (n.d.). إشاعة. Wikipedia. https://ar.wikipedia.org
Yemen Monitor. (2026, May 2). From Sana a to Tehran: Organized Digital Campaign Targets Saudi Arabia on "X". Yemen Monitor. https://www.yemenmonitor.com
Zahra, A. (2020). دور مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات من وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس في جامعة عدن. Academy of Management Journal.
Zaki, N. (2016). ظاهرة الشائعات. Tanta University, Faculty of Law. https://law.tanta.edu.eg
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟