أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - إنها وصفُ من رأى لا من تخيّل














المزيد.....

إنها وصفُ من رأى لا من تخيّل


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 02:49
المحور: قضايا ثقافية
    


في عصرنا الحالي، يستطيع أي إنسان أن يكتب مئة منشور غزل يوميًا في وسائل التواصل،
ويصف الحبيبة من الرموش حتى رباط الحذاء،
ثم يحصل على قلوبٍ حمراء وتعليق يقول:
"الله… الإحساس!"

أما في الزمن الجاهلي، فالوضع كان أكثر تعقيدًا بقليل.
كان بإمكان بيت شعرٍ واحد أن يحوّل صاحبه من شاعر البلاط إلى وجبةٍ للكلاب الملكية.

وهنا تظهر مأساة المنخل اليشكري، الرجل الذي ارتكب الجريمة الكبرى في التاريخ العربي:
لم يكن رديئًا بما يكفي لينجو.

لقد أحبّ المتجردة، زوجة النعمان بن المنذر، أو لعلّه أحب الفكرة نفسها:
امرأة جميلة… وملك غبي يظن أن الشعر مجرد قافية.

لكن المنخل لم يفهم قاعدة الحياة العربية الخالدة:
كل شيء مسموح…
إلا الصدق.

كان يمكنه أن يصبح شاعرًا عظيمًا لو كتب مثل شعراء هذا العصر:
"عيناكِ وطنٌ وأنا لاجئٌ في منافي الشوق."
أو:
"أحبكِ بحجم مجرةٍ تتثاءب فوق أهداب المساء."
هذا النوع من الكلام الذي لا يفهمه أحد، ولذلك يصفق له الجميع.

لكنه، للأسف، كان شاعرًا حقيقيًا.

والمشكلة الكبرى في الشاعر الحقيقي أنه يرى.
ثم يرتكب الحماقة الأكبر:
يصف ما رأى.

وحين أنشد قصيدته الشهيرة، بدا كأن الرجل لا يكتب شعرًا بل تقريرًا جنائيًا مفصلًا.
حتى إن السامعين شعروا أن القصيدة تحتاج إلى تصنيف عمري وتحذير من وزارة الإعلام.

ثم جاءت الجملة التي أعدمته أدبيًا قبل أن يُعدم جسديًا:

"إنها وصفُ من رأى لا من تخيّل."

يا الله…

أي عبقرية انتحارية هذه؟

أي شاعر محترم في عصر الرداءة كان سينجو بسهولة.
كان سيظهر بعد القصيدة مباشرة في مقابلة تلفزيونية ويقول:
"النص مفتوح على التأويل."
أو:
"المرأة هنا ترمز إلى الوطن."
أو:
"أنا لا أكتب عن الأشخاص بل عن القلق الوجودي للروح."

لكن المنخل كان من زمنٍ بدائي،
زمنٍ لم يكن فيه النقاد قد اخترعوا بعدُ مهنة تبرير الغموض.

أما النعمان بن المنذر، فكان مثل أي مسؤول عربي عبر التاريخ:
يمكنه أن يتحمل الهزيمة،
والمؤامرات،
وانهيار الدولة،
لكن بيت غزل ناجح؟
هذه لا تُغتفر.

ويقال إنه غضب حين سمع القصيدة.

والحقيقة أن المشكلة لم تكن في الحب.
الحكام دائمًا يتسامحون مع الحب.
لكنهم لا يتسامحون مع الموهبة.

فالرديء لا يخيف أحدًا.

الشاعر الرديء آمنٌ على الدولة،
مثل موظف أرشيف نائم،
أو مذيع يقرأ الأخبار بلا روح،
أو ناقد يكتب عن "البنية السيميائية لانكسار الفراشة في الوعي الكوني."

أما الشاعر الحقيقي فكارثة وطنية.

إنه يرى أكثر مما ينبغي،
ويقول أكثر مما يجب،
ويترك الناس يشعرون بشيء حقيقي…
وهذه أخطر جريمة في كل العصور.

ولهذا نجا آلاف المنافقين،
ومات المنخل.

نجا شعراء المديح الذين كانوا يستطيعون تشبيه الملك بالشمس والقمر والنبوة في قصيدة واحدة،
بينما اختفى الرجل الوحيد الذي كتب جملة صادقة.

وفي عصر الرداءة الحالي، لو عاد المنخل حيًا، لما قتلوه.

بل سيستضيفونه في مهرجان ثقافي ترعاه شركة اتصالات،
ويجلس قرب شاعرة تلقب نفسها "أنثى المطر الكوني"،
ثم يسألهم المذيع:
"كيف ترون أزمة النص في ظل تحولات الجسد الرقمي؟"

وسيصمت المنخل طويلًا…
ثم يتمنى لو أن النعمان قتله مرةً ثانية.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نساء توماس هاردي، بولا بيرن تتحدث عن نساء توماس هاردي، وفكاه ...
- هل تُصنع القوة في القصور أم في المطابخ؟ ستيفن كوتكين يتحدث ع ...
- ‏الأمن الدولي وإدارة الأزمات
- القانون الدولي والمنظمات الدولية
- ‏الاقتصاد السياسي الدولي ‏
- ‏الدبلوماسية وممارساتها
- ‏السياسة الخارجية وصنع القرار
- ‏أخلاقيات العمل الدبلوماسي والتفاوض الدولي
- ‏نظريات العلاقات الدولية
- حين يفارق الظلُّ صاحبه…
- ‏مونتيسوري السياسة في الشرق الأوسط… (دليل الولايات المتحدة ل ...
- الكائنات الفضائية، والمتنورين، والسفر عبر الزمن الحقيقي مع إ ...
- سماسرة بيانات الهواتف الذكية الاقتصاد الخفي الذي يتاجر بحياة ...
- خفايا زيارة دونالد ترامب إلى الصين ماذا تريد بكين؟ وماذا تري ...
- مدرسة العظمة: حول أسرار التجلي القديمة مع جريج برادن
- ‏لماذا يستغني المسؤولون الأمريكيون عن هواتفهم الشخصية داخل ا ...
- فخ ثوسيديدس ، الصراع الحتمي بين القوى الصاعدة والقوى المهيمن ...
- قراءة تفكيكية لخفايا مقابلة رئيس الوزراء الاسرائيلي مع قناة ...
- القراءة المخابراتية لمقابلة رئيس الوزراء الاسرائيلي مع محطة ...
- أسياد الظل: الاستخبارات البريطانية بين الإمبراطورية والحرب ا ...


المزيد.....




- لماذا يتعرض نتنياهو لـ-ضغوط- من حلفائه ومعارضيه بسبب -حزب ال ...
- قطر تبحث مع السعودية والأردن ومصر جهود الوساطة الباكستانية
- طحنون بن زايد ورئيس وزراء قطر يبحثان التطورات الإقليمية
- فيروس -إيبولا- يدفع كندا لعزل القادمين وتعليق الهجرة
- ناسا تمهد لبناء أول قاعدة بشرية على القمر
- إسرائيل تعلن استهداف القائد الجديد لكتائب القسام في غزة.. من ...
- أنجبت طفلاً أثناء احتجازها.. ثم أُعدمت شنقاً في إيران بتهمة ...
- نتانياهو يعلن استهداف قائد كتائب القسام الجديد في غزة
- ارتفاع حصيلة القتلى في لبنان وواشنطن تحمّل حزب الله مسؤولية ...
- أسرار السارين.. كيف كشف سقوط الأسد خريطة السلاح الكيميائي في ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - إنها وصفُ من رأى لا من تخيّل