محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 00:47
المحور:
قضايا ثقافية
دمشق وبيروت في عين العاصفة الإسرائيلية
قراءة استشرافية في تحولات الشرق الأوسط
مقدمة
يعيش الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطراباً منذ نهاية الحرب الباردة. فالحروب الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا، والتوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، والتحولات الجارية في النظام الدولي، جميعها تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المنطقة وحدودها السياسية والأمنية.
في قلب هذه التحولات تقف دمشق وبيروت بوصفهما عقدتين استراتيجيتين في الصراع الإقليمي. فكل تغيير كبير في موازين القوى بين إسرائيل وإيران أو بين القوى الدولية المتنافسة ينعكس مباشرة على العاصمتين اللتين أصبحتا منذ عقود جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي. ومن هنا تنبع أهمية دراسة المشهد الحالي واستشراف مساراته المحتملة خلال السنوات القادمة.
أولاً: فكرة إسرائيل الكبرى بين الأيديولوجيا والجيوبوليتيك
تُعد فكرة "إسرائيل الكبرى" من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الأدبيات السياسية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي. ويشير هذا المفهوم إلى تصورات تاريخية ودينية ظهرت داخل بعض التيارات الصهيونية والدينية اليهودية حول المجال الجغرافي للدولة اليهودية.
إلا أن القراءة الواقعية للسياسات الإسرائيلية المعاصرة تظهر أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تركّز بدرجة أكبر على مفهوم التفوق الاستراتيجي والهيمنة الأمنية أكثر من التركيز على الضم الجغرافي المباشر للأراضي. فإسرائيل في القرن الحادي والعشرين تبدو معنية بإنشاء بيئة إقليمية تمنع ظهور تهديدات عسكرية قادرة على تحدي تفوقها، سواء عبر الأحزمة الأمنية أو الردع العسكري أو التحالفات الإقليمية.
وبهذا المعنى يمكن القول إن المشروع الإسرائيلي الراهن أقرب إلى "إسرائيل المهيمنة أمنياً" منه إلى "إسرائيل الكبرى" بمعناها الكلاسيكي.
ثانياً: سقوط الأنظمة العربية وإعادة تشكيل الإقليم
منذ عام 2011 شهد العالم العربي سلسلة من الانهيارات والتصدعات السياسية التي غيرت الخريطة الاستراتيجية للمنطقة. فقد دخلت دول عديدة في أزمات داخلية طويلة، بينما تراجعت قدرة الدول العربية التقليدية على التأثير الإقليمي.
أدى هذا الواقع إلى نشوء فراغات استراتيجية استغلتها قوى غير عربية مثل إيران وتركيا وإسرائيل لتعزيز نفوذها. كما ساهمت الحروب الأهلية والصراعات الداخلية في تحويل بعض الدول إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي.
إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الأنظمة العربية ستسقط، بل ما إذا كانت الدول الوطنية العربية قادرة على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة دورها في مواجهة مشاريع القوى الإقليمية المتنافسة.
ثالثاً: سقوط إيران... الاحتمال والتداعيات
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 أصبحت إيران لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط. وقد بنت شبكة نفوذ واسعة امتدت إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لكن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والعقوبات الدولية والمواجهات المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة دفعت بعض الباحثين إلى طرح سيناريوهات تتحدث عن احتمال تراجع النفوذ الإيراني أو حتى حدوث تحولات جوهرية داخل النظام الإيراني نفسه.
ومع ذلك فإن الحديث عن "سقوط إيران" يجب التعامل معه بحذر شديد، فإيران دولة كبيرة تمتلك مؤسسات راسخة وقاعدة سكانية واسعة وقدرات عسكرية وصناعية مهمة. ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس الانهيار الكامل، بل إعادة تموضع النفوذ الإيراني وتكيفه مع موازين القوى الجديدة.
رابعاً: تحييد مصر والأردن في المعادلة الإقليمية
منذ توقيع معاهدتي السلام مع إسرائيل أصبحت مصر والأردن جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي التي ترعاها الولايات المتحدة.
وترى بعض التحليلات أن إسرائيل تستفيد استراتيجياً من استقرار الجبهتين المصرية والأردنية، ما يسمح لها بتركيز اهتمامها على الجبهات الشمالية والشرقية. وفي المقابل تسعى القاهرة وعمّان إلى تجنب الانخراط في صراعات إقليمية واسعة قد تهدد أمنهما الداخلي أو اقتصادهما.
وبالتالي فإن "تحييد" مصر والأردن لا يعني غيابهما عن المشهد، بل يعكس تحولهما إلى عامل استقرار أكثر منهما طرفاً مباشراً في الصراعات العسكرية الجارية.
خامساً: الخليج العربي بين الخوف من إيران والقلق من الحلفاء
تعيش دول الخليج معادلة أمنية معقدة. فمن جهة تخشى التهديدات الإيرانية التقليدية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والنفوذ الإقليمي. ومن جهة أخرى تدرك أن التحولات في السياسة الأمريكية قد تجعل المظلة الأمنية الغربية أقل يقيناً مما كانت عليه في العقود الماضية.
أما إسرائيل، فقد تحولت لدى بعض دول الخليج من خصم تقليدي إلى شريك محتمل في مواجهة التهديدات المشتركة، مع استمرار وجود حساسيات سياسية وشعبية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
ولهذا يبدو الخليج اليوم في حالة بحث مستمر عن توازن دقيق بين الشراكات الأمنية والاحتفاظ بهامش من الاستقلال الاستراتيجي.
سادساً: الانتخابات الإسرائيلية وتعطيل الحياة السياسية
في أوقات الأزمات الكبرى تتجه الأنظمة السياسية غالباً إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية. وتشهد إسرائيل دورياً نقاشات حادة حول العلاقة بين متطلبات الأمن القومي والاستحقاقات السياسية الداخلية.
إلا أن أي حديث عن تعطيل المؤسسات الديمقراطية أو تجميدها لأسباب استراتيجية يبقى خاضعاً للظروف السياسية والقانونية الداخلية، ولا يمكن اعتباره مساراً ثابتاً أو محسوماً. ومع ذلك فإن الحروب الممتدة تؤثر بلا شك في طبيعة الحياة السياسية وفي موازين القوى داخل المجتمع الإسرائيلي.
سابعاً: المقاومة وأزمة الوجود
تواجه حركات المقاومة في المنطقة تحديات غير مسبوقة. فبعد عقود من الصراع المسلح أصبحت مطالبة بالإجابة عن أسئلة تتعلق بالقدرة على الاستمرار، وفعالية الأدوات العسكرية، والعلاقة مع المجتمعات المحلية، ومستقبل مشروعها السياسي.
وفي المقابل ما تزال هذه الحركات تستند إلى قضية مركزية تتمثل في استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وعدم التوصل إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية.
ومن هنا فإن أزمة المقاومة ليست عسكرية فقط، بل هي أزمة تتعلق بتعريف الدور والوظيفة والهدف في مرحلة إقليمية تتغير بسرعة.
ثامناً: المد الإسلامي الناشئ
رغم تراجع بعض الحركات الإسلامية خلال العقد الماضي، فإن التيارات الإسلامية السياسية والاجتماعية ما تزال تمتلك حضوراً واسعاً في المجتمعات العربية والإسلامية.
ويبدو أن الضغوط الاقتصادية والاضطرابات السياسية وغياب الحلول التنموية الشاملة قد توفر بيئة لظهور موجات جديدة من التعبئة السياسية ذات المرجعية الإسلامية، وإن كانت بأشكال مختلفة عن تلك التي عرفتها المنطقة خلال العقود السابقة.
تاسعاً: الأممية الإسلامية الجديدة
يشير بعض الباحثين إلى احتمال تشكل شبكات عابرة للحدود تقوم على التضامن الديني والثقافي والسياسي بين المجتمعات الإسلامية. وهذه الظاهرة تختلف عن التنظيمات التقليدية، إذ تعتمد بصورة متزايدة على الإعلام الرقمي والفضاءات الافتراضية والروابط الاجتماعية العابرة للدول.
وقد تصبح القضية الفلسطينية والحروب الإقليمية عوامل محفزة لهذا النوع من الحراك العابر للحدود خلال السنوات القادمة.
عاشراً: ماذا قد يحدث غداً؟
لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل بدقة، لكن المؤشرات الحالية تسمح برسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: التصعيد الإقليمي
استمرار الحروب وتوسعها إلى جبهات جديدة في لبنان وسوريا وربما مناطق أخرى.
السيناريو الثاني: التسوية الكبرى
تفاهمات دولية وإقليمية تؤدي إلى إعادة رسم التوازنات الأمنية واحتواء الصراعات.
السيناريو الثالث: التوازن الهش
وهو الأكثر احتمالاً، حيث تستمر الأزمات والصراعات دون حسم نهائي مع بقاء المنطقة في حالة توتر دائم.
خاتمة
تقف دمشق وبيروت اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فهما ليستا مجرد عاصمتين عربيتين، بل تمثلان عقدتين مركزيتين في شبكة الصراعات والتحالفات التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه مشاريع إسرائيلية وإيرانية وتركية ودولية على رسم ملامح المستقبل، يبقى العامل الحاسم هو قدرة دول المنطقة وشعوبها على بناء استقرار سياسي واقتصادي وأمني يحد من التدخلات الخارجية ويمنع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدائمة.
قد لا تكون معركة السنوات القادمة معركة حدود فقط، بل معركة حول شكل الدولة، وهوية الإقليم، وطبيعة النظام الذي سيحكم الشرق الأوسط في العقود المقبلة.
المراجع
1. Barry Buzan & Ole Wæver, Regions and Powers: The Structure of International Security, Cambridge University Press.
2. Fawaz A. Gerges, The New Middle East, Cambridge University Press.
3. Raymond Hinnebusch, The International Politics of the Middle East, Manchester University Press.
4. Shibley Telhami, The Stakes: America and the Middle East, Westview Press.
5. Marc Lynch, The New Arab Wars, PublicAffairs.
6. Eugene Rogan, The Arabs: A History, Penguin Books.
7. Steven Cook, The End of Ambition: America s Past, Present, and Future in the Middle East, Oxford University Press.
8. International Crisis Group Reports.
9. Brookings Institution – Middle East Program.
10. Carnegie Middle East Center Publications.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟