محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 19:52
المحور:
قضايا ثقافية
فيروز وعاصي ومنصور..... الثالوث الماسي الذي رفع اسم لبنان عاليا عبر الفن..... لم يكسره الموت..
المقدمة
في تاريخ لبنان المعاصر، ثمّة أيقونات قليلة استطاعت أن تتجاوز حدود الزمن والانقسامات لتجسّد روح وطن بأكمله. يأتي في مقدمة هذه الأيقونات الثالوث الماسي الذي شكّله الموسيقاران عاصي ومنصور الرحباني مع السيدة فيروز — ثلاث شخصيات ارتبطت أسماؤها إلى الأبد بصناعة هوية لبنان الثقافية والفنية. إنه ثالوث لم يكسره الموت، بل ظلّت ألحانه وكلماته حيّة في ضمير الأمة، تتردّد في المناسبات والأفراح والأحزان، وتُعلّم الأجيال معنى الانتماء والجمال.
يجمع هذا الثالوث بين عبقرية التأليف والتلحين عند الأخوين الرحباني، وصوت فيروز "الملائكي" الذي جسّد هذه العبقرية ونقلها إلى العالم. منذ لقائهم الأول في الإذاعة اللبنانية أوائل خمسينيات القرن العشرين، وحتى رحيل عاصي (1986) ثم منصور (2009)، ظلّ هذا الثالوث "القوة الثقافية الأسطورية" التي رفعت اسم لبنان عالياً، وخلدت الفن اللبناني في وجدان العرب.
يتناول هذا البحث دراسة نشأة الثالوث الرحباني-فيروز، وأسرار تميّزه الفني، ودوره المحوري في تشكيل الهوية الوطنية اللبنانية، وإرثه الذي لا يزال قائماً رغم رحيل أفراده، مؤكّداً أن الفنّ الأصيل وحده هو الذي ينتصر على الموت.
أولاً: النشأة واللقاء — قدرٌ جمعهم في إذاعة لبنان
1. الجذور الرحبانية: من أنطلياس إلى قمم المجد
وُلد عاصي الرحباني في 4 مايو 1923، وتلاه منصور بعد عامين، في بلدة أنطلياس الساحلية شمال بيروت. تعود أصول العائلة إلى بلدة رحبة في شمال لبنان، التي اشتقّ منها اسم العائلة "الرحباني". كان والدهما حنّا قد فرّ من جنود العثمانيين قبل الحرب العالمية الأولى، واستقرّ في أنطلياس حيث أسس مقهى أصبح "مركزاً للقاءات اشتهر بموسيقاه". كان المقهى يجذب فنّانين من بيروت يعزفون الموسيقى ويروون القصائد العربية القديمة. وفي هذا الجوّ، نشأ الأخوان واستقيَا موسيقاهما الأولى من فونوغراف المقهى الذي كان يشغّل أغاني سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
تلقّى عاصي ومنصور تعليماً موسيقياً منهجياً، حيث درسا الموسيقى الشرقية على الأب الأشقر لست سنوات، وتابعا درس التأليف الموسيقي الغربي لتسع سنوات. جمعا بين التراثين الشرقي والغربي في تكوينهما، وهو ما انعكس لاحقاً في طابع أعمالهما الفريد.
2. فيروز: من زقاق البلاط إلى نجم السماء
وُلدت نهاد وديع حداد — التي ستعرف لاحقاً باسم فيروز — في 21 نوفمبر 1935 في حي زقاق البلاط الشعبي ببيروت. في سن الرابعة عشرة، اكتشفها الموسيقار محمد فليفل وضمّها إلى فرقته الكورالية، ثم درست في المعهد الوطني للموسيقى. في الإذاعة اللبنانية، لفتت انتباه الموسيقار حليم الرومي، الذي أطلق عليها اسمها الفني "فيروز" تشبيهاً لصوتها بحجر كريم ثمين.
3. اللقاء المصيري
في عام 1951، كانت نهاد حداد واحدة من مطربات كورال الإذاعة اللبنانية. هناك، التقت بعاصي ومنصور الرحباني، اللذين كانا يعملان في الإذاعة كموظفين صغيرين، يتولّيان ترتيب الأوراق الموسيقية وتحرير الكلمات. سرعان ما لاحظ عاصي موهبتها الفذّة، فقام بتلحين أول أغنية لها، "عتاب". ومنذ تلك اللحظة، انطلق الثالوث الذي سيغيّر وجه الموسيقى العربية.
في صيف 1954، تزوّج عاصي من فيروز، لتتوج الشراكة الفنية برباط إنساني عميق. أصبح الثلاثي — عاصي ومنصور وفيروز — "واحداً من أبرز المجموعات على الساحة الموسيقية اللبنانية"، وأصدروا نحو 50 أغنية في السنوات الثلاث التالية، قبل أن يقرّروا الانفصال عن الإذاعة والعمل بشكل مستقل.
ثانياً: الإبداع المشترك — مدرسة فنية غيرت وجه الأغنية العربية
1. المسرح الغنائي: ولادة نوع جديد
كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة الثالوث انطلاقتهم في مهرجانات بعلبك الدولية. في البداية، كان القائمون على المهرجان قلقين من أن جمهورهم "المثقف" قد لا يتقبّل الموسيقى المحلية. لكن نجاح فيروز والرحابنة في أمسيات "الليالي اللبنانية" كان ساحقاً، وضمن استمرار هذه السلسلة التي أصبح الثالوث نجمها الأساسي حتى تعليق المهرجان عام 1975 بسبب الحرب.
قدّموا في بعلبك سلسلة من "الاستعراضات الغنائية الفلكلورية" التي جمعت بين التراث المحلي والتوزيع الموسيقي العصري. وقد وصف الباحث كريستوفر ستون هذا المشروع بأنه مزج قوي بين ما يسمّيه "الاستيلاء على الشعبي" و"تحويل التقليد إلى كلاسيكي"، مما خلق توليفة فنية ذات قوة بنّاءة في تشكيل الهوية.
ومن أبرز مسرحياتهم: "جسر القمر" (1962)، التي جسّدت دعوة للتصالح بين المتخاصمين، حيث غنّت فيروز: "القناعة أحلى من الحزن، السلام كنز الكنوز". كان الجمهور يصفّق بحماس حين تغنّي فيروز هذه الكلمات، في إشارة إلى واقع لبنان السياسي المضطرب.
2. المزيج الأسلوبي الفريد
تموضعت موسيقى الثالوث الرحباني-فيروز في علاقة مع ثلاثة مراجع رئيسية هيمنت على الخطاب القومي في ذلك الوقت: القومية العربية، والغرب (بوصفه ثقافة أوروبية راقية)، والثقافة اللبنانية (بوصفها فلكلوراً محلياً). هذا المزيج كان "صائتاً بعمق"، وتجسّد في التوزيع الموسيقي والآلات والأسلوب.
استطاع الثالوث بذلك أن يخلق "أسلوباً موسيقياً وطنياً لبنانياً"، وهو أسلوب لا يزال يشكّل حتى اليوم ما يعنيه أن تكون موسيقاك "لبنانية".
3. فيروز: صوت المشروع الرحباني
لعبت فيروز دوراً محورياً في هذا المشروع، فلم تكن مجرد مؤدية، بل كانت الوجه والصوت الذي حمَل الرؤية الرحبانية إلى العالم. يقول الباحثون إن مسيرة فيروز أصبحت "مرادفة لتطور الذاتية الوطنية اللبنانية". وقد تحوّل صوتها إلى "رمز للبنان نفسه".
قيل في وصف صوتها الكثير، لكن أبلغ ما قيل على لسان الموسيقار محمد عبد الوهاب، حين سُئل عن رأيه في أصوات المطربين، فتحدّث عن الجميع، وعندما وصل إلى فيروز قال: "أنتم الآن انتقلتم من الحديث عن الأصوات البشرية إلى الملائكة".
ثالثاً: بناء الهوية الوطنية — فن يتجاوز الطوائف
1. لبنان الذي غنّوه: وطن يتجاوز الواقع
قدّم الثالوث في أعماله صورة للبنان لم تكن موجودة بالضرورة على الأرض، لكنها كانت طموحاً وحلماً. في وقت كانت لبنان تعاني من صراعاتها، قدّموا "أغنيات عن لبنان الأخضر، لبنان الجميل". كتبوا أولى الأغاني عن لبنان بعنوان "لبنان الأخضر، يا بلد أخضر".
في خضم أزمة 1958، حين انقسم لبنان بين من يريد الانضمام للجمهورية العربية المتحدة ومن يرفض، كتب الرحابنة أولى مسرحياتهم "جسر القمر". في هذه المسرحية، تتصالح قريتان متخاصمتان بعد أن تعدهم ساحرة بأن الكنز تحت الجسر، لتعلن في النهاية أن "الكنز هو السلام والمحبة". كان هذا رسالة سياسية واضحة في زمن الانقسام.
2. الصمت خلال الحرب: موقف وطني
خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، رفضت فيروز الغناء في لبنان، وامتنعت عن الانحياز لأي طرف. هذا الصمت كان "فعلاً سياسياً" في حد ذاته، وتلقّاه الجمهور "كمقاومة للعنف على الأراضي اللبنانية وتضامناً مع الشعب اللبناني"، مما عزّز من مكانتها كرمز وطني يعلو فوق الانقسامات.
عندما عادت للغناء في بعلبك عام 1994 ثم عام 1998 بعد انتهاء الحرب، كان عودتها حدثاً وطنياً بامتياز، يجسّد تطلّع اللبنانيين إلى المصالحة والسلام.
3. تجاوز الطائفية
تمكن الثالوث من خلال فنه من تجاوز الانقسامات الطائفية التي مزّقت لبنان. فكما تشير الدراسات، فإن أعمالهم خلقت "مجتمعاً متخيلاً" جامعاً للبنانيين من مختلف الطوائف. من خلال تركيزهم على التراث المشترك والقضايا الوطنية — وعلى رأسها القضية الفلسطينية — استطاعوا أن يخاطبوا اللبنانيين جميعاً، مسيحيين ومسلمين، على السواء.
رابعاً: الإرث — لم يكسره الموت
1. رحيل الجسد، بقاء الروح
رحل عاصي الرحباني في 21 يونيو 1986، ثم منصور في 13 يناير 2009. لكن موسيقاهم لم ترحل. فكما قال الرئيس اللبناني السابق ميشال عون، إن "أعمالهم ستبقى شاهدة على أن الفن الأصيل وحده ينتصر على الموت".
استمرت فيروز في الغناء، حاملةً راية الثالوث. تعاونت مع ابنها زياد الرحباني في مرحلة جديدة، لكنها ظلّت تردّد ألحان عاصي ومنصور في حفلاتها، كما في ألبومها "Live 2000 Festival de Beiteddine".
2. التأثير في الأجيال
يمتد إرث الثالوث إلى ما بعد رحيل أفراده. ففي عام 2023، احتفل لبنان والعالم العربي بمئوية ميلاد عاصي الرحباني. ولا تزال أعمالهم تُدرّس في المعاهد الموسيقية، وتُبحث في الدراسات الأكاديمية.
3. رمز للبنان الموحّد
اليوم، وبعد مرور عقود على انطلاقتهم، لا يزال الثالوث الرحباني-فيروز يمثّل "لبناناً آخر" — لبنان الجمال والسلام والتسامح. في زمن الأزمات والحروب، يلجأ اللبنانيون إلى أغنياتهم كملاذ روحي، وكتذكير بأن لبنان يستحقّ الحياة.
الخاتمة
فيروز وعاصي ومنصور الرحباني هم أكثر من مجرد ثلاثة فنانين جمعتهم الصدفة. هم ثالوث ماسي صنع مجد لبنان الفني، ورفع اسمه عالياً في المحافل العربية والعالمية. جمعوا بين عبقرية التأليف والتلحين عند الأخوين الرحباني، وصوت فيروز الفريد الذي حوّل الكلمات إلى روح، والألحان إلى حياة.
قدّموا للبنان وللعرب هوية موسيقية متكاملة، تجاوزت الانقسامات الطائفية والسياسية، وخلقت لغة فنية جامعة. في زمن الحرب، كان صمت فيروز موقفاً، وفي زمن السلم كانت أغنياتهم دعوة للحب والجمال.
رغم رحيل عاصي ومنصور، ورغم تقدم فيروز في السن، فإن هذا الثالوث لم يمت. لا يزال حياً في كلّ بيت لبناني يشغّل أغنياتهم، وفي كلّ مناسبة وطنية تتردّد فيها كلماتهم، وفي كلّ قلب لبناني يخفق بحبّ هذا البلد. لأن الفنّ الأصيل، كما أثبتوا، لا يموت. وكما غنّت فيروز: "القناعة أحلى من الحزن، السلام كنز الكنوز" — هذه هي الرسالة الخالدة التي تركها الثالوث الماسي للأجيال.
قائمة المراجع
1. "Rahbani brothers", Wikipedia, The Free Encyclopedia.
2. "Centennial of Assi al-Rahbani shines light on his cherished musical legacy", Al Majalla, 4 May 2023.
3. "Fayrūz and Lebanese identity", Bibliolore, 30 March 2023.
4. Nour El Rayes, "Hearing Cosmopolitan Nationalism in the Work of Fairuz and the Rahbani Brothers", Yearbook for Traditional Music, Cambridge University Press, Vol. 54, 2022, pp. 49–72.
5. Christopher Stone, Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation, Routledge, 2008.
6. Mahmoud Hassan, "Fairuz: Songs for a Lebanon that never existed", Qantara.de, 2025.
7. "Fairuz as a National Symbol: Popular Music, Folklore and Nationhood in 1960s Lebanon", SOAS, University of London.
8. "عاصي الرحباني | الموقع الرسمي للجيش اللبناني"
9. "Fairuz and the Rahbani Brothers", TheCollector, 6 May 2024.
10. "Fairuz: Lebanon s Voice Of Hope", WBOI / NPR, 12 July 2010.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟