محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 16:51
المحور:
قضايا ثقافية
الرسائل السياسية لمسرحيات الأخوين رحباني
المقدمة
يُعد مسرح الأخوين عاصي ومنصور الرحباني واحداً من أبرز الظواهر الثقافية والفنية في القرن العشرين العربي، إذ قدّم نموذجاً مسرحياً غنائياً فريداً مزج بين الشعر والموسيقى والتمثيل والرقص. غير أن هذا المسرح لم يكن مجرد ترفيه فني، بل حمل في طياته أبعاداً سياسية ووطنية عميقة، عبّر عنها الأخوان بأسلوب غير مباشر، اعتماداً على الخيال والرمز والأسطورة، بعيداً عن المباشرة أو التبشير السياسي الصريح.
تركز هذه الدراسة على استجلاء الرسائل السياسية التي حملتها مسرحيات الأخوين رحباني، وتتتبع تطور هذه الرسائل من البعد الوطني التوحيدي في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلى النقد السياسي غير المباشر في مرحلة ما بعد حرب 1967، وصولاً إلى الهجاء السياسي اللاذع في مرحلة الحرب الأهلية. وتهدف الدراسة إلى فهم كيف استطاع الرحابنة، من خلال فضاءاتهم الخيالية، أن يقدموا رؤية سياسية بديلة للواقع اللبناني المتشظي، وأن يسهموا في تشكيل هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الطائفية.
أولاً: الإطار المنهجي — المسرح كمنصة سياسية
انطلق الأخوان رحباني من رؤية خاصة لدور المسرح في المجتمع، إذ اعتبراه أداةً للتحفيز على التغيير الاجتماعي، ووسيلة لتمكين الجماهير من تخيّل بدائل لواقعهم. وقد وظّفا في ذلك "قوة الخيال" بطريقة فريدة، إذ بنيا أعمالهما على "مقدمات خيالية" تجعل الجمهور يتبنى "منطقاً شعرياً" قد يبدو غير منطقي أو مستحيل وفق قوانين الواقع. وهذا المنطق الشعري هو الذي مكّنهما من تجاوز الرقابة الذاتية والسياسية، ومن التعبير عن رسائل سياسية دون التصادم المباشر مع السلطات.
لقد نجح الرحابنة في خلق ما يمكن تسميته "الممكن الرحباني" (al-mumkin al-Raḥbānī) في خيال جماهيرهم، وهو فضاء بديل حيث يصبح "الممكن الجميل" — كما جسّده صوت فيروز — حقيقة معيشة. هذا الممكن الجميل لم يكن هروباً من الواقع، بل كان نقداً له واقتراحاً بديلاً عنه.
ثانياً: البعد الوطني — بناء لبنان المتخيَّل
1. تأسيس الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال
شكّل المشروع الرحباني، منذ انطلاقته في مهرجانات بعلبك الدولية في خمسينيات القرن العشرين، أداةً أساسية في بناء الهوية الوطنية اللبنانية. ففي أعقاب رحيل الفرنسيين عن لبنان وبعد أحداث 1958، قدّم الأخوان رحباني سلسلة من الاستعراضات الغنائية الفلكلورية التي سلّطت الضوء على التراث اللبناني.
وقد مثّل إدراج هذه الفقرات الفلكلورية في المهرجان، الذي كان يهيمن عليه البرنامج الثقافي الأوروبي، توليفة قوية من "الاستيلاء على الشعبي" و"تحويل التقليد إلى كلاسيكي"، مما منح المشروع قوة بنّاءة في تشكيل الهوية. وهذا يتفق مع ما ذهب إليه بارثا تشاترجي (Partha Chatterjee) من أن بناء nations لا يتم فقط عبر السياسة الرسمية، بل عبر "استيلاء" الثقافة الشعبية وتحويلها إلى تراث كلاسيكي وطني.
2. لبنان الخيالي مقابل لبنان الواقعي
قدّم الرحابنة في مسرحياتهم صورة للبنان لم تكن موجودة بالضرورة على أرض الواقع، لكنها كانت طموحاً وبرنامجاً سياسياً. لقد صورا لبنان كوطنٍ أخضر جميل، تتآلف فيه الطوائف وتتعايش، وتسوده قيم المحبة والسلام.
غير أن بعض النقاد يرى أن هذا البعد "الوطني الخيالي" لم يكن مجرد تغييب للواقع، بل كان نقداً له. فكما يرى هنري زغيب، فإن القول بأن الأخوين الرحباني "أوهما الناس بوطنٍ خياليٍّ غير موجود" هو "قول قاصر جاهل"، لأن "الوطن الذي انهار هو لبنان السياسيّ الكرتونيّ الكرنفاليّ الذي لم ينفكّ (سياسياً) ينهار". فالوطن الذي قدّمه الرحابنة كان بديلاً نقدياً للوطن السياسي الفاسد، وليس هروباً منه.
3. تجاوز الطائفية نحو أمة جامعة
تمكنت مسرحيات الرحابنة من مخاطبة اللبنانيين من مختلف الطوائف، وقدّمت رؤية للبنان تتجاوز الانقسامات المذهبية. هذا البعد الوطني الجامع جعل من فيروز والرحابنة رمزاً للبنان الموحّد. فالمسرح الرحباني لم يكن مسرحاً طائفياً، بل كان مسرحاً وطنياً بامتياز، يخاطب اللبنانيين جميعاً بلغة الجمال المشترك.
ثالثاً: الأساليب غير المباشرة — الخيال والرمز كغطاء للرسالة السياسية
1. المقدمات الخيالية والمنطق الشعري
اعتمد الرحابنة على أسلوب غير مباشر في التعبير عن رسائلهم السياسية، إذ استخدما "مقدمات خيالية" لإشراك الجمهور في لعبة فنية يختلط فيها الخيال بالواقع ويتداخلان. وهذا الأسلوب مكّنهما من معالجة قضايا سياسية حساسة دون أن يكونا عرضة للرقابة أو الاتهام المباشر.
فالخيال في أعمالهما لم يكن هروباً من الواقع، بل أصبح "اقتراحاً جديداً للواقع"؛ إذ أعادا اختراع الواقع من خلال فرضيات خيالية. وهذا ما جعل مسرحياتهما قادرة على أن تكون "محفزاً للتغيير الاجتماعي" دون أن تتبنى أي إجراء سياسي محدد.
2. التوظيف التاريخي والأسطوري
لجأ الرحابنة في بعض مسرحياتهم إلى توظيف التاريخ والأسطورة كغطاء للرسالة السياسية المعاصرة. فمسرحية "أيام فخر الدين" على سبيل المثال، تعود بأحداثها إلى القرن السادس عشر، وتتناول حياة الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي عاش منفياً في توسكانا. هذا التوظيف التاريخي أتاح للرحابنة التحدث عن قضايا المنفى والحرية والهوية، وهي قضايا سياسية راهنة، لكنها قُدّمت في قالب تاريخي بعيد عن المباشرة.
3. الرمز في الشخصيات والحبكات
تميزت مسرحيات الرحابنة باستخدامها المكثف للشخصيات الرمزية والحبكات المجازية. فالشخصيات لم تكن مجرد أفراد، بل كانت تجسيداً لأفكار وقيم ومواقف سياسية. وهذا الأسلوب الرمزي جعل من الممكن التعبير عن مواقف سياسية دون التصريح بها، تاركاً للجمهور مهمة فك الرموز واستخلاص الرسائل.
رابعاً: التطور السياسي — من التوحيد الوطني إلى النقد اللاذع
1. المرحلة الأولى: التوحيد الوطني (خمسينيات وستينيات القرن العشرين)
في مرحلتها الأولى، اتسمت مسرحيات الرحابنة بطابع وطني توحيدي، إذ ركّزت على بناء هوية لبنانية جامعة، وعلى التعبير عن جمال لبنان وتراثه. كانت هذه المرحلة مرحلة "بناء nation" بامتياز، حيث قدّم الرحابنة رؤية للبنان ككيان ثقافي وحضاري موحّد، يتجاوز الانقسامات الداخلية.
مسرحية "جسر القمر" (1962) هي نموذج بارز لهذه المرحلة. ففيها تتصالح قريتان متخاصمتان بعد أن تعدهم ساحرة بأن الكنز تحت الجسر، لتعلن في النهاية أن "الكنز هو السلام والمحبة". كانت هذه رسالة سياسية واضحة في زمن الانقسامات اللبنانية، دعت إلى التصالح وتجاوز الخلافات.
2. المرحلة الثانية: النقد غير المباشر (ما بعد 1967)
بعد نكسة 1967، بدأت مسرحيات الرحابنة تكتسب طابعاً سياسياً أكثر حدّة، وإن ظلّت غير مباشرة. فقد أصبحت الأعمال "ذات طابع سياسي متزايد"، وتناولت قضايا عربية وقومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد ساهم هذا التحول في توسيع جمهور الرحابنة ليشمل العالم العربي بأكمله.
3. المرحلة الثالثة: الهجاء السياسي (الحرب الأهلية)
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تحول مسرح الرحابنة نحو الهجاء السياسي اللاذع والنقد المباشر أكثر. فاستمرا في استخدام السخرية السياسية والنقد الحاد في مسرحياتهما. مسرحية "بترا" (1977) هي مثال على هذه المرحلة، حيث قدّم فيها رسائل سياسية ناقدة للواقع.
غير أن هذا التحول لم يكن مفاجئاً، بل كان امتداداً لتطور طبيعي في فكر الرحابنة، حيث أصبحا أكثر جرأة في التعبير عن مواقفهما السياسية مع تفاقم الأوضاع في لبنان.
خامساً: مسرحيات مختارة وتحليل رسائلها السياسية
1. "جسر القمر" (1962) — دعوة للتصالح الوطني
تُعد "جسر القمر" من أوائل المسرحيات الرحبانية التي حملت رسالة سياسية واضحة. فمن خلال حكاية قريتين متنازعتين، قدّم الرحابنة دعوة صريحة للتصالح وتجاوز الخلافات. وكانت رسالتهم أن "السلام كنز الكنوز"، وأن الثروة الحقيقية ليست في المال بل في المحبة والوئام. هذه الرسالة كانت ذات دلالة عميقة في سياق لبنان الذي كان يعاني من انقسامات سياسية وطائفية.
2. "ليلَةُ القَناديل" (1963) — الاحتفاء بالتراث والهوية
قدّمت هذه المسرحية رؤية للبنان كأرض التراث والجمال، محتفية بالعادات والتقاليد اللبنانية. وكانت رسالتها السياسية أن الهوية اللبنانية الأصيلة هي مصدر القوة والوحدة، وأن التمسك بالتراث هو طريق المقاومة الثقافية في وجه التغريب.
3. "بائع الخواتم" (1964) — نقد اجتماعي وسياسي
حملت هذه المسرحية نقداً اجتماعياً وسياسياً غير مباشر، من خلال قصة بائع خواتم يسعى لتحقيق أحلامه في مجتمع يكتنفه الفقر والظلم. وقد عكست المسرحية هموم الناس البسطاء ونقدت التفاوت الطبقي، في رسالة سياسية واجتماعية واضحة.
4. "ناس من ورق" — نقد الواقع والسياسة
في مسرحية "ناس من ورق"، حاول الرحابنة خلق "إنسان من ورق... إنسان واقعي"، في إشارة ناقدة إلى الواقع السياسي والاجتماعي. وقد حملت المسرحية رسالة سياسية تستمد قوتها من "التمثيل الكاذب" للناس في الواقع السياسي، داعية إلى استعادة الإنسانية الحقيقية في مواجهة الزيف السياسي.
5. "بترا" (1977) — النقد السياسي في زمن الحرب
قدّمت مسرحية "بترا" في خضم الحرب الأهلية، وحملت رسائل سياسية ناقدة للواقع اللبناني والعربي. وقد اتسمت هذه المسرحية بجرأة سياسية أكبر، حيث تناولت قضايا الفساد والانقسام والهزيمة، في محاولة لفهم أسباب المأساة اللبنانية.
سادساً: الإرث السياسي — أثر مسرح الرحابنة في الوعي الجمعي
1. تشكيل الوعي الوطني
أسهمت مسرحيات الرحابنة في تشكيل وعي وطني لبناني، يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية. وقد حملت المسرحيات قيماً وطنية وإنسانية، وعملت على زرعها في وجدان المواطن اللبناني، ابتداءً من الحرية مروراً بالدفاع عن الوطن والأرض. وهذا البعد الوطني جعل من المسرح الرحباني جزءاً من الذاكرة الجمعية اللبنانية، ومن مراجع الهوية الوطنية.
2. تمكين الجماهير
لم تكن الرسائل السياسية في مسرح الرحابنة مجرد خطاب يلقى على الجمهور، بل كانت أداة لتمكينه. فقد عملت أعمالهم على "تمكين الناس لبدء الفعل"، عبر استعادة إيمانهم بقوة خيالهم وقدرتهم على بدء التغيير. وهذا البعد التمكيني جعل من مسرح الرحابنة أكثر من مجرد فن، بل صار أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي.
3. التأثير في الأجيال
امتد تأثير الرسائل السياسية لمسرح الرحابنة إلى الأجيال اللاحقة، ولا سيما من خلال ابن عاصي وفيروز، زياد الرحباني، الذي واصل هذا التقليد لكن بأسلوب أكثر صراحة وجرأة. فزياد قدّم مسرحاً سياسياً ساخراً، تحولت مقاطع عديدة منه إلى نكات وعبارات يستخدمها اللبنانيون بشكل يومي.
الخاتمة
يمكن القول إن مسرح الأخوين رحباني حمل في طياته رسائل سياسية متعددة المستويات، تنوعت بين بناء الهوية الوطنية، وتجاوز الانقسامات الطائفية، والنقد الاجتماعي والسياسي غير المباشر، وصولاً إلى الهجاء السياسي اللاذع في مرحلة الحرب. وقد تميزت هذه الرسائل بأسلوبها غير المباشر، القائم على الخيال والرمز والأسطورة، مما مكّن الرحابنة من التعبير عن مواقفهم السياسية بحرية، ومن مخاطبة جمهور عريض دون إثارة الصدام المباشر.
لقد استطاع الرحابنة، من خلال "الممكن الرحباني" الذي خلقاه في مخيال جماهيرهم، أن يقدّموا رؤية بديلة للواقع اللبناني المتشظي، وأن يزرعوا في وعي الناس إمكانية التغيير والأمل. ورغم أن هذا "الممكن الجميل" بدا أحياناً كأنه هروب من الواقع، إلا أنه كان في جوهره نقداً له وبرنامجاً بديلاً عنه.
يبقى إرث الرحابنة السياسي حياً في الذاكرة اللبنانية، وفي مسرح ابنهم زياد الذي واصل المسيرة بأسلوب مختلف، وفي وجدان كل لبناني يجد في أغنياتهم ومسرحياتهم تعبيراً عن حلم لبنان الموحّد الجميل. وكما قال هنري زغيب، فإن النص المسرحي الرحباني "ذو رسالة إنسانية وحضارية جعلته ضالعاً في ضمير الناس ومشاعرهم". وهذا الضلوع في الضمير الجمعي هو جوهر التأثير السياسي لمسرح الرحابنة، الذي جعل من الفن أداة للبناء الوطني والتغيير الاجتماعي.
قائمة المراجع
باللغة العربية
1. "الأخوان رحباني"، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
2. "مسرح الأخوين رحباني"، هنري زغيب، المركز التربوي للبحوث والإنماء، 2003.
3. "مسرح الأخوين الرحباني صنع مجد الفن في لبنان والعالم العربي"، أصوات العرب، 11 أبريل 2015.
4. "أثر فيروز والمسرح الرحباني على المجتمع اللبناني"، د. ثناء الحلوة، مجلة الموسيقى العربية، 28 فبراير 2023.
5. "في المسرح الرحباني: بترا …رسائل مشوّشة"، تونساف، 22 مارس 2016.
6. "مسرح زياد الانقلابي على يوتوبيا الأخوين رحباني"، دار زمكان، 28 أغسطس 2025.
باللغة الإنجليزية
7. Albiti, Hebah (2021). "Social Change through Power of Imagination in Arabic Theatre: How the Raḥbānī Brothers Works Empowered their Audiences". PhD thesis, SOAS University of London. DOI: 10.25501/SOAS.00036501.
8. Stone, Christopher (2008). Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation. London & New York: Routledge.
9. El Rayes, Nour (2022). "Hearing Cosmopolitan Nationalism in the Work of Fairuz and the Rahbani Brothers". Yearbook for Traditional Music, Vol. 54, Cambridge University Press, pp. 49–72. DOI: 10.1017/YTM.2022.10.
10. "Rahbani brothers", Wikipedia, The Free Encyclopedia.
11. "BAALBECK AND THE RAHBANIS: Folklore, ancient history, and nationalism", Taylor & Francis, 2007.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟