محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 00:09
المحور:
قضايا ثقافية
مقدمة
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي مرحلة دراماتيكية من المساومات والصفقات، يتصدرها العلاقة المعقدة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأحزاب الحريدية. فبعد أن أعلن الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي لحزب "ديغل هاتوراه"، أن "لا ثقة في نتنياهو" وأن "مفهوم الكتلة لم يعد قائماً"، بدا وكأن التحالف التاريخي بين اليمين والحريديم على وشك الانهيار. غير أن وقائع السياسة الإسرائيلية وتوازناتها الدقيقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل سيضطر الحريديم فعلاً للعودة إلى التحالف مع نتنياهو رغم كل الخلافات؟ وما هي الفرص والتحديات التي تحكم هذه العلاقة؟
أولاً: لماذا يضطر الحريديم للتحالف مع نتنياهو؟
1. المصالح التشريعية المشتركة: قانون تعليم التوراة
يمثل قانون "تعليم التوراة" جوهر العلاقة بين نتنياهو والحريديم. فهذا التشريع، الذي يسعى إلى إضفاء صبغة دستورية على إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، يُعد المطلب الأساسي للأحزاب الحريدية. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة اندفاعة تشريعية غير مسبوقة لتمرير هذا القانون قبل حل الكنيست في 17 يوليو/تموز.
وقد أوضح زعيم حزب "شاس" أريه درعي لنتنياهو أنه "بدون تمرير قانونين لحماية المتهربين من التجنيد، لا يوجد شيء للحديث عنه". وهذا يؤكد أن الحريديم يربطون تحالفهم بشكل مباشر بتحقيق مكاسب تشريعية جوهرية، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال حكومة يمينية بقيادة نتنياهو.
2. استمرار نموذج "كتلة اليمين"
رغم تصريحات الحاخام لاندو بأن "مفهوم الكتلة لم يعد قائماً"، فإن البنية الأساسية للسياسة الإسرائيلية تجعل من الصعب على الحريديم الانفصال تماماً عن معسكر اليمين. فالحريديم يشكلون جزءاً عضوياً من كتلة اليمين والحريديم التي حكمت إسرائيل في السنوات الأخيرة. واستطلاعات الرأي تشير إلى أن الائتلاف الحاكم بزعامة نتنياهو لن يتمكن من تشكيل حكومة جديدة إذا أجريت الانتخابات اليوم، حيث من المتوقع حصوله على 53 مقعداً فقط، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة البالغة 61 مقعداً. وهذا يعني أن الحريديم، بمقاعدهم، قد يكونون الفارق الحاسم بين نتنياهو والمعارضة.
3. غياب البديل الإستراتيجي
رغم وجود قنوات اتصال مكثفة بين كبار قادة التيار الحريدي ورئيس حزب "يشار!" المعارض، الجنرال السابق غادي آيزنكوت، فإن البديل السياسي للحريديم خارج كتلة نتنياهو يظل محدوداً. فالمعارضة، بقيادة يائير لابيد ونفتالي بينيت، تتبنى خطاباً علمانياً لا يتوافق مع الأجندة الحريدية، خاصة فيما يتعلق بقضايا الدين والدولة والتجنيد. وقد سبق أن جرب الحريديم التحالف مع حكومة "التغيير" في 2021-2022، لكن التجربة لم تدم طويلاً وعادوا سريعاً إلى أحضان معسكر نتنياهو.
4. نتنياهو يدفع أثماناً باهظة
يُجمع المراقبون على أن نتنياهو مستعد لدفع أثمان سياسية كبيرة لضمان ولاء الحريديم. فالقوانين المطروحة، كإعفاء الحريديم من التجنيد ولجنة التحقيق السياسية في أحداث السابع من أكتوبر، لم تعد مجرد ملفات أيديولوجية، بل أدوات لشراء الولاء. ويبدو أن نتنياهو يقوم باستثمار في الائتلاف ما بعد الانتخابات، حيث يشير إلى الأحزاب الحريدية أنه عندما كان الأمر مهماً، نفذ مطالبهم الأساسية، حتى لو كان ذلك بكلفة سياسية عالية. وحسابه الأساسي هو أن "حزب ليكود أصغر قليلاً ولكنه يحتفظ بثقة الحريديم أفضل من حزب ليكود أكبر ولكن شركاءه الطبيعيين في الائتلاف لم يعودوا يثقون به".
ثانياً: الفرص المتاحة للتحالف
1. نتنياهو يقدم للحريديم مكاسب تشريعية غير مسبوقة
يبدو أن نتنياهو يعمل على تمرير حزمة تشريعية متكاملة تلبي مطالب الحريديم، وتشمل:
• قانون أساس "تعليم التوراة": لإضفاء صفة دستورية على إعفاء الحريديم من التجنيد.
• تشريع مؤقت لتجميد اعتقال المتهربين: لمدة 90 يوماً لحماية الحريديم من الملاحقة القضائية.
• قانون إلغاء إصلاح الكشروت: إلغاء إصلاح سابق في نظام الرقابة على الأطعمة الكوشر.
• لجنة تحقيق سياسية في أحداث 7 أكتوبر: لجنة تعينها الحكومة بدلاً من لجنة تحقيق رسمية، مما يمنح نتنياهو السيطرة على السردية السياسية.
وهذه الحزمة التشريعية، رغم عدم شعبيتها بين عامة الإسرائيليين,تمثل للحريديم إنجازاً تاريخياً قد لا تتاح لهم فرصة تكراره مع أي بديل سياسي آخر.
2. نتنياهو بحاجة ماسة للحريديم
استطلاعات الرأي تؤكد أن نتنياهو في وضع لا يحسد عليه. فحزب الليكود بزعامته سيحصل على 23 مقعداً، متعادلاً مع حزب "يشار" الجديد برئاسة آيزنكوت. كما أظهر استطلاع لقناة 12 أن 21% من ناخبي الائتلاف يفكرون في التصويت لحزب خارج الائتلاف بسبب الاندفاعة التشريعية في اللحظة الأخيرة. وهذا الضعف يمنح الحريديم نفوذاً تفاوضياً كبيراً، حيث يمكنهم المطالبة بمزيد من التنازلات مقابل ولائهم.
3. فرصة لتثبيت مكانة الحريديم في الدولة
التحالف مع نتنياهو يمنح الحريديم فرصة لتثبيت مكانتهم في مؤسسات الدولة وإعادة تعريف علاقة الدين بالدولة في إسرائيل. فقانون "تعليم التوراة" ليس مجرد تشريع عابر، بل محاولة لتغيير الميزان الدستوري في إسرائيل لصالح التيار الحريدي. وهذا الإنجاز، إن تحقق، سيكون نقطة تحول في تاريخ الحريديم في إسرائيل.
ثالثاً: التحديات التي تواجه التحالف
1. انعدام الثقة بين الطرفين
التحدي الأكبر الذي يواجه تحالف نتنياهو والحريديم هو انعدام الثقة المتبادل. فقد أعلن الحاخام دوف لاندو أن "لم نعد نثق بنتنياهو، لم نعد نشعر بأننا شركاء له، ولسنا ملتزمين تجاهه". هذا التصريح يعكس أزمة عميقة في العلاقة، حيث يشعر الحريديم أن نتنياهو استخدمهم ثم تخلى عنهم في اللحظة الحاسمة.
وعندما طلب نتنياهو من قادة الأحزاب الحريدية تقديم تعهد بالبقاء جزءاً لا يتجزأ من كتلته اليمينية بعد الانتخابات، رفض القادة تقديم أي التزام. وردَّت فصائل "يهدوت هتوراه" بأن "أولاً تمرر القوانين، ثم نتحدث". وهذا الموقف يكشف أن الحريديم يريدون ضمانات ملموسة قبل تقديم أي التزام، مما يجعل التحالف هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
2. عدم شعبية القوانين الحريدية
التشريعات التي يطالب بها الحريديم لا تحظى بشعبية بين عامة الإسرائيليين. فبعد أحداث 7 أكتوبر 2023، أعادت المذبحة ترتيب أولويات البلاد، حيث انتقلت التضحية المشتركة والمساءلة والوحدة الوطنية إلى الواجهة. لكن الأجندة التشريعية للائتلاف تشير في الاتجاه المعاكس تماماً: إعفاءات الحريديم، وإضعاف إنفاذ التجنيد، وإعادة تشكيل المؤسسات العامة.
وهذا التناقض بين مطالب الحريديم والمزاج العام قد يكلف الحريديم ثمناً سياسياً باهظاً، حيث قد يدفع الناخبين الوسطيين واليمينيين المعتدلين للابتعاد عن كتلة نتنياهو. وقد حذر مسؤولون في الليكود من أن هذه المطالب "ابتزازية"، مما يعكس توتراً داخل الائتلاف نفسه.
3. الانقسامات داخل المعسكر الحريدي
الحريديم ليسوا كتلة واحدة. فهناك انقسامات بين حزب "شاس" الشرقي و"يهدوت هتوراه" الأشكنازي، وداخل "يهدوت هتوراه" نفسه بين فصيل "ديغل هاتوراه" و"أغودات يسرائيل". وقد أظهرت التقارير أن "ديغل هاتوراه" كان أقل التزاماً من "شاس"، مما يعكس تبايناً في المواقف قد يعقد المفاوضات.
كما أن الزعيم الروحي للحريديم، الحاخام دوف لاندو، اتخذ موقفاً حاسماً ضد نتنياهو، بينما قد تكون هناك أصوات أخرى داخل التيار الحريدي تميل إلى استمرار التحالف. هذا الانقسام الداخلي قد يضعف الموقف التفاوضي للحريديم ويجعلهم أقل قدرة على تحقيق مكاسب موحدة.
4. قرار المحكمة العليا
لا يزال قرار المحكمة العليا الصادر في يونيو/حزيران 2024 بإلزام الحريديم بالتجنيد قائماً. وهذا يعني أن أي تشريع يهدف إلى إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية قد يواجه إبطالاً قضائياً. والحريديم يدركون أن تمرير القوانين في الكنيست ليس نهاية المطاف، بل قد تكون البداية لمعركة قضائية طويلة قد تنتهي بإبطالها.
5. الضغوط الدولية والمحلية
تواجه إسرائيل ضغوطاً دولية متزايدة، خاصة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والمساواة في الخدمة العسكرية. كما أن التوترات العسكرية المتصاعدة مع إيران ولبنان تضع الجبهة الداخلية تحت ضغط هائل. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى إعفاء الحريديم من التجنيد على أنه تهديد للتماسك الوطني في وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى كل مقاتل.
خاتمة
يبدو أن تحالف الحريديم مع نتنياهو في الانتخابات القادمة ليس أمراً محتوماً، لكنه يظل الخيار الأكثر ترجيحاً في ظل المعطيات الراهنة. فالحريديم بحاجة إلى نتنياهو لتمرير تشريعاتهم المصيرية، ونتنياهو بحاجة إلى الحريديم لتأمين أغلبية برلمانية تمكنه من البقاء في السلطة. لكن هذا التحالف يواجه تحديات جسيمة، أبرزها انعدام الثقة المتبادل، وعدم شعبية القوانين الحريدية، والانقسامات داخل المعسكر الحريدي، وخطر الإبطال القضائي.
في المشهد السياسي الإسرائيلي المتقلب، يظل السؤال الأكبر: هل ستنجح الصفقات التشريعية في رأب الصدع بين نتنياهو والحريديم، أم أن أزمة الثقة ستكون أكبر من أن تسدها القوانين؟ وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن الحريديم يرفضون تقديم ضمانات مسبقة، مكتفين بالقول "أولاً تمرر القوانين، ثم نتحدث". وهذا يعني أن التحالف، إن تم، سيكون قائماً على المصالح الآنية أكثر منه على رؤية سياسية مشتركة، مما يجعله هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
المراجع
1. الجزيرة نت، "قبيل أيام من حل الكنيست.. إسرائيل أمام انتخابات بلا أغلبية"، 7 يوليو/تموز 2026
2. الجزيرة نت، "نتنياهو يخسر الحريديم.. هل بدأ العد التنازلي لحل الكنيست؟"، 13 مايو/أيار 2026
3. الجزيرة نت، "هل يخدع الحريديم آيزنكوت أم يتخلون عن نتنياهو؟"، 17 مايو/أيار 2026
4. الجزيرة نت، "هل ينجح نتنياهو في ضبط ائتلافه بعد الانتخابات؟"، 12 يونيو/حزيران 2026
5. The Times of Israel, "Netanyahu said seeking Haredi loyalty after election, but party leaders noncommittal", 7 July 2026
6. The Times of Israel, "Coalition pushes ahead with Oct. 7 political probe, Torah study Basic Law, AG bills in contentious pre-election blitz", 6 July 2026
7. The Jerusalem Post, "Netanyahu’s coalition strategy behind legislative blitz", 7 July 2026
8. The Jerusalem Post, "Rabbi Yosef urges Shas to back coalition for Torah Study Law", 7 July 2026
9. وكالة الأناضول، "Israeli opposition slams Netanyahu s Torah study bill as legalizing draft evasion", 2 July 2026
10. Maspero، "استطلاع إسرائيلي: ائتلاف نتنياهو دون الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة جديدة"، 5 يوليو/تموز 2026
11. اليوم السابع، "صفعة لنتنياهو: استطلاع يؤكد عجز ائتلافه عن حسم الأغلبية لتشكيل حكومة جديدة"، 6 يوليو/تموز 2026
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟