أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني















المزيد.....


الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 18:45
المحور: قضايا ثقافية
    


الملخص
يتناول هذا البحث ظاهرة الاغتراب في شعر الأمير الشاعر أبي فراس الحمداني (932-968م)، أحد أبرز شعراء العصر العباسي وأعلام الدولة الحمدانية. تُعدّ تجربة أبي فراس نموذجاً فريداً للاغتراب بمعانيه المتعددة؛ فقد عاش يتيماً، وقُتل أبوه وهو في الثالثة من عمره، ثم وقع أسيراً لدى الروم مرتين، وقضى سنوات في السجن بعيداً عن أهله ووطنه، ومات في النهاية مقتولاً في حمص وهو في السادسة والثلاثين من عمره. يستعرض البحث مفهوم الاغتراب في النقد العربي الحديث، ثم يحلّل تجليات الاغتراب في شعر أبي فراس من خلال محاور أربعة: الاغتراب المكاني في الأسر، والاغتراب النفسي والوجداني، والاغتراب السياسي والاجتماعي، والاغتراب الزماني. ويخلص البحث إلى أن شعر أبي فراس، وخاصة "رومياته"، يمثل ذروة التعبير الشعري عن الاغتراب الإنساني، حيث صاغ الشاعر من نار الألم والوحدة والحنين أصدق ما قيل في الشعر العربي عن معاناة الإنسان في غربته.
الكلمات المفتاحية: أبو فراس الحمداني؛ الاغتراب؛ الروميات؛ شعر الأسر؛ الغربة المكانية؛ الغربة النفسية.

أولاً – المقدمة
الاغتراب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان نفسه، وهي تنوجد في أي مجتمع بشري، وتتحدث لدى الأفراد بتفاوت يعود إلى تباين الظروف المؤدية إليها والطبيعة الشخصية لكل فرد. وفي الشعر العربي، اتخذ الاغتراب أشكالاً متعددة، من الغربة المكانية إلى الغربة النفسية والوجودية، ومن الغربة السياسية إلى الغربة الاجتماعية والزمانية.
يُعدّ أبو فراس الحمداني (320-357هـ / 932-968م) واحداً من أبرز الشعراء الذين عاشوا الاغتراب بكل أبعاده، وصاغوه في شعر فذّ خلدته الأيام. فهو أمير من أمراء الدولة الحمدانية، ابن عم سيف الدولة، وفارس شجاع، وشاعر مرهف الحس. جمع في شخصه متناقضات عجيبة: النسب الرفيع مع اليتم المبكر، والسلطة مع الأسر، والقوة مع الضعف، والانتماء مع الغربة. هذه المتناقضات جعلت من شعره مرآة صادقة لتجربة الاغتراب الإنساني في أعمق صوره.
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف تجليات الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني، من خلال تحليل نماذج من شعره، وخاصة "رومياته" التي نظمها في الأسر، والتي تمثل ذروة إبداعه الشعري. كما تسعى الدراسة إلى وضع هذه التجربة في سياقها التاريخي والنفسي، ورصد العلاقة بين حياة الشاعر المأساوية وإبداعه الشعري الخالد.

ثانياً – أبو فراس الحمداني: السيرة والمسار
2.1 النشأة واليتم
ولد أبو فراس الحمداني – واسمه الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي – سنة 320هـ/932م، وقيل في الموصل بالعراق، وقيل في منبج بسوريا. ينتمي إلى الأسرة الحمدانية التي أسست إمارة قوية في شمال سوريا والجزيرة الفراتية في القرن العاشر الميلادي.
فقد أبو فراس أباه وهو في الثالثة من عمره، إذ قُتل والده سعيد بن حمدان على يد ابن أخيه ناصر الدولة الطامع في إمارة الموصل. فنشأ يتيماً في كنف ابن عمه الأمير سيف الدولة الحمداني، الذي تكفل بتربيته ورعايته. وقد كانت أمه رومية الأصل، يُقال إنها كانت سبيّة حرب، مما أضاف إلى هويته بعداً آخر من التمزق بين الثقافتين العربية والرومية.
2.2 الفروسية والشعر
نشأ أبو فراس على الفروسية والشعر معاً. فقد أجاد الفروسية والرماية، وشارك في مجالس الأدب مذاكراً الشعراء ومنافساً لهم. ولّاه سيف الدولة إمارة منبج وهو في السادسة عشرة من عمره، لما عُرف عنه من الذكاء والفطنة والنجابة وتحمل المسؤولية. كان يقدم في المعارك ويشارك فيها، ويكره القعود عن منازلة الروم، ويقاتل جنباً إلى جنب مع سيف الدولة.
تميز شعره بسلاسة الألفاظ وجسامة المعاني وصدق العاطفة، بعيداً عن الابتذال والمجاملة والتكسب. وقد تنوعت أغراضه الشعرية بين الفخر والرثاء والغزل والعتاب، لكن أشهر شعره على الإطلاق هو "الروميات" التي نظمها في الأسر.
2.3 الأسر والموت
وقع أبو فراس أسيراً في أيدي الروم مرتين. كانت الأولى في أعقاب معركة "مغارة الكحل" سنة 347هـ/959م، حين أصيب بسهم بقي نصله في فخذه، فأُسر وحُمل إلى قلعة "خرشنة" الواقعة على الفرات. وظل فيها سنوات حتى خرج منها، وقيل إنه هرب وقيل إن سيف الدولة افتداه.
أما المرة الثانية فكانت سنة 350هـ/962م، حين حاصر الروم أبا فراس في منبج حتى سقطت قلعته وأُسر ثانية، ثم نقلوه إلى القسطنطينية وأقام في سجونها سنوات. وقد عبر بالشعر والنثر عن عتبه على ابن عمه وتذمره من مماطلته في تخليصه. ولم يخرج من هذا الأسر إلا بعد حين، ليعود إلى ساحة القتال من جديد.
ولم يطل به العمر بعد ذلك؛ فقد قتل سنة 357هـ/968م في حمص أثناء تصديه لجيش المولى فرغويه، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. وما زال ضريحه في حمص شاهداً على فارس شاعر عاش ومات كما يعيش ويموت الأحرار.

ثالثاً – مفهوم الاغتراب: إطار نظري
3.1 الاغتراب في النقد العربي
الاغتراب لغةً: مصدر اغترب، أي بعد عن وطنه أو نأى بنفسه. وهو الشعور بالوحدة والعزلة والانفصال عن الذات أو عن الآخرين أو عن المكان. وفي النقد الأدبي، يُقصد بالاغتراب ذلك الشعور العميق بالانفصال والضياع الذي يعتري الإنسان حين يفقد انتماءه إلى وطنه أو مجتمعه أو ذاته.
تشير الدراسات النقدية الحديثة إلى أن الاغتراب ظاهرة إنسانية تتخذ أشكالاً متعددة، يمكن تصنيفها إلى:
1. الاغتراب المكاني: البعد عن الوطن أو عن المكان المألوف، والشعور بالغربة في بلاد الغرباء.
2. الاغتراب النفسي: الانفصال عن الذات، وفقدان الشعور بالهوية والاستقرار الداخلي.
3. الاغتراب السياسي: التهميش والإقصاء من قبل السلطة، أو فقدان المكانة والجاه.
4. الاغتراب الاجتماعي: العزلة عن المجتمع، أو الشعور بعدم الانتماء إلى الجماعة.
5. الاغتراب الزماني: الشعور بأن الزمن قد فات، أو أن العمر يمر دون تحقيق الطموحات.
3.2 الاغتراب في الشعر العربي
ليس الاغتراب ظاهرة حديثة في الشعر العربي؛ فقد عرفه الشعراء قديماً وحديثاً. فالشعر الجاهلي حافل بصور الغربة والحنين إلى الأهل والديار. لكن الاغتراب بمعناه الوجودي العميق – أي الشعور بالانفصال عن الذات والوجود – يبرز بقوة في شعر العصر العباسي، وخاصة لدى شعراء الأسر كأبي فراس الحمداني والمعتمد بن عباد.
وقد قامت دراسات أكاديمية متخصصة بمقارنة ظاهرة الاغتراب بين شعراء عباسيين أميرين عاشا ظروفاً متشابهة، كأبي فراس الحمداني وابن المعتز العباسي، حيث كان كلاهما من أبناء السلطة الحاكمة الذين تبدلت أحوالهم بسبب الصراع على السلطة.

رابعاً – تجليات الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني
4.1 الاغتراب المكاني: الأسر والغربة عن الوطن
يمثل الاغتراب المكاني البعد الأكثر وضوحاً في شعر أبي فراس الحمداني. فقد قضى سنوات طويلة من حياته في الأسر بعيداً عن أهله ووطنه، في سجون الروم البعيدة. وقد صوّر هذه التجربة بأصدق ما يمكن أن يصوّر به شاعر معاناة الغربة.
يقول في مطلع أشهر رومياته، التي خاطب بها ابن عمه سيف الدولة:
أراك عصيَّ الدمع شيمتُك الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟
بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ
ولكنَّ مثلي لا يُذاع له سرُّ
إذا الليل أضواني بسطتُ يدَ الهوى
وأذللتُ دمعاً من خلائقه الكبرُ
في هذه الأبيات، يجمع الشاعر بين عناصر الاغتراب المكاني (الليل المظلم كناية عن غربة الأسر) والاغتراب النفسي (الكتمان واللوعة). فالليل "يُضويه" أي يغلبه ويشتد عليه، فيستسلم للبكاء رغم كبريائه. هذا التصوير الدقيق للحالة النفسية للأسير الغريب عن وطنه جعل من هذه القصيدة أيقونة الشعر الإنساني في التعبير عن الألم.
ويصف الشاعر معاناته في الليل الطويل وهو في الأسر، في قصيدة أخرى:
وأسرٌ أقاسيهِ، وليلٌ نجومُهُ
أرى كلَّ شيءٍ، غيرَهُنَّ، يزولُ
وإنَّ، وراءَ السَّترِ، أُمَّاً بكاؤها
عليَّ، وإن طال الزمانُ، طويلُ!
فالليل هنا ليس مجرد وقت، بل كيان معادٍ يقاسيه الشاعر. نجومه ثابتة لا تتحرك، في مقابل كل شيء آخر يزول، مما يعكس شعوره بالزمن المتوقف، والجمود الذي يفرضه الأسر على حياته.
وتتجلى الغربة عن الوطن في أبيات مؤثرة أخرى، حيث يصف الشاعر حنينه إلى أهله ودياره، ويرسل رسائله مع الريح والطير، متوسلاً أن تبلغ أحبته خبره:
أيا جارتا، ما أنصف الدهر بيننا
فأضحى صحيحاً منكِ وابتليتُ أنا
فهو يرى أن الدهر لم ينصفه، إذ أن غيره يتمتع بالصحة والعافية بينما هو مبتلى بالأسْر والمرض.
4.2 الاغتراب النفسي: الوحدة والألم والكتمان
يتجاوز الاغتراب في شعر أبي فراس البعد المكاني إلى البعد النفسي العميق. فالشاعر يعيش وحدة قاسية في سجنه، لا يأنس فيها إلا بدموعه وليله. لكنه في الوقت نفسه، يصر على الكتمان وعدم إظهار الضعف، لأنه "مثلُه لا يُذاع له سرّ".
هذا التناقض بين الألم الداخلي والكبرياء الظاهر هو جوهر الاغتراب النفسي في شعر أبي فراس. فهو يعاني في صمت، ويبكي في خفاء، ويصرخ بألمه في شعره لكن دون أن يطلب الشفقة. وقد عبر عن هذه المفارقة في أبيات قالها لأمه:
وإنّي لَأُخفي من جَواهِ أُمورَها
وأُظهِرُها في النَّوْمِ حتى كأنَّني
أُحادِثُ نَفْسِي بالنَّجِيّ، وربَّما
أُناجِي فُؤَادِي والهُمُومُ تَدُورُ
فالشاعر يخفي آلامه في اليقظة، لكنها تظهر في النوم، حيث يتحدث مع نفسه ويناجي فؤاده. وهذا يعكس انقساماً في الذات بين الظاهر والباطن، بين ما يريده المجتمع من الفارس الشجاع وما يعانيه الإنسان المكلوم.
وتتجلى الوحدة النفسية في علاقة الشاعر بالليل، الذي أصبح رفيقه الوحيد. فقد ألِفَ صحبة الليل وأطلق لدموعه العنان في ظلامه الدامس، فأبدع "الروميات" التي صورت حقائق النفس الإنسانية الخالدة في غربتها وحزنها. فالليل بالنسبة له ليس مجرد وقت، بل صديق حميم، وشاهد على آلامه، ومأوى لوحدته.
4.3 الاغتراب السياسي والاجتماعي
لم يكن اغتراب أبي فراس مقتصراً على البعد المكاني والنفسي، بل امتد إلى البعد السياسي والاجتماعي. فهو أمير من أسرة حاكمة، وابن عم سيف الدولة، لكنه عانى من التهميش والإهمال. فقد بقي في الأسر سنوات طويلة، ولم يبادر سيف الدولة إلى افتدائه إلا بعد مماطلة، وهو ما عبّر عنه الشاعر بعتب مرير.
لقد شعر أبو فراس بالاغتراب عن مركز السلطة، وعن ابن عمه الذي كان يتوقع منه المبادرة إلى تخليصه. وقد صوّر هذا الشعور في قصائده التي بعث بها إلى سيف الدولة من الأسر، معاتباً إياه ومذكّراً إياه بقرابتهما وما قدمه من تضحيات في سبيل الدولة.
ومن أبرز مظاهر الاغتراب الاجتماعي في شعر أبي فراس، شعوره بالانفصال عن قومه وأهله. فهو في الأسر لا يستطيع التواصل معهم، ولا يعلمون حقيقة ما يعانيه. وقد عبّر عن هذا الشعور في قوله:
ألا يا ليت شعري هل أرى الدهرَ
يَصِلُني بأهلي وأحبابي
فهو يتساءل بلهفة وحسرة: هل سيعيد الدهر إليه أهله وأحبابه؟ وهل سينتهي هذا البعد القسري؟
كما أن نشأة الشاعر يتيماً، وفقدانه لأبيه في سن مبكرة، ثم تربيته في كنف ابن عمه، كل ذلك خلق لديه شعوراً عميقاً بالاغتراب الوجودي، بأنه ليس له مكان ثابت في هذا العالم، وأن القدر يلاحقه بالفراق والحرمان.
4.4 الاغتراب الزماني: ضياع العمر في الأسر
يمثل الاغتراب الزماني بعداً آخر من أبعاد الاغتراب في شعر أبي فراس. فقد قضى سنوات عمره الشاب - أجمل سنوات العمر - في الأسر بعيداً عن أهله ومجده. وهذا الشعور بضياع العمر ومرور الزمن دون إنجاز يظهر بوضوح في شعره.
يقول في إحدى رومياته، معبراً عن مرارة السنين التي قضاها في الأسر:
فَلَيْتَ المَنَايَا كُنَّ يَقْضِينَ عَاجِلاً
وَليتَ اللَّيَالِي كُنَّ يُرْجِعْنَ ما مَضَى
فهو يتمنى الموت السريع على هذا الانتظار الطويل، ويتمنى أن تعيد الليالي ما مضى من عمره الضائع. وهذا الحسٌّ بفوات الوقت وعدم القدرة على استعادته هو جوهر الاغتراب الزماني.
وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله:
ضاع عُمري وما بلغتُ طريقي
وشكا القلبُ من عذابٍ وضيقِ
فهو يعترف بأن عمره قد ضاع، وأنه لم يبلغ طريقه بعد، مما يعكس شعوراً عميقاً بالإحباط وضياع الفرص.
وقد مات أبو فراس وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بعد أن قضى جزءاً كبيراً منها في الأسر. وهذا يجعل تجربة الاغتراب الزماني في شعره أكثر إيلاماً، لأنه لم يمتّع بالشباب الذي كان يستحقه.

خامساً – الروميات: ذروة التعبير عن الاغتراب
5.1 مفهوم الروميات وأهميتها
"الروميات" هي القصائد التي نظمها أبو فراس الحمداني في الأسر لدى الروم البيزنطيين. وقد سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إلى الروم الذين أسروه. وتُعدّ هذه القصائد أهم ما قاله الشاعر، وذروة إبداعه الشعري.
تمتاز الروميات بصدق العاطفة وعمق الشعور، فهي ليست شعراً مصنوعاً أو متكلفاً، بل هي انفعالات صادرة من أعماق قلب مكلوم، وصرخات ألم من روح معذّبة. وقد قال عنها الدكتور خالد بن سعود الحليبي في كتابه "أبو فراس الحمداني في رومياته" إنها تمثل ذروة الشعر الإنساني في التعبير عن الألم والأمل.
5.2 الليل والدمع: رموز الاغتراب في الروميات
يلعب الليل والدمع دوراً محورياً في الروميات، حيث يتحولان إلى رموز للاغتراب والوحدة والألم.
فالليل في شعر أبي فراس ليس مجرد وقت من النهار، بل هو كيان حيّ يصاحبه ويؤنسه في وحدته. وقد ألِفَ صحبته وأطلق لدموعه العنان في ظلامه، فأبدع الروميات التي صورت حقائق النفس الإنسانية الخالدة.
والدمع هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الشاعر في غربته. ففي غياب الأهل والأحباب، تصبح الدموع هي الرسائل التي يبعثها، وهي الشهود على آلامه. وقد وصف الشاعر دموعه بأنها "من خلائقِه الكبرُ"، أي أنها تنبع من كبريائه وعزة نفسه، مما يعكس المفارقة بين القوة الظاهرة والضعف الباطن.
5.3 الأم: رمز الوطن والحنين
تتكرر صورة الأم في روميات أبي فراس بشكل لافت. فقد كانت أمه الرومية هي الملاذ الأول في محنته، وإليها يتوجه بالشكوى والحنين.
يقول في إحدى قصائده:
وإنَّ، وراءَ السَّترِ، أُمَّاً بكاؤها
عليَّ، وإن طال الزمانُ، طويلُ!
فأمه تبكي عليه وراء الستر، وهذا البكاء يزيد من ألمه ولوعة غربته. فهي تذكره بالوطن وبالحياة التي تركها وراءه، وتؤكد له أن هناك من ينتظره ويحنّ إليه.
وتتجلى صورة الأم كرمز للوطن في قوله:
ألا يا أمّ، هل لي من سبيلٍ
إلى أرضٍ تكونُ بها مَقامي
فهو يتساءل: هل هناك سبيل إلى أرض يكون فيها مقامه؟ والأرض هنا هي الوطن، والأم هي رمز هذا الوطن الذي حُرم منه.

سادساً – الخصائص الفنية لشعر الاغتراب عند أبي فراس
6.1 الصدق العاطفي
يمتاز شعر أبي فراس الحمداني، وخاصة رومياته، بصدق عاطفي نادر. فالشاعر لا يتكلف المشاعر ولا يصطنع الأحاسيس، بل يعبر عن ما يعانيه حقاً في أعماق نفسه. وهذا الصدق هو ما جعل شعره خالداً ومؤثراً في النفوس عبر العصور.
فالأسْر تجربة حقيقية عاشها الشاعر، والجراح التي يصفها هي جراحه الحقيقية، والحنين الذي يعبر عنه هو حنينه الصادق إلى أهله ووطنه. وهذا الصدق هو ما يميز شعر أبي فراس عن غيره من شعراء الأسر.
6.2 الجزالة والسهولة
تمازج في شعر أبي فراس الجزالة مع السهولة. فألفاظه قوية جزلة، لكنها في الوقت نفسه واضحة وسلسة، لا غموض فيها ولا تعقيد. وهذا يجعله قريباً من القارئ، ومؤثراً في نفسه.
وهذه السمة تجعل شعره، وخاصة رومياته، في متناول كل قارئ، دون حاجة إلى شرح أو تفسير. فالمعاني تصل مباشرة إلى القلب، والألفاظ تحمل دلالاتها بوضوح.
6.3 الصور الفنية المؤثرة
يعتمد أبو فراس في التعبير عن اغترابه على صور فنية مؤثرة، مستمدة من الطبيعة ومن الحياة اليومية. فالليل والنجوم والدموع والأسرى كلها صور تعبر عن حالته النفسية بشكل مباشر ومؤثر.
وهذه الصور ليست زخرفية أو تزيينية، بل هي عضوية، تنبع من التجربة ذاتها وتعبر عنها بأصدق ما يكون. فالليل ليس مجرد خلفية للقصيدة، بل هو شريك في المعاناة. والدمع ليس مجرد استعارة، بل هو حقيقة ملموسة.

سابعاً – دراسات أكاديمية حول الاغتراب في شعر أبي فراس
حظي شعر أبي فراس الحمداني باهتمام أكاديمي واسع، وخاصة فيما يتعلق بظاهرة الاغتراب فيه. من أبرز هذه الدراسات:
1. "الاغتراب والحنين في شعر أبي فراس الحمداني" - لكريم عجيل الهاشمي، صادر في مجلة كلية التربية (جامعة واسط)، المجلد 1، العدد 14، 2018، الصفحات 28-50. تتناول هذه الدراسة العلاقة بين الاغتراب والحنين في شعر الشاعر، وترصد كيف عبّر عن شوقه إلى وطنه وأهله في أثناء أسره.
2. "ظاهرة الاغتراب بين ابن المعتز العباسي وأبي فراس الحمداني" - دراسة موازنة لصفاء محمد الترك، صادرة في مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية (غزة)، المجلد 24، العدد 2، 2016، الصفحات 42-58. تقارن هذه الدراسة بين شاعرين أميرين عاشا ظروفاً متشابهة، وتصنف الاغتراب إلى أربعة أنواع: السياسي، والاجتماعي، والزماني، والمكاني.
3. "تجربة السجن في شعر أبي فراس الحمداني والمعتمد بن عباد" - دراسة مقارنة. تتناول هذه الدراسة تجربة الأسر والشجن في شعر الشاعرين، وترصد كيف عبّر كل منهما عن معاناته في السجن.
4. "الليل والدمع في روميات أبي فراس الحمداني" - دراسة تحليلية تركز على رموز الليل والدمع في شعر الأسر، وكيف وظّفها الشاعر للتعبير عن الاغتراب والحنين.

ثامناً – خلاصة وتقييم
يمكن القول إن شعر أبي فراس الحمداني يمثل نموذجاً فريداً للتعبير عن الاغتراب الإنساني بكل أبعاده. فقد جمع الشاعر في تجربته بين:
1. الاغتراب المكاني: البعد عن الوطن والأهل في سجون الروم البعيدة.
2. الاغتراب النفسي: الوحدة والألم، والصراع بين الكبرياء والضعف.
3. الاغتراب السياسي: التهميش والإهمال من قبل ابن عمه سيف الدولة.
4. الاغتراب الاجتماعي: الانفصال عن قومه ومجتمعه.
5. الاغتراب الزماني: شعور بضياع العمر في الأسر.
وقد صاغ هذه التجربة المريرة في شعر فذّ، تميز بالصدق العاطفي، والجزالة والسهولة، والصور الفنية المؤثرة. وقد جعلته "رومياته" واحداً من أعظم شعراء العربية، وأكثرهم قدرة على التعبير عن مأساة الإنسان في غربته.
وتبقى قصيدته الشهيرة التي مطلعها "أراك عصيَّ الدمع" شاهدة على عبقريته، وخالدة في وجدان الأمة العربية. فهي ليست مجرد شعر، بل هي صرخة إنسانية خالدة، تعبر عن ألم الإنسان في كل زمان ومكان.
لقد عاش أبو فراس الحمداني ومات كما يعيش ويموت العظماء: قضى حياته في الكفاح، ومات في المعركة، وخلف وراءه إرثاً شعرياً خالداً يذكر الأجيال بأن الإنسان، حتى في أشد لحظات ضعفه وغربته، قادر على أن يخلق الجمال من نار الألم.

المراجع
• الجزيرة نت. (2023، 21 مارس). أبو فراس الحمداني الشاعر الفارس. موسوعة الجزيرة. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2023/3/21/أبو-فراس-الحمداني-الشاعر-الفارس
• الجزيرة نت. (2022، 25 أغسطس). أبو فراس الحمداني.. أنين الأسر وصهيل الحرب وزمجرة الشعر. https://www.aljazeera.net/arts/2022/8/25/أبو-فراس-الحمداني-أنين-الأسر-وصهيل-الح
• الترك، صفاء حسني عبدالمحسن. (2016). ظاهرة الاغتراب بين ابن المعتز العباسي وأبي فراس الحمداني (دراسة موازنة). مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث الإنسانية، مج24، ع2، ص ص42-58. DOI: 10.12816/0035650
• الهاشمي، كريم عجيل. (2018). الاغتراب والحنين في شعر أبي فراس الحمداني. مجلة كلية التربية (جامعة واسط)، مج1، ع14، ص ص28-50. DOI: https://doi.org/10.31185/eduj.Vol1.Iss14.376
• الحليبي، خالد بن سعود. (د.ت). أبو فراس الحمداني في رومياته. https://www.alukah.net
• بغدان، رنا. (2025، 2 ديسمبر). الليل والدمع في "روميات" أبي فراس الحمداني. الحرية. https://alhurriyah.sy/روميات-أبي-فراس-الحمداني/
• موقع موضوع. (د.ت). أبو فراس الحمداني. https://mawdoo3.com/أبو_فراس_الحمداني
• ويكيبيديا. (د.ت). أبو فراس الحمداني. https://ar.wikipedia.org/wiki/أبو_فراس_الحمداني
• الديوان. (د.ت). ديوان أبو فراس الحمداني - العصر العباسي. https://www.aldiwan.net



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطوط نقل النفط في منطقة الشرق الأوسط وأسباب توقف كل خط عن ال ...
- ابنة الفجر لإيليا أبو ماضي: دراسة تحليلية
- الإغتراب في أدب الشاعر خير الدين الزركلي
- ضعف الغرب في أوكرانيا يعني خسارة تايوان: بحث أكاديمي في التر ...
- ليندسي غراهام: سيرة سياسي أميركي مثير للجدل
- قراءة في قصيدة -الشاعر في السماء- لإيليا أبو ماضي
- أدب المقاومة في شعر خير الدين الزركلي
- الفطام الإرادي: كيف تخطط إسرائيل لفطام نفسها عن الولايات الم ...
- تاريخ التشارك المخابراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة عبر ا ...
- كم يضيق الأفق عندما نقيس الأمور من منظور طائفي!
- أمريكا تقول -أنا أنفذ المطلوب مني في إيران-: قراءة في أحادية ...
- أمريكا تقول -سنغزو إيران وعلى حلفائنا الصمت-: قراءة في الأحا ...
- البقرة الحمراء في التاريخ الإنساني: دراسة في التراث اليهودي ...
- كيف تحول الرئيس ترامب من رجل السلام كما يقول إلى رجل الحرب؟
- احتمالية الحرب العالمية الثالثة — تحليل نموذج -اللاعبين الأر ...
- دمشق في الوعد الإلهي التوراتي...
- كيف يقيم الإنجيليون إجراءات التدبير اللاهوتي للفصل الأخير من ...
- كيف يمكن لضوء النهار أن يساعد على النوم: كريستين بلوم
- حوار بيني وبين الذكاء الصناعي على هامش الندوة الدولية للذكاء ...
- قمة الناتو في تركيا والرسائل للأصدقاء والأعداء


المزيد.....




- كان يحتضر.. أرملة أوزي أوزبورن تتحدث عن كواليس حفله الأخير ق ...
- الرسوم الجمركية تُفاقم التوتر.. هل فقد الكنديون ثقتهم بترامب ...
- كاميرا توثق انجراف كوخ وحطام وسط فيضانات عارمة في أمريكا
- إيران تعلن مقتل 53 شخصًا جراء الهجمات الأمريكية خلال يوليو
- مصدر عسكري إيراني: سنضرب البنى التحتية ومنشآت الطاقة بالمنطق ...
- وزيرا خارجية مصر وباكستان يبحثان الحرب وسبل تثبيت التهدئة في ...
- البنتاغون يكشف هوية جندية أمريكية كانت في عداد المفقودين إثر ...
- بيان مشترك من أجل العلاج الفوري والإفراج عن القيادي العمالي ...
- تقديرات إسرائيلية: -جبل الفأس- يؤهل إيران لتخصيب اليورانيوم. ...
- ترامب يهدد بتدمير محطة طاقة في طهران مقابل كل سفينة تستهدفها ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - الاغتراب في شعر أبي فراس الحمداني