محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 00:59
المحور:
قضايا ثقافية
ضعف الغرب في أوكرانيا يعني خسارة تايوان
بحث أكاديمي في الترابط الجيوسياسي بين أوكرانيا وتايوان
الملخص
يتناول هذا البحث الأطروحة القائلة إن فشل الغرب -أو ما يُنظر إليه على أنه ضعف- في تحقيق نصر حاسم في أوكرانيا سيشجع الصين على المضي قدماً في ضم تايوان بالقوة. من خلال تحليل التصريحات الرسمية لقادة غربيين، ودراسة أوجه التشابه والاختلاف بين الحالتين، واستقراء الدروس المستفادة من الحرب الروسية-الأوكرانية، يخلص البحث إلى أن هناك ترابطاً استراتيجياً وثيقاً بين مسرحَي الصراع، وأن أي إخفاق غربي في أوكرانيا سيكون له تداعيات مباشرة على أمن تايوان، مما يستدعي مراجعة جذرية للسياسة الأميركية تجاه الجزيرة.
أولاً: مقدمة: جسر أوراسيا الممتد من كييف إلى تايبيه
منذ الساعات الأولى للهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير 2022، لم تكن الحرب مجرد صراع إقليمي محدود، بل كانت -في جوهرها- إعادة فتح لحسابات الجغرافيا السياسية العالمية من قلب أوراسيا. وسرعان ما تجاوزت تداعيات الحرب حدود أوروبا الشرقية، لتلقي بظلالها على الجهة الأخرى من الكوكب، في مضيق تايوان.
أصبحت عبارة "اليوم أوكرانيا وغداً تايوان" شعاراً يتداوله السياسيون والمحللون في كل مكان، مما يعكس قلقاً متصاعداً من أن يكون الغزو الروسي لأوكرانيا مجرد بروفة لسيناريو مشابه قد تنفذه الصين ضد تايوان. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كانت الصين ستقلد روسيا، بل: هل سيكون الغرب قادراً على ردع الصين إذا ما بدا "ضعيفاً" في أوكرانيا؟
ثانياً: السياق الجيوسياسي: اختبار القوة الغربية
2.1 رهانات الغرب في أوكرانيا
منذ بداية الحرب، راهنت العواصم الغربية على أن مزيجاً من العقوبات الاقتصادية الصارمة، والدعم العسكري السخي لأوكرانيا، ووحدة الموقف في حلف الناتو، سيكون كفيلاً بردع موسكو ودفعها إلى التراجع. لكن مجريات الحرب كشفت عن محدودية هذا الرهان، وأظهرت قصور الغرب عن تحقيق انتصار حاسم.
يكتب المحلل ناصر قنديل أن "الذين يقرأون الإستراتيجيات في واشنطن لا يخفون قناعتهم بأن الانتصار الغربي في الحرب الأوكرانية مستحيل". ووفقاً لدراسة مؤسسة راند التابعة للبنتاغون، فإن التمسك بشعارات "الهزيمة الاستراتيجية لروسيا" يعني الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة أو حرب نووية، بينما تملك روسيا قدرة تحمّل وصمود في حرب الاستنزاف ما لا يملكه الغرب بشرياً واقتصادياً.
2.2 الصين: المراقب الذي يقرأ الخرائط
تراقب الصين تطورات الحرب الروسية-الأوكرانية من كثب، وتُقيّم الإستراتيجية الروسية ومدى نجاحها، وقوة الرد الغربي ومدى صلابته، وحجم تأثير العقوبات. يرى المحللون أن الصين تسعى إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ تهيمن عليها عدد قليل من الدول الكبرى، وتريد فرض هيمنتها السياسية على شرق آسيا، تماماً كما تسعى روسيا إلى فرض معادلة جديدة على الأمن الأوروبي.
فالصين تراقب المشهد الروسي-الأوروبي عن كثب، وتستخلص الدروس حول مدى قدرة الغرب على الصمود أمام تحديات متزامنة، ومدى استعداده لتحمل تكاليف حرب طويلة الأمد.
ثالثاً: أوجه التشابه والاختلاف بين أوكرانيا وتايوان
3.1 أوجه التشابه
يحدد رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي ثلاثة أوجه تشابه رئيسية بين الوضع في أوكرانيا وتايوان:
1. الفجوة في القوة العسكرية: فجوة كبيرة بين تايوان والصين، تماماً مثل الفجوة بين أوكرانيا وروسيا، وهذه الفجوة تتسع عاماً بعد عام.
2. غياب الحلفاء الرسميين: لا يوجد حلفاء عسكريون رسميون لأوكرانيا أو تايوان، فكل من البلدين مجبر على مواجهة التهديدات بمفرده.
3. شلل مجلس الأمن: لأن روسيا والصين من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فمن غير الممكن الاعتماد على الأمم المتحدة كوسيط في النزاعات التي يكون أي من البلدين طرفاً فيها.
3.2 أوجه الاختلاف الحاسمة
رغم هذه التشابهات، ثمة اختلافات جوهرية:
• الغموض الاستراتيجي الأميركي: تبنت الولايات المتحدة سياسة "الغموض الاستراتيجي" تجاه تايوان، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستتدخل عسكرياً في أزمة تايوان. في المقابل، أعلنت واشنطن بوضوح أنها لن تنشر قواتها للدفاع عن أوكرانيا.
• الالتزام القانوني: تستفيد تايوان من قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979 الذي يلزم الولايات المتحدة بتزويدها بالمعدات العسكرية "الضرورية لتمكين تايوان من الحفاظ على القدرة الكافية للدفاع عن الذات".
• الموقع الاستراتيجي: تايوان جزيرة، مما يجعل غزوها عملية برمائية معقدة تختلف عن الغزو البري لأوكرانيا.
رابعاً: تصريحات السياسيين: تحذيرات من سقوط أوكرانيا
4.1 رئيس وزراء بولندا: "إذا سقطت أوكرانيا، قد تهاجم الصين تايوان في اليوم التالي"
في خطاب ألقاه بمجلس الأطلسي للدراسات في واشنطن في أبريل 2023، حذّر رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي قائلاً: "لا قدر الله، إذا سقطت أوكرانيا وتم غزوها، قد تهاجم الصين تايوان في اليوم التالي". وأوضح أن "الوضع في أوكرانيا والوضع بتايوان مترابطان كثيراً".
4.2 السيناتور ليندسي غراهام: "إذا فاز بوتين، ستسيطر الصين على تايوان"
قال السيناتور الأميركي ليندسي غراهام إنه في حال فاز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الحرب، فإن الصين ستسيطر على تايوان، وسيكون أداء الإيرانيين عدوانياً. هذا التصريح يعكس قناعة راسخة في أوساط السياسيين الأميركيين بأن "ضعف الغرب في أوكرانيا" سيكون إشارة للقوى المنافسة في جميع أنحاء العالم.
4.3 السياسي البريطاني إيان دنكان سميث: "إذا ذهبت أوكرانيا ستتلوها تايوان"
كتب السياسي البريطاني ورئيس حزب المحافظين البريطاني السابق إيان دنكان سميث في صحيفة "تلغراف" أنه عاد للتو من أوكرانيا وشاهد بأم عينيه حجم الدمار الذي حلّ بذلك البلد، مضيفاً أن كل من رأى ما رآه سيدرك مدى الترابط بين مصير أوكرانيا ومصير تايوان.
خامساً: لماذا "ضعف الغرب في أوكرانيا" يعني "خسارة تايوان"؟
5.1 الرسالة التي يرسلها الغرب
يعني ضعف الغرب -أو فشله- في أوكرانيا إرسال رسالة واضحة إلى الصين مفادها أن الالتزام الغربي بالدفاع عن الحلفاء والنظام الدولي له حدود. فإذا كان الغرب غير قادر أو غير راغب في تحقيق نصر حاسم ضد روسيا في أوكرانيا -على الرغم من قربها الجغرافي من أوروبا وأهميتها الحيوية- فما الذي يمنع الصين من الاعتقاد بأن الغرب سيكون أكثر تردداً في الدفاع عن تايوان، التي تقع على الجانب الآخر من الكوكب؟
يكتب المحلل ناصر قنديل أن "تايوان لا تتحمل هزيمة الغرب في أوكرانيا"، لأن تايوان وإسرائيل وغيرهما من حلفاء الغرب يطرحون أسئلة وجودية حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عنهم في حال تعرضوا للخطر.
5.2 الصين تقرأ الدروس
تراقب الصين عن كثب "قوة الرد الغربي ومدى صلابته وحجم تأثير العقوبات، وإلى أي مدى ستتماسك الديمقراطيات الغربية أمام أزمات الطاقة والغذاء الناتجة عن العقوبات على روسيا".
إذا استنتجت الصين أن الغرب:
• غير قادر على تحمل حرب استنزاف طويلة
• يعاني من انقسامات داخلية حول الأولويات
• يفتقر إلى الإرادة لتحمل تكاليف باهظة
فإنها ستكون أكثر جرأة في المضي قدماً نحو ضم تايوان بالقوة.
5.3 التآكل الاستراتيجي الغربي
تشير دراسة مؤسسة راند إلى أن الغرب يواجه "فجوة بين إمكاناته الهائلة وقدرته على تحويلها إلى نتائج ملموسة على الأرض". وتُظهر الحرب في أوكرانيا أن المخزون البشري الأوكراني ينفد بالتوازي مع نفاد المخزون الغربي من الذخائر. هذا التآكل في القدرات العسكرية الغربية -والذي سيزداد حدة مع استمرار الحرب- سيُضعف قدرة الغرب على الردع في مسارح أخرى، وعلى رأسها تايوان.
سادساً: التداعيات على تايوان: الاستعداد للأسوأ
6.1 تعلم الدروس من أوكرانيا
تستفيد تايوان من الدروس المستفادة من حرب أوكرانيا، حيث بدأت أكبر مناوراتها العسكرية "هان كوانج" لمحاكاة صد هجوم صيني مفترض، بمشاركة 22 ألف جندي ونظام صواريخ متطور.
وتشير تقارير إلى وجود تعاون غير رسمي بين أوكرانيا وتايوان في مجال الطائرات المسيّرة القتالية، حيث تقدّم تايوان الإنتاج، والولايات المتحدة التمويل، وأوكرانيا الخبرة في الحرب. هذا التعاون يعكس إدراكاً مشتركاً بأن مصير البلدين مترابط.
6.2 إعادة تقييم الغموض الاستراتيجي
دفعت الحرب في أوكرانيا تايوان إلى إعادة تقييم نهجها في الاعتماد على الغموض الاستراتيجي الأميركي. ففي الوقت الذي أجبر فيه الغموض الأميركي تايوان على التفكير في احتمال إحجام الولايات المتحدة عن التدخل عسكرياً، دفع أيضاً الصين إلى التردد في المغامرة العسكرية.
لكن إذا ثبت أن الغرب "ضعيف" في أوكرانيا، فإن فعالية الغموض الاستراتيجي ستتلاشى، وقد تضطر تايوان إلى الاعتماد على نفسها بشكل أكبر.
سابعاً: الخاتمة
تُظهر الأدلة المتاحة -من تصريحات القادة الغربيين، وتحليلات الخبراء، وقراءة الصين لتطورات الحرب- أن هناك ترابطاً استراتيجياً وثيقاً بين مصير أوكرانيا ومصير تايوان. فضعف الغرب في أوكرانيا، سواء كان حقيقياً أو متصوراً، سيكون له تداعيات كارثية على أمن تايوان.
يقول رئيس الوزراء البولندي مورافيتسكي إن "الوضع في أوكرانيا والوضع بتايوان مترابطان كثيراً". وهذا الترابط يعني أن أي تراجع غربي في أوكرانيا سيكون إشارة للصين بأن الوقت قد حان للمضي قدماً في مشروع ضم تايوان.
ولذلك، فإن استنتاج البحث هو أن الدفاع عن أوكرانيا ليس مجرد قضية أوروبية، بل هو دفاع عن النظام الدولي بأسره، وعن رسالة مفادها أن تغيير الحدود بالقوة غير مقبول، أينما حدث. وإلا، فكما حذّر غراهام، "إذا فاز بوتين، ستسيطر الصين على تايوان".
قائمة المراجع
1. الجزيرة نت (2025). "عقدة أوكرانيا.. لماذا فشل الغرب في هزيمة روسيا حتى الآن؟" Al Jazeera, 18 مايو 2025.
2. الجزيرة نت (2026). "بين أوكرانيا وتايوان.. هل تبحث موسكو عن نهاية للحرب أم عن صفقة كبرى؟" Al Jazeera, 12 مايو 2026.
3. الجزيرة نت (2022). "عين على أوكرانيا وأخرى على تايوان.. الصين تقرأ خرائط الحرب الروسية" Al Jazeera, 16 مايو 2022.
4. القاهرة الإخبارية (2023). "رئيس وزراء بولندا: هزيمة أوكرانيا تشجع الصين على مهاجمة تايوان" القاهرة الإخبارية, 13 أبريل 2023.
5. قنديل، ناصر (2023). "إسرائيل وتايوان لا تتحملان هزيمة الغرب في أوكرانيا" البناء, 3 فبراير 2023.
6. آبي، شينزو (2022). "حتمية إنهاء الغموض الاستراتيجي الأميركي بشأن تايوان" Project Syndicate, 12 أبريل 2022.
7. دويتشه فيله (2022). "هل يغري الغزو الروسي لأوكرانيا الصين لضم تايوان؟" DW, 7 مارس 2022.
8. الجزيرة نت (2025). "سياسي بريطاني: إذا ذهبت أوكرانيا ستتلوها تايوان" Al Jazeera, 25 فبراير 2025.
9. الجزيرة نت (2024). "تايوان تعزز أمنها الدفاعي مخافة تكرار سيناريو أميركا مع أوكرانيا" Al Jazeera, 4 مارس 2025.
10. العربي الجديد (2023). "وزيرة الخارجية الألمانية: الأوروبيون موحّدون في سياستهم تجاه..." العربي الجديد, 13 أبريل 2023.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟