أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (67)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (67)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 15:38
المحور: الادب والفن
    


كلُّ سفرياتي السابقة كانت لا تتجاوز أسبوعًا، أمّا هذه فهي الأولى التي تمتد أكثر. كنتُ بحاجة إلى وقتٍ أطول، لذلك جعلتها عشرة أيام. الأسبوع هو المدة التي تعتمدها شركات السياحة، أمّا أنا فكنتُ أريد أن أعيش المكان، لا أن أمرَّ به مرورًا.
يجب أن أعيد ترتيب حقيبتي. للمرة الأولى أعود وفيها مشتريات أكثر من المعتاد. ليست كثيرةً جدًا، لكنها ما أحتاجه من ملابس وأشياء صغيرة سأحملها معي إلى البيت.
ربما أفشل في ترتيبها، رغم أن لي خبرة قديمة مع الحقائب. كنتُ أرتبها كلما عدتُ في إجازة من الجيش. لكنها كانت حقيبة صغيرة أضعها على كتفي، لا تحمل سوى الملابس المتسخة. كانت أمي تغسلها، وترمي بعضها أحيانًا لأنها لم تعد تصلح. وحين تنتهي الإجازة، أعود إلى وحدتي بحقيبة مرتبة بعناية، وقد وضعت فيها كليجة وكبة، كأنها كانت تضع معها شيئًا من قلبها أيضًا.
لا يزال الوقت مبكرًا لهذه المهمة، فما زال أمامي متسع من النهار.
كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحًا، حين سمعت وقع خطوات على السلم. فتحت الباب قبل أن تطرقه. نظرت إليّ مبتسمة وقالت:
عشرة.
ضحكت، وأنا أمسك يدها وأغلق الباب.
تعرف، حسين، بدأتُ أعدّ الأيام مثلك. حقيبتك بحاجة إلى ترتيب، وفي المساء سنتولى ذلك.
أردتُ أن أرتبها، ثم قلت: لا يزال الوقت مبكرًا.
هل تناولت الفطور؟
منذ وقت، وشربتُ الشاي أيضًا.
إذن لا تنظر إلى الحقيبة، هذه مهمتي.
حاضر.
كانت تلقي نظرة سريعة داخلها، ثم تعيد ترتيب بعض الأشياء، وقالت:
حقيبتك ليست ثقيلة، ولن تحتاج إلى وقت.
فعلًا ليست ثقيلة.
هيا نخرج، أريد أن نستمتع بما بقي من الوقت.
أنا جاهز، صغيرتي الجميلة.
سارت السيارة في شوارع سوسة، ثم دخلت شارعًا فرعيًا تصطف على جانبيه بيوت بيضاء وحدائق صغيرة، كلها تبدو وكأنها رُسمت بالمسطرة؛ تنسيق واحد، وعناية واحدة.
أعجبتك البيوت والحدائق؟
تنسيق رائع.
البلدية تُلزم أصحاب البيوت بتشذيب الحدائق بين فترة وأخرى.
مثل حلاقة الشعر.
بالضبط يا حسّوني، ومن يهملها تأتي البلدية وتقوم بالمهمة ثم تستوفي الأجرة.
جمال المدينة يحتاج إلى هذا... أناقة المدن تبدأ من تفاصيلها الصغيرة.
خرجنا من الشارع الفرعي إلى شارع واسع أعرفه؛ كنت أظنه يقودنا إلى كورنيش بوجعفر، لكن السيارة توقفت أمام بناية أعرفها من الصور فقط.
كان مكتب البريد.
قالت:
هذا المبنى يعرفك جيدًا. منه أرسل لك، ومنه أتلقى رسائلك.
التزمت الصمت.
هيا، انزل.
دخلنا. كان المكان هادئًا، لا أحد يلتفت إلينا. أخذتني إلى زاوية في الباحة، حيث تصطف صناديق البريد بأرقامها المتشابهة.
توقفتُ أمام أحدها طويلًا.
بدا لي وكأنه ينظر إليّ ويقول:
أخيرًا... جئت بنفسك.
شعرت حنان أنني غارق في حديثٍ داخلي، فأمسكت يدي برفق، وخرجنا.
بعد دقائق توقفت السيارة عند مقهى صغير. كان رواده قليلين، فاخترنا طاولة على الرصيف.
في بعض المقاهي، لا تشرب القهوة، بل تتأملها أولًا. رائحتها تدفعك إلى مغازلة الفنجان قبل أن ترتشف منه أول رشفة.
قالت:
ماذا ستسمي يومياتك، كاتبي المفضل؟
لا يليق بها إلا اسمك، أيتها القارئة الجميلة.
ألم أعد صغيرتك؟
بل ستظلين صغيرتي الجميلة، التي لا أعرف كيف أشكرها على كل تفاصيل هذه الرحلة.
لا تشكرني يا حسّوني. أنت، وكل الذين نجوا من الأهوال، يستحقون أكثر من هذا.
لا أعرف كيف أصف سعادتي.
أنت، بهذه الرحلة، حققت حلمًا قديمًا عندي؛ أن أراك، وأن أجلس معك، وأن أرى هذا الشعر الأبيض، وهذه الأصابع التي كتبت كل تلك النصوص.
أنتِ شجاعة يا حنان.
وأنت نقيّ... بريء. تجاوزت الحرب ومخاوفها. رأيتك ترتجف حين سمعت صوت الألعاب النارية. وهذا حقك. لكن الحروب انتهت، والحياة ما زالت مليئة بأشياء تستحق أن نفرح بها.
نعم... أشعر أنني تجاوزت كثيرًا مما كان يسكنني.
لا تقلق، سأرتب حقيبتك، فهي ليست ثقيلة.
ضحكت.
أدركتُ أنها كانت تغيّر مجرى الحديث حتى لا يثقل عليّ.
هذه الصغيرة... كم هي رائعة.
ابتسمت، ثم قالت وهي تشير إلى علبة السجائر:
دخّن سيجارتك... وسأطلب لك عصيرًا يزيل طعم القهوة السادة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (66)
- يوميات الحرب والحب والخوف (65)
- يوميات الحرب والحب والخوف (64)
- يوميات الحرب والحب والخوف (63)
- يوميات الحرب والحب والخوف (62)
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)


المزيد.....




- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...
- تساؤلات حول شرعية التمثيل... الناخبون أقلية في كانتون بازل- ...
- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (67)