|
|
يوميات الحرب والحب والخوف (52)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 11:52
المحور:
الادب والفن
بدأ البعض يترك البحر. سوق المدينة يحتاج لبعض الوقت، فاقترح الحبيب أن نمضي إليه مشياً، فهو ليس بعيداً. سألني: أنت جئت مباشرة من بغداد؟ ترانزيت عبر القاهرة، والتأشيرة من سفارة تونس في بغداد. لأني استغربت، ما في "قروبات" من العراق. أنتم إلى أين تسافرون؟ حسب الرغبة، البعض يذهب إلى إيران، والبعض إلى تركيا أو سوريا. نحن توا السياحة بدت عنا تنهض، تعرف الوضع السياسي. تونس تعافت يا أخي، وأنتم بخير. لم يكن حديثه مجاملة بقدر ما كان محاولة لمعرفة ما إذا كان العراقيون يسافرون إلى تونس. لو كنت مكانه لرفعت تقريراً إلى الشركة التي أعمل بها، فالسياحة تبدأ من مثل هذه الأسئلة، وربما يفعل ذلك، من يدري. كانت المتاجر متلاصقة وصغيرة، محال للحرف اليدوية والفخار، وأخرى للملابس التقليدية التونسية. أغلب السياح كانوا يستطلعون المكان ويلتقطون الصور. هناك ساحة كبيرة تضم تماثيل لحيوانات عدة، أبرزها فيل بدا كأنه حقيقي. أمسكت بأحد نابيه، بينما كانت كاميرا حنان تلتقط الصور. اقترب منا مصورنا الحبيب وأخذ لنا أكثر من صورة، وكان آخرون ينادونه للغرض نفسه. خلف التماثيل مطعم كبير، ربما تتعامل معه الشركة. كان جميلاً ويغريك بالجلوس فيه وتناول وجبة تختارها بنفسك. تركت حرية الاختيار لوزيرة التخطيط التي قالت: مشويات، أعرف أنك لم تتناولها منذ وصلت تونس. سجل النادل الطلب، ثم عاد يحمل قنينتي ماء بارد. قلت: مشويات! ذكرتيني بها. منذ عشرة أيام لم أتناول مشويات. ستعجبك المشويات هنا. واثق من ذوقك، صغيرتي. صغيرتي فقط؟ صغيرتي الجميلة، الأنيقة. يمكنك التدخين، طالما هناك منفضة. آخر سيجارة دخنتها في نابل، أتذكر؟ لا، يبدو أن النادل يحمل الطلب. هذا ليس لنا، هذا سمك. السمك لا يؤكل مع قميص أبيض، السمك يؤكل في البيت وعلى مهلك. أتحب السمك؟ بالنسبة لي هو أكلة شتاء، وليس صيف. دخن. أخرجت سيجارة، وأشعلت الولاعة بنفسي. كانت تنظر إليّ وهي تشرب قليلاً من الماء، ثم قربت المنفضة أكثر نحوي. تعرفين أن البلدان الساحلية مزاجها أهدأ من البلدان التي لا تطل على البحر. وفيها نقطة أخرى؛ أهلها أكثر انفتاحاً على العالم، فالبحر ممر تلتقي عبره بالعالم المقابل لك. صحيح، هذه نقطة مهمة. يبدو أن الصحن القادم لنا، أشم رائحة المشويات. وضع النادل الطلب، ومعه الخبز. طلبنا منه ماءً إضافياً. تحولت رائحة المشويات إلى طبق أمامنا. قالت وهي تشير إليه: شوف حسوني، في لحم علوش، وفي بقري، وبصل مشوي، وطماطم، وخبز طري. أومأت برأسي، كأنني أقول إن الحديث أثناء الأكل خسارة. فهمت ذلك، وواصلت تناول الطعام بأناقة أنثى. لم يكن الصمت على طاولتنا وحدها، بل على أغلب الطاولات. كنت تسمع أصوات الصحون والملاعق أو الشوكات فقط، حسب الطبق الذي أمامك. لم تكن هناك حدود بيننا على الطاولة. بقيت قطعة أخيرة، وشعرت أنني اكتفيت. أنا عادة عندما أشرب الماء أعلم أن الأكل انتهى بالنسبة لي، فمددت يدي نحو القنينة. قالت: كُل هذه القطعة، حتى من دون خبز، ثم اشرب الماء. أنا شبعت. أصبح الصحن صحراء. كانت المغسلة غير بعيدة. نهضت نحوها، لكنها سبقتني. وعندما عدنا وجدنا النادل قد أعاد ترتيب الطاولة. قالت: "بيبسي" بعد هذا الشواء ضروري يا حسوني. وكان النادل قد وضع قنينتين وقصبتيهما. كان الكثيرون قد أنهوا وجبة الغداء. أما الحبيب فكان يراقب ويتفحص. اقترب من طاولتنا وقال: إن شاء الله عجبتكم الرحلة وأكل المطعم. برشا، شكراً لك. نظرت إلى السائق، كان يشرب شاي بالنعناع. خرجنا من المطعم، وكان كثيرون قد سبقونا إلى الحافلة، ولم نكن متأخرين، فثمة من كان يسير خلفنا. انطلقت الحافلة صوب سوسة. فتحت هاتفي، وشاهدت الصورة التي نشرتها وقد امتلأت بالتعليقات، فأعدته إلى مكانه. تحسست حذائي، كان يحمل في داخله بعض الرمل من الشاطئ الذي كتبنا عليه اسمينا. كان معي رمل يحمل حروفنا. توشك الشمس أن تغادر سوسة. كانت الحافلة تقف عند مدخل القنطاوي، وحين ترجلنا منها كانت ابتسامة الحبيب تدخل القلب. الشقة، كالمعتاد، باردة. اتجهت حنان صوب الثلاجة وأخرجت قنينة ماء، فكنا بحاجة إلى ذلك. سمعتها تقول: سأذهب أنا، وأعود غداً الساعة العاشرة صباحاً. هل من شيء؟ لا، فقط تعرف أن الدار فارغة إلا مني، وتحتاج بعض الترتيب. وكمان بعض ملابسك تحتاج إلى غسل وكوي، سأخذها معي. أتخاف وحدك يا حسوني؟ لا، ولماذا الخوف؟ ثم إنني اليوم سأنام على سرير لا على أريكة. ضحكت وهي تبحث عن كيس نايلون تضع فيه قميصاً وتيشرتاً وبنطلوناً بحاجة إلى الغسل. لا تتعبين نفسك، هناك "لوندري" قريب من هنا يمكن أن أستعين به. تعبك راحة يا حسوني. وإلا أقول: عمو حسوووني؟ أنت خذ دوشاً والبس دشداشتك ريثما أرتب الشقة. فعلاً، كنت بحاجة إلى دوش. الماء البارد أحتاجه أحياناً؛ يمنح الجسد نشاطاً كأنه يعيد شحنه. بطبعي أنا سريع في الاستحمام، ويبدو أن عليّ تغيير كثير من طباعي القديمة، رغم صعوبة ذلك. "الخاولي الأزرق" رفيق سفرياتي كلها. كدت أنساه ذات مرة في شرم الشيخ، وتذكرته في اللحظات الأخيرة. يومها سمعته يعاتبني، فاعتذرت منه وتقبل اعتذاري. صحة، صحة يا حسوني. صحة ليك. نحن بالعراقي نقول: نعيماً. امسك، هذه الورقة. هذه طلبات يا سي السيد. ضحكت وأنا آخذ الورقة منها. تعرفين؟ منذ أربعة عشر عاماً لم أقرأ خطك، وما زال كما هو. شو هذه الطلبات؟ بيض، خبز، سكر، مياه معدنية... وأين أجد هذه الحاجيات؟ الجمعية. تأخذ يمين، وتمشي كم خطوة، تجد ساحة صغيرة، وتصير قدامك جمعية تعاونية فيها كل شيء... حتى البائعات جميلات. ومتى عاوزاهم يا ست أمينة؟ أنا سأذهب. الجمعية تبقى مفتوحة لحد الساعة العاشرة، ولا تنسَ أن تفطر بيضاً صباحاً. حملت كيس الملابس، وبقيت الورقة بيدي أطالعها وأنا أضحك في داخلي وأقول: أكان أحمد عبد الجواد هكذا؟ كانت حنان قد وصلت إلى الرصيف. وقفت في البلكونة أراقبها وهي تعبر متجهة نحو السيارة. جمعية تعاونية... صحيح. كنت قد لمحت يافطتها الحمراء. تصورتها مولاً صغيراً، ربما تشبه جمعية الحمراء في شارع الحمراء ببيروت؛ فيها جناح للمواد الغذائية وآخر لمواد التنظيف. سألبس بنطلوني، فلا يمكن أن أذهب بالدشداشة. بعد دقائق قليلة، فتح الباب تلقائياً. ممر طويل يقود إلى متجر كبير. والبائعات، كما قالت حنان، جميلات. كانت هناك أشياء كثيرة تستحق التأمل. سأخصص للمكان وقتاً أطول في الأيام القادمة، إن كان هنالك وقت، كما تقول حنان دائماً. في نهاية المتجر جناح المواد الغذائية. يعرفون أن الناس تشتري الطعام أكثر من أي شيء آخر. لو كان هذا الجناح في المقدمة لما شاهد المتبضع الأجنحة الأخرى. إنهم يعرفون كيف يكسبون الزبون بصرياً. البيض هنا، مغلف بعناية: أربع، ست، ثمان، أو عشر بيضات. سأخذ عشرة، يبدو شكلها أنيقاً. خبز أيضاً، وسكر مكعبات، ومياه معدنية. أحتاج إلى عربة صغيرة. وهناك غلال أستطيع انتقاءها بالعدد. كانت البائعة تضع لاصق السعر على كل كيس بعد وزنه، ثم أرشدتني إلى صندوق الدفع عند الجهة اليمنى من بوابة الدخول. دفعت العربة الصغيرة بما فيها من حاجيات. كانت أمامي امرأة، وحين وصل دوري وضعت مشترياتي على الطاولة أمام الموظفة الجالسة خلف شاشة الحاسوب. أخذت كل غرض على حدة، وأسمع صوت: تن... تن... خرجت ورقة بيضاء طويلة، ثم سمعتها تقول: عشرون ديناراً وخمسمائة مليم. ناولتها ثلاث ورقات من فئة العشرة دنانير من دون أن أتكلم. أعادت لي الباقي، بينما كانت عاملة أخرى تجمع الأكياس الصغيرة داخل كيس كبير كُتب عليه اسم الجمعية. تناولته منها مع كلمة: شكراً. انفتح باب الخروج تلقائياً. كان ضوء القمر يملأ الفضاء. وبعد دقائق، كانت معظم الأكياس قد فرغت بعدما استقرت محتوياتها في الثلاجة، التي خُيّل إليّ أنها تقول: شكراً يا حسوني. عدتُ إلى السرير الذي يحمل عطرها، أحتاج النوم بعد يومٍ متعب ورحلةٍ طويلة إلى مدينة الحمّامات وساحلها الجميل. رنّ موبايلي، كانت هي: نمتِ حسوني؟ بعد، الساعة ما زالت التاسعة والنصف، ربما العاشرة. تغطَّ، جوّ الغرفة سيكون بارداً، الشرشف الأبيض وحده لا يكفي. حاضر صغيرتي. صغيرتك فقط. صغيرتي الجميلة الأنيقة. حقّاً؟ رحت الجمعية؟ إي، رحت، طبّقتِ تعليمات الورقة حرفياً وزيادة. "باهي"، أنت تجيد التبضّع، تصبح على خير صغيري الأسمر. تصبحين على خير. ربما كنتُ أحتاج سماع صوتها قبل النوم. سأنام، الشرشف الأبيض وحده لا يكفي، هذا غطاء آخر خفيف. من عاداتي أن أقطع الإنترنت عن الهاتف عندما أنام، هذه المرّة سأبقيه. النوم سلطان، يكبس فجأة؛ ربما السرير وبرودة المكان تغريان بأن تمنح نفسك جرعة نوم بعد خمسة أيام من التجوال بين المدن، كانت حصة النوم أقلّ الحصص.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات الحرب والحب والخوف (51)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (50)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (49)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (48)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (47)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (46)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (45)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (44)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (43)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (42)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (41)
-
يوميات الحرب والحب والخوف 41
-
يوميات الحرب والحب والخوف (40)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39)
-
يوميات الحب والحرب والخوف (37)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (36)
-
يوميات الحرب والحب والخوف(35)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (34)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
المزيد.....
-
الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
-
التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
-
الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟
...
-
موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا
...
-
اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
-
مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
-
إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا
...
-
في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا
...
-
أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
-
-خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|