أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (44)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (44)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


(47)
كانت تقف عند الطباخ الصغير تُعدّ وجبة خفيفة، وقالت بهدوء:
سنتناولها في حديقة الحيوانات.
قلت:
والغداء؟
هناك، حسوني، في الحديقة. ألسنا في سفرة؟
نعم، هي سفرة. كم سندويش سنأخذ معنا؟
اثنان. هل تريد أكثر؟
لا. ومعهما ببسي؟
وببسي أيضًا، لا تقلق.
سكتُّ قليلًا.
حقًا، لِمَ القلق ما دامت هي هنا تدبّر كل شيء؟
ومع ذلك، قررت في داخلي إن جعت أن أشتري من أي بائع آخر.
بين القنوات، كنت أبحث عن شيء يمرّ الوقت. أحب الأفلام المصرية القديمة، كأنها تأتي من زمن أعرفه ولا أعرفه في آن.
قالت وهي تلتفت إليّ:
ها حسوني، أعجبك التلفاز؟
مجرد قضاء وقت حتى موعد الرحلة.
ثم أضفت مبتسمًا:
سأرتدي هذا التشريت، وأضع النظارة، والكاسكية الحمراء على رأسي.
ضحكت:
ستبدو سائحًا فعلًا. هل تشرب عصيرًا؟
ناولَتني القدح.
لم ألمسها صدفة هذه المرة، بل عمدًا.
ضحكت أكثر وقالت:
مشاكس جدًا… واحدة غيري كانت ستحرمك من رحلة حديقة الحيوانات.
إلا هذا… عقوبة قاسية.
ساد لحظة صمت خفيف، كأن الرحلة بدأت قبل موعدها.
عادت لإكمال ما نحتاجه.
الحديقة تبعد عنا مشيًا سبعين خطوة ونيفًا، ومع ذلك تبدو كأنها عالم آخر.
سمعتها تقول من المطبخ:
ستحمل أنت العلاكة يا حسوني.
أليست لي؟
أنا أحمل حقيبتي الصغيرة فقط.
ضحكتُ.
كانت تتقن توزيع الأدوار كما لو أنها تعرف كل شيء مسبقًا: الأم، الصديقة، المرشدة، والمعلمة في الوقت نفسه.
ثم قلت لها وأنا أراقبها:
تعرفين… هناك لوحة قرب نافذة غرفة النوم: رجل يدخن، امرأة تمشط شعرها، وبحر خلفهما.
جميلة؟
ليست جميلة فقط… الجدران هنا مؤنسة.
توقفت قليلًا عن الحركة.
وعندكم هناك؟
قبل سنوات طويلة قالوا لنا: الجدران لها آذان.
ابتسمت:
إي، هذا مثل معروف.
صمتت لحظة، ثم أضفت:
كانت صورة أبي معلقة في غرفة الضيوف. والتاريخ بعد مولدي بعام. صار أبًا في الصورة قبل أن أفهم معنى الأب.
لم ترد مباشرة، لكنها نظرت إليّ كأنها ترى شيئًا أبعد من الجملة.
قلت أتابع:
بعد سنوات، جاءت أمي من عرس جارتنا مذعورة. غرفة الضيوف كانت مليئة بالنساء. قالت إحداهن: “ماكو صورة للريس بالحائط؟”
تقصد الرئيس؟
نعم… السيّد الحقيقي.
ساد صمت قصير.
ثم أضفت:
في المساء علّقنا صورة ملونة للرئيس، رافعًا سبابته.
ومنذ ذلك اليوم، سكتت الحيطان… أو تظاهرت بالصمت.
لم تُعلّق مباشرة، لكنها اقتربت مني ببطء، وقالت بصوت خافت:
إذن حتى الجدران تُجبر على التمثيل.
لم أجب.
اقتربت أكثر، وعيناها فيها شيء من الأسئلة:
حائط الأبوة… حائط الخوف.
قلت لتخفيف الجو:
ستبرد السندويشات يا صغيرتي.
لكنها رفعت يدها:
لا تغيّر الموضوع، حسوني. هل الحيطان تقبل الرشوة؟
ترددت قليلًا ثم قلت:
ربما… لكنها رشوة خوف، لا أكثر.
ابتسمت:
هذا أخطر من الرشوة نفسها.
ساد صمت آخر، لكن هذه المرة كان أهدأ.
ثم أشارت إلى مساحة خالية في الغرفة:
هنا… ألم تقل إنها تصلح لرقصة بين رجل وفتاة في العشرين؟
بسرعة بلغتِ العشرين، يااه…
لم تكن هناك موسيقى، لكن المساحة بدت جاهزة.
قلت بصوت منخفض:
كانت رقصة قد كُتبت قبل سنوات، على ورقة من دفتر الإملاء.
يومها كان في يدي سيجارة واحدة، سقط رمادها على الورقة وبقي هناك.
نظرت إليّ وكأنها تتذكر شيئًا لا أراه.
قالت:
وضعت رسالتك تحت وسادتي… ورددت اسمك سبع مرات.
لتري حلمًا؟
نعم… كنت أراك ترقص.
ابتسمتُ دون أن أجيب.
اقتربت أكثر، وقالت:
هل صوتي خافت؟
كلكِ يُسمع.
ثم بدأنا، دون أن نقرر.
لم تعد المساحة صغيرة كما كانت.
صارت كافية.
لم تعد تتكلم.
فقط جسدها يتمايل بهدوء، وشعرها يحاول أن يبقى ساكنًا رغم أنه يعرف أن هذا مستحيل أمام رجل اعتاد أن يترك في الأشياء أثرًا صغيرًا من الفوضى الجميلة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)


المزيد.....




- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (44)