أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف 41















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف 41


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 15:47
المحور: الادب والفن
    


الشمس هنا تغيب بعد الثامنة في صيف سوسة الذي بدأ، كما يقولون، قبل يومين. كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً. جاءت حنان، التي أعادت ترتيب نفسها، أكيد أنها أخذت دوشاً هناك في بيتهم. عندما سمعت طرقات الباب، لم أقل: «منو؟». فتحته بهدوء، كنت أحمل بيدي قنينة ماء بارد صغيرة، نسيت أن أضعها على الطاولة لحظة سماع الطرقة على الباب.
ــ شلونك، حسوني؟
ــ لم تتأخري.
ــ دوش، أبدلت ملابسي، إي فقط.
ــ أكيد ارتحتِ، مو؟
ــ إيها، شربت شاياً، وأكلت بسكويتاً، ودخنت سيجارة واحدة فقط.
كنت أنظر إليها وهي تعيد ربط شعرها مجدداً، تعيده إلى الوراء.
ــ لا تنظر لشعري هكذا، قصصت منه قليلاً قبل أسبوع.
ــ كيف تفعلين هذا؟ لماذا؟ ألا تعرفين أن الشعر ركن من أركان المرأة الثلاثة؟
ــ أووه حسوني، كتبت لي ذلك مرتين من قبل: ثالوث الأنوثة.
ــ وكم أملك من هذا الثالوث؟
ــ أربعة، تمتلكين رباعية الأنوثة.
ــ أليست ثلاثاً، حسوني؟
ــ كنا ثلاثاً، في آخر تعديل أضيفت الضحكة.
ــ آه، ما أسعدني! الجمال يُرى بالصور، والضحكة رنين يعجز الورق عن نقله.
سمعت رنين أساور، نظرت إليها، كانت في معصمها. قلت:
ــ رنين أساور قرطاجية.
ــ هي من أمي، هدية لي، لم أرتدها من قبل.
ــ جميلة، عتيقة بأصالتها.
ــ بالحق، ليل القنطاوي جميل، جاهز لجولة خفيفة؟
حتى غيرت ملابسي: قميص أبيض، بنطلون، النظارات لا تصلح لليل، وسجائري في جيبي. السلم بعشر درجات، يقودنا إلى رصيف، نلف يساراً. أمامنا حديقة كبيرة، ورصيف ملون، نعبره إلى رصيف آخر. تبدأ متاجر القنطاوي، ووجوه الغرباء تتفحص ما هو معروض فيها. أنت هنا لا تمشي، بل تتنفس. لا تشعر بالملل، فهي تولت شرح ما يصادفنا. بائع الصحف موجود في منطقة يفترض أننا نقضي فيها إجازة. عرفت أن الصحف الفرنسية تصل مع طائرة الساعة السادسة زوالاً حين تحط في مطار المنستير. صغار يبيعون الياسمين، وبائعات عند بوابات المتاجر، ممنوع النظر إليهن. رائحة الأكل التونسي تنبعث من المطاعم كأنها مقبلات تغريك بالأكل. صبي يضع ميزاناً كبيراً، تعرف وزنك وطولك. نظرت لها:
ــ أشوف وزني؟
صعدت بهدوء، استقر الوزن: ستة وسبعون كيلو، والطول متر وثمانية وسبعون. خرجت ورقة صغيرة تعطيك التفاصيل، أخذتها هي وضحكت.
ــ ماذا؟ هل ثمة شيء؟
ــ لا، لا تخف، أنت رشيق «ياسر». وزنك سنة ميلادي، حسوني، وطولك «نبعة ريحان».
ــ اصعدي أنتِ.
صعودها أرشق مني، أعترف بهذا. خرجت الورقة: الوزن ستة وخمسون كيلو مع الأساور، والطول متر وستة وستون. نظرت إلى الورقة وقالت:
ــ الأكل معك زادني كيلو في يومين.
ــ لا، الأساور، وملابسك، وخصلة شعر عادت لك، هذا الفارق.
ضحكت وهي تقول:
ــ تعرف كيف تدافع، ماكو عشا اليوم.
ــ ومن قال لك إني جوعان؟
بقيت الأوراق الصغيرة معها، لاحظتها تضعها في حقيبتها الصغيرة جداً. من حقها أن تحتفظ بهما. أنا متأكد من رقمين ثابتين: أنا أطول منها باثني عشر سنتيمتراً، وهي أصغر مني باثني عشر عاماً. ما أخشاه أن يزداد وزني. ضجت الساحة عند تشغيل النافورة مجدداً. أغنية أجنبية. قالت حنان لي:
ــ أغنية فرنسية تحكي عن مزارع يناجي الحقل.
ــ باهي.
أدارت وجهها نحوي:
ــ كلمة جديدة تعلمتها، أنت تونسيتك تتكامل شوية شوية.
ــ لهجتكم أقرب إلى الفصحى، «باهي» من البهاء والجمال.
ــ إي، صح.
الناس تتفاعل مع الموسيقى، وماء النافورة هو الآخر يتناغم معها. الكثيرون كانوا قرب ساحة النافورة، اقتربنا أكثر. هي تترجم لي الكلمات: شعر راقٍ، كلمات عميقة، الفرنسية لغة شاعرية. فارق الطول جعلها هي الأخرى تتناغم مع الكلمات، وضعت رأسها عند حافة كتفي. صوتها انخفض وهي تترجم الكلمات. لا أحتاج إلى ترجمة الكلمات، لمس يديها ليدي يجعلني أتقن الفرنسية. تصفيق قوي مع أصوات «واو». رفعت رأسها وهي تنظر لي:
ــ جميلة هذه الأغنية، حسوني؟
هززت رأسي، لم أجد في قاموسي ما يكفي. تفرق الجمع، ومعهم سرنا. أمامنا مباشرة متجر للتحفيات الخاصة بتراث سوسة، منها ما هو عمل يدوي بحت، وأخرى قد تكون من الصين. قدماي دخلتا المتجر. وجدت منفضة سجائر جميلة، تليق أن تضع فيها رماد أصابعك. حملتها بيدي، دورة كاملة حولها، هذه تصلح. صحن نحاسي مكتوب عليه «سوسة» بخلفية بحر وشراع، هذا أيضاً كان في يدي. حنان كانت تنظر لي، لم تشاركني، كأنها تحاول اكتشاف حاسة جديدة تولدت عندي بعد أغنية المزارع والحقل. وضعت البائعة ما أخذته في كيس سماوي اللون، وخرجنا من هذا المتجر.
ــ هل تريد أن تأكل شيئاً خفيفاً؟
ــ وأنتِ؟
ــ وأنا أيضاً، قد تجوع منتصف الليل، حسوني.
ليس مطعماً كبيراً، ممكن تأخذ سندويش شاورما مقطعاً إلى نصفين وتأكله وأنت واقف، كثيرون يفعلون هذا، لماذا لا نفعله أيضاً؟
ــ شاورما دجاج؟
ــ إي، دجاج. اللحم مختلف، قد يكون مستورداً.
ــ بالغالب مستورد، حسوني.
لم أجرب الأكل وأنا أمشي من قبل، هذه المرة الأولى، فيه نكهة. ينتهي السندويش عند بائع العصير. قدحا عصير برتقال، وقصبتان للشرب، وأنت تمشي. ينتهي العصير عند حاوية أنيقة في نهاية الرصيف تحافظ على نظافة الشارع. لا أحد يرمي ما لا يحتاجه إلا هنا، في هذه الحاوية. الساعة تقترب من منتصف ليل القنطاوي، وحاوية النظافة الأنيقة ابتلعت كأسَي البرتقال الفارغين كما تبتلع القنطاوي كل أثر، لتترك الشارع لامعاً والليل أنقى. نكمل المشي. الكيس السماوي في يدي يثقل قليلاً، منفضة السجائر وصحن «سوسة» النحاسي صارا ذكرى ملموسة قبل أن نغادر. رنين أساورها القرطاجية صار إيقاعاً خافتاً يتماشى مع خطواتنا، وصوت النافورة البعيد يخفت خلفنا. حنان تمسح طرف شفتها بمنديل ورقي، بقايا عصير البرتقال.
ــ أول مرة تاكل سندويش وأنت تمشي؟
ــ إي، أول مرة. طلع المشي يفتح النفس، مو بس الرئة.
تضحك، والضحكة، الركن الرابع من رباعية أنوثتها، تسبقنا إلى الرصيف التالي. الهواء تغيّر. نسمة بحر حقيقية هذه المرة، لا نسمة مطاعم. الملح يلسع الشفة العليا، ويذكرنا أن المتوسط على بعد شارعين فقط. المحلات بدأت تخف، والضوء يصير أصفر هادئاً، لمبات واجهات تريد أن تنام. تمر امرأة عجوز تبيع عقود الفل. لا تنظر لنا، تنظر إلى يدي اليسرى حيث الكيس السماوي، ويد حنان اليمنى القريبة مني. تبتسم العجوز، وترفع عقداً واحداً.
ــ تاخذ للمدام، باهي؟
حنان تسبقني:
ــ لا يا خالتي، عندي فل.
وترفع معصمها. رنين الأساور يغطي على رائحة الفل للحظة. نكمل. صمت مريح، من النوع الذي لا يحتاج ترجمة، حتى لو كان بثلاث لغات: عراقي، وتونسي، وفرنسي من أغنية المزارع. عند منعطف صغير، مقعد خشبي فارغ تحت شجرة فيكس كبيرة. لا يحتاج أحدنا أن يقترح الجلوس. جلسنا. الكيس السماوي بيننا على المقعد. أخرجت الصحن النحاسي، مسحته بإبهامي. «سوسة» محفورة، وشراع صغير، وبحر لا ينتهي.
ــ تخيلي، حنان، بعد سنين، أنفض رماد سيجارة في هذه المنفضة، وأتذكر أن وزني كان 76، وطولك نبعة ريحان، وأن الأكل معي زادك كيلو.
تأخذ الصحن من يدي، وتقربه من الضوء الأصفر.
ــ وأنا أتذكر أنك أطول مني باثني عشر، وأكبر مني باثني عشر، بس الليلة... الليلة ماكو أرقام، حسوني. ماكو غير ريحان وبحر وأغنية مزارع ما نعرف اسمه.
تبتسم. ترفع رأسها إلى السماء. نجوم القنطاوي قليلة الليلة، الأضواء سرقتها، لكن القمر موجود، نصفه.
ــ غداً لن أتناول أي أكل، أخاف وزني يتجاوز سنة ميلادك.
تضرب كتفي بخفة، ورنين الأساور يعود. الطريق لشرفة البحر عشر دقائق، أو عشر سنوات، لا فرق. السلم بعشر درجات ينتظرنا. وقنينة الماء البارد الصغيرة لا تزال على الطاولة، نسيتها حين فتحت الباب. والليل في سوسة، لا يُمشى... يُتنفَّس.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)


المزيد.....




- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي
- خريطة اللغات في روسيا.. تنوع قومي مذهل وقوانين تحمي حرية الا ...
- ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون الترا ...
- معرض -مريم- للفنان ناصر الباروني.. ليبيا بوجوهها المتعددة في ...
- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا
- الرباط: توقيع اتفاقية لتكوين وتدريب طلبة فلسطينيين من القدس ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف 41