أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (30)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (30)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 15:48
المحور: الادب والفن
    


الشاي من فم ألبريق إلى القدح يصدر صوتاً أسمعه لأول مرة، كأنه يغني. فاحت رائحة الهيل. ما بين رشفة منها وأخرى مني، من قدح واحد لم يكن يحمل سوى بصمات شفاه ظلت معلقة في فضاء ممتد بين قارتين، وعدة بحار، وبضعة حروب.
كنت أنظر إلى حنان، وهي تأخذ آخر رشفة من قدح الشاي. أقرأ ملامح وجه عرفته منذ عشرين عاماً، في صورة شبه رسمية وصلتني في ظرف، أعانه الله على حمل صورتها. أغمضت عينيّ حينها؛ كان فبراير 1993، قبل عشرين عاماً ونيف. أعرف أني أحتاج أن أراها وأنا أضع عينيّ بين أصابعي، أراها رويداً رويداً. مثلي لا يمكن أن يرى مثلها دفعة واحدة... أخاف.
هي الآن تسبقني إلى "جَعْب الاستكان"، الذي طالما كانت فيه بقايا كعك أو "كليجة" كنت أغمسها فيه، كأي طفل يريدون فطامه.
قلت لها: أنرقص يا صغيرتي؟
قالت: لبيك.
يا إلهي... من أين تأتين بهذا؟
لم أسمع رداً منها. كانت تعيد خصلات كثيرة من شعرها حطّت على وجهها، أعادتها بعيداً، كأنها تريد أن يبقى هذا المكان منيراً بها ولها.
لا أدري كيف كانت يداها تطوقان رقبتي. أنا أطول منها، لكنها أطول مني أيضاً. يداي ترتجفان... أعرف إنه الخوف، تباً له. تذكرت الآن: كنت أحلم أن يطوق كفاي خصرها. أيحق لي؟
أشم رائحة بخور أمي، وترنيمة "محروس". تغادر يداي الخوف، وتحط الرحال هناك في البعيد الذي حلمت به. لم تربط يداي حزام الأمان لتهبط عند خصرها؛ كانت يداي أجرأ مني.
كانت عيناها نحوي. أسمعها تقول: سلام على يدين هبطتا بسلام في خصر خُلِق لأجل هذا الهبوط.
وضعت رأسها على ساحل تعرفه ويعرفها. لم نكن نرقص... كنا نهذي. أصابتنا عيون الحاسدين، وأمي لازالت تبخر المكان وتقرأ المعوذات.
قالت: إنك تجيد الرقص؟
قلت: معك فقط.
قالت: أنا ذكرى جميلة عندك.
قلت: ذكرى؟ لا... أنت ذاكرتي التي لا تصدأ.
طوقت يداها ما تبقى مني. شعرها تمرد كعادته، غطى وجهي. ذات الخصلة رأيتها تغطي وجهي كما كانت تفعل كل يوم.
قالت: كنت أحلم بهذه الرقصة وأنا بعمر ثمانية عشر سنة، وظفائر تلميذة.
قلت: وأنت الآن بعمر ثمانية عشر، وشعر متمرد مجنون.
كنا نرقص. ذهب الحسد، بخور أمي أدى مهمته بنجاح. الشرفة ليست كبيرة، لكنها واسعة، تتحمل هذا الفضاء برمته، وتتحمل وقع رقص طال انتظاره. لم تعد شرفة... بل مرقص هادئ.
قالت: هل تؤلمك قدماك المصابتان بشظايا الحروب حين ترقص، كما كنت تصف لي ذلك؟
قلت: ألستِ معي حين غسلنا أقدامنا عند البحر؟ هل شاهدت كيف أخذت موجاته الشظايا؟ تطهرت قدماي.
استدرنا صوب القمر المطل على المرقص.
قالت: كنت أخشى أن أكون مثل مي.
قلت: لست جبران يا صغيرتي.
شعرت إنها تحضنني بقوة، وهي تهمس: أنا حنان، وأنت لست جبران.
قلت: هما عاشوا الخوف ..نحن غادرناه
ظل رأسها الجميل يغفو حيث شاء.
قلت: لم أحسن وصفك في رسائلي؟ وجه مستدير، بعيون واسعة، وأنف ألماسي، ورقبة مرمرية، وضحكتك تشبه رنين الأساور في يد امرأة بابلية.
قالت: رنين الأساور... ما أجملك حين تصف! عندي أساور غداً، أضعها في معصمي كي تسمع رنين قرطاج فيها.

قلت: حتى خصرك فشلت في الكتابة عنه. يداي الآن وجدتا ما لا أعرفه، تخبراني الآن أني كنت أفشل الواصفين.
قالت: خصري، كلي، هو أنت.
قلت: لم تغازلني امرأة من قبل.
قالت: نحن والبحر والقمر جيران الآن.
قلت: كل ما هو جميل جارنا الآن.
قالت: كم حلمنا بهذه الرقصة يا حسووني؟
ضحكت، وقلت: كم مرة لم نحلم بها... عيون حسووني أنت.
سمعت رنين الأساور، وجهاً باسماً، يمنحك حق اللجوء إليه.
قلت: سأحملك بين يدي، ها؟
قالت: لا تستأذن.
حملتها. يا إلهي... أيحق لي أن أحقق كل أحلامي دفعة واحدة؟
قالت: أحلامك وحدك؟ قل: أحلامنا. أنا أيضاً كنت أحلم أن تحملني بين يديك كما الآن، تطوق ذراعي رقبتك كطفلة غفت سهواً في غير مكانها.
قلت: أين مكانك؟
قالت: نجلس هنا عند حافة السرير، والنافذة مفتوحة. نجلس نكمل رقصة معطرة ببخور أمنا، التي قرأت المعوذتين لتبعد عيون الحاسدين.
قلت: هل كنت تخشين أن لا أصل؟
قالت وهي تهز رأسها: إي. بقيت أسأل: هل يأتي؟ هل بقي حياً؟ أعرف أني انقطعت عنك، لكن فقط بضع سنوات. أعرف أنك بحثت عني، تألمت بغيابي. لم تكن أمي تبخرني مثل أمك، لم أكن أحمل شظايا حرب مثلك، لكنك كنت ذاكرتي التي تظل تسأل عنك.

أمي كانت، كلما تسمع أخبار العراق، تسألني عنك. أقول لها: لا أعرف. صديقتي لم تعد تسألني، اكتفت بالصمت، تركتني بعد أن تزوجت من رجل لا تعرفه. أخي كان يقرأ بطاقات تهنئة العيد ويحفظها في دولابه الصغير. أبي، هو الآخر، عندما دخلت أمريكا إلى العراق، كنا أمام التلفاز. نظر إلي كأنه يقول لي: ها حنان، انتهى كل شيء. كأنه يقول: أغلقي ذاكرتك، ليس هنالك من ناجين.
قلت: كفكفي دموعك، الناجون يتأخرون.
قالت: لم تكن من الناجين حينها. كيف لي أن أعرف إنك نجوت، والعراق لم ينجُ بأكمله؟ تركت التلفاز لأبي، وذهبت إلى خزانة هي كل ما أمتلك: آخر رسالة منك رقمها سبعمائة وواحد، تقول لي فيها إنك أصبحت مديراً للمدرسة، وأمك أصبحت أم المدير، وتختمها كعادتك: المخلص... 8 أكتوبر 1999، عيد ميلادك الخامس والثلاثون.
قلت: ها نحن نلتقي رغم كل شيء. نحن أشجع من جبران ومي.
ضحكت... قلت: إي، اضحكي. أجمل الضحكات المصحوبة بالدموع.
بقيت لي أمنية قبل النوم.
رفعت رأسها، وقالت: لا تستأذن.
قبلتان على خدك.
قالت: خذهما، صغيري. أعرف إنك تتوضأ قبل النوم. الفجر لاح. عندما تستيقظ في الصباح، أفطر بيضاً بزيت زيتون من مزرعة أمي.
قلت: وأنت؟
قالت: سأرقد هنا قربك، لكن لن أصحى قبلك. وأنت لن تنام... ستظل تحرس أحلامي الكثيرة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام


المزيد.....




- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (30)