أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 19:48
المحور: الادب والفن
    


بعد مطار قرطاج كانت سوسة، المدينة التي أعرفها من بطاقات البريد، والقنطاوي، المنتجع الساحلي الذي ظل صورة بعيدة. كان النهار قد انتصف حين قادت سيارتها الصغيرة على مهل في شوارع العاصمة.
التفتت وقالت: حقيبتك ثقيلة.
أجبتها: مجرد قمصان وبنطلونان وعلب سجائر.
قالت: أحسستها ثقيلة. ربما لأنها متعبة من سفر طويل. أنت جائع؟
قلت: لا، أكلت في الطائرة.
ردت باسمة: يا رجل، أكل الطائرات لا يليق بك. أكيد تعشيت في بغداد وفطرت في القاهرة، ويجب أن تتغدى في قرطاج. هذا المكان هادئ، أمر به كلما زرت العاصمة. أعرف ما تحب، ما زلت تحب مرق العلوش والأرز؟
ضحكت، كأنني أقول نعم دون كلام. وضع النادل الصحون أمامنا وهو ينظر إلي باستغراب. وجه أسمر وشعر أبيض، قادم من بعيد. قلت له شكرا بلهجتي العراقية ففهم أنني من بلاد لا تجاورهم. لست من ليبيا ولا الجزائر ولا المغرب، ولست خليجيا كما اعتادوا هنا في عاصمة قرطاج.
غسلت يدي فوجدت قدح شاي أمامي. كل شيء توفر. لم يبق سوى أن أشعل سيجارة لم أذقها منذ ربع يوم. على الطريق قرأت لافتة: سوسة 140 كم. ليست بعيدة.
زادت سرعة السيارة فوق المئة. الطريق جميل.
سألتني: كيف وجدت تونس؟
قلت: جميلة، شعرها أسود وعيناها سبحان المعبود.
احمرّت وجنتاها وقالت: سألتك عن تونس.
قلت: وأنا أجبت. هل تغارين منها؟
قالت: لا أصدق أنك وصلت.
سألتها: لماذا؟
قالت: كأنني في حلم.
قلت: هو حلم تحقق يا صغيرتي الجميلة.
زاد احمرار وجهها وزادت السرعة كأنها تطوي المسافات طياً. نظرت إلي وقالت: لا تنظر إلى العداد. أنت كنت في طائرة سرعتها تسعمائة كيلومتر في الساعة، لا تخف.
قالت: حجزت لك شقة صغيرة في منتجع القنطاوي تطل على البحر. ستصبح أنت والبحر جيران. أؤكد لك أن حقيبتك ثقيلة.
قلت: يا إلهي، ما حكاية هذه الحقيبة الثقيلة.
نعم ثقيلة يا صغيرتي، أثقل مما تتصورين. قلت لك قمصان وبنطلون وسجائر وخصلة شعر.
خففت السرعة فجأة كأننا عند نقطة وقوف إجبارية. نظرت إلي وقالت: أهي معك الآن؟
قلت: هي أمانة عندي، يجب أن أعيدها.
رأيت الدمع ينهمر من عينيها وهي قريبة من عيني. كبرياء المحارب جعلني أكتم دمعي وإن فر بعضه.
قالت: ثقيلة، يجب أن تكون ثقيلة.
لافتة أخرى: سوسة 40 كم. بدأنا نقترب. وصلنا القنطاوي، الشقة التي تطل على البحر. سحبت الحقيبة ومشت أمامي. فتحت الباب ودخلنا معا.
أخرجت كيسا كبيرا ووضعته في ثلاجة صغيرة وهي تقول: هذا البيض الذي تحبه، تقليه بزيت زيتون من مزرعة أمي. وهذا جبن فرنسي، ومربى صنعته لك، وهذا خبز وشاي مطحون بالهيل. يا إلهي، تعرف كل تفاصيلي.
قلت: تعالي نفتح حقيبتي الثقيلة معا.
قمصان. بنطلون. سجائر.
سألت: ما هذا؟
قلت: تذكرين رسالة أغسطس 1997 حين كنت تبحثين في مكتبات تونس عن كتاب لمؤلف عراقي؟
قالت: نعم، ولم أجده.
قلت: أنا وجدته، بكل أجزائه.
كادت الحقيبة أن تفرغ. بقي كيس بحجم الكف، كأنه يريد القفز. فيه خصلة شعر غسلتها بماء دجلة ألف مرة. كنت أمشطها كل صباح. وها أنا أعيدها إلى مكانها..
أعرف أن الحروف خرجت مني متكسرة، وأعرف أنه لا جواب منها، فقد قرأت ذلك في رجفة يديها وهي تحتضن الخصلة، وفي الدموع التي ملأت حافتي الخدين وهي تراها.
قالت: هي لك.
قلت: أعرف، لهذا أودعها عندك. أتعبتني هذه الخصلة وأنا أتنقل بها من مكان إلى آخر، أحميها من أعين الناس ومن قصف كل الحروب التي مرت. سأعيدها إلى شعرك ليكتمل، كما اكتملت أنا بها عشرين عاما مضت.
كنت بحاجة أن أغسل وجهي، أو دموعي. كنت بحاجة أن أشعل سيجارة. كنت بحاجة إلى قدح شاي. كنت بحاجة إلى كل شيء يجعلني أشعر أنني وصلت هنا.
قلت لها: هل تأخرت يا صغيرتي الجميلة؟
بصوت باكٍ قالت: ربما الطائرة تأخرت بضع دقائق.
يا إلهي، تحاول أن تخفف عشرين سنة إلى بضع دقائق.
قلت: لا، لم تتأخر الطائرة. وصلت في موعدها.
قالت بصوت مرتفع: أعرف، أنت لم تتأخر. كنت أول الواصلين من رحلة القاهرة قرطاج. ختموا جوازك، ناولني إياه. يا إلهي، جديد، وهذه أول رحلة له.
سألتها ثانية: هل تأخرت؟
قالت: لا. الحروب وحدها هي من تؤخر المحاربين، وأنت محارب فُرض عليك القتال. لم تتأخر. أنت نجوت. ألم تقل لستار الخياط "لقد نجونا" عندما توقفت حرب السنوات الثمان؟ وقلت لأمك "لقد نجونا" عندما توقفت حرب الخليج؟ وقلت لمحمد صادق "لقد نجونا" عندما توقفت حرب 2003؟ ولا زلت تردد كلمة نجونا كلما وقع تفجير في بغداد التي تزورها أو في الخالص التي تسكنها. الناجون لا يتأخرون.
سألتني: ماذا بقي في حقيبتك؟
قلت: لا شيء. فارغة كما اقتنيتها من قبل.
قالت: الكتب لي، والخصلة لنا. أنت متعب من رحلة ليلتين. عيناك حمراوان من سهر المطارات وفنادق الترانزيت. سأتركك لتأخذ دوشا باردا وتنام بهدوء. نم وافتح نافذة الغرفة ولا تنس أنك والبحر أصبحتما جيران.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين
- حرب بلا حدود
- حربٌ بلا أهداف
- طاولة مفاوضات وتغريدات حرب
- مؤتمر ميونخ وأمن اوربا


المزيد.....




- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)