أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - ذاكرة زمن الخوف (١)















المزيد.....

ذاكرة زمن الخوف (١)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 16:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أحداً يمكنه تحديد المقصود بعبارة الزمن الجميل ، هذا المصطلح الذي بدأ الناس تسمع عنه وتطالع حوادثه بعد 2003 مع ولادة مواقع التواصل الإجتماعي التي تحولت إلى مصدر رئيسي لكل شيء يعتمد الناس عليها في تداول الأخبار وإرسال التهاني ومعرفة أيام العطل.
إذا كان المقصود بالزمن الجميل هو زمن العهد الملكي فإن جيل هذا الزمن كان يعاني من الإقطاع والعراق من شماله إلى جنوبه كان يغط في ظلام دامس من الفقر والجهل والأمراض وأغلب الناس الذين عاصروا هذا الزمن ماتوا ومن تبقى منهم بلا ذاكرة، ربما تحتفظ الذاكرة ببعض الحوادث عن رفض الوزير حسقيل اليهودي تبذير المال العام وحرصه عليه وهو مدح لليهود أكثر مما للعهد الملكي الذي شابه الكثير من الفساد والظلم. أما إذا كان المقصود عهد جمهورية عبد الكريم قاسم فإن ذاكرة العراقيين احتفظت بالكثير من المواقف لهذه المرحلة التي امتدت لأقل من خمس سنوات لم تكن كافية لأن يطلق عليها الزمن الجميل سيما وإن نهايتها كانت مأساوية بدرجة كبيرة جدا شعر بها الشعب العراقي الذي وجد في الزعيم عبد الكريم أملاً لتطوير العراق أرضاً وشعباً.
وبالتأكيد لم يكن المقصود بمصطلح الزمن الجميل حقبة الأخوين عارف التي أتسمت بالهدوء داخلياً وخارجياً ولم يعكرها سوى حرب حزيران 1967 ومشاركة الجيش العراقي فيها،وهي فترة هي الأخرى قصيرة تجاوزت قليلا الخمس سنوات برئيسين الأول مات بسقوط طائرته، والثاني غادر منفياً خارج البلاد.
وبالتالي نجد من أطلق وروج لمصطلح الزمن الجميل يقصد بها فترة حكم البعث من 1968 حتى 2003 وهي فترة طويلة وأيضا برئيسين البكر الذي أمضى عشر سنوات خرج بعدها بطريقة لا زال البعض يشكك فيها ليسلم القيادة لصدام الذي غادرها وهو مهزوماً في أم معاركه مقبوضاً عليه في حفرة ثم محاكمة كشفت الكثير من الجرائم ثم الإعدام شنقاً ، وأجزم إن مصطلح الزمن الجميل المقصود به هذه الحقبة لأسباب عديدة أولها إنها طويلة وهنالك من حاول إعادة إنتاج هذه المرحلة بعدة طرق ، ثانيا محاولة مقارنة أي حدث يجري بعد 2003 بما جرى قبلها ،ثالثا محاولة صنع جيل عراقي يظل يتداول تاريخ هذه الحقبة من وجهة نظر مريديها والمروجين لها عبر إستهداف فئات الشباب الذين لم يعاصروا عهد صدام وما حدث فيه من جرائم مستفيدين من الفضاء المفتوح الذي يسمح لهم بالنشر والترويج تحت مسميات عديدة ومواقع كثيرة بدون رادع أو رقيب أي الإستفادة القصوى من فضاء الحرية التي كانوا محرومين منها في عهد الزمن الجميل. والجانب الآخر طبيعة الفرد العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام لأي تغيير ويشعر دوماً إن الجديد مجهول وبالتالي مرفوض تحت مقولة ( اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفه) وغيرها من المقولات والأمثلة التي ظلت تتحكم بالمزاج العام ، حتى الإسلام في بدايته كان مرفوضاً من قريش وهو ما يعكس رفض الجديد طالما إنه غير معروف ، وهي حالة تخوف من فقدان ميزات وإمتيازات وبالتالي وجدنا من يرفض ذلك خوفا على مصالحه ليس إلا.
من هنا أجد من واجبنا نحن الذين عاصرنا هذا الزمن الجميل أن ننقل للأجيال التي لم تعاصره بعض مما تسعفنا به الذاكرة من قصص حصلت في مدينة صغيرة وما حصل فيها بالتأكيد حصل في كل مدن العراق وقراه البعيدة والقريبة، مبعث هذا يكمن بتوثيق هذه المرحلة من الذين عاشوها وهم شهود عيان إن لم يكونوا ضحاياها.
أنتمي لمدينة الخالص التي ولدت فيها ولم أغادرها ، مدينة متنوعة فكرياً بحكم وجود الكثير من أبناءها منتمين لأحزاب عدة منذ العهد الملكي وحتى بداية السبعينيات من القرن الماضي، هنالك أحزاب علنية كالحزب الشيوعي وأخرى سرية كالأحزاب الإسلامية أبرزها حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي ،مضافاً لحزب البعث الذين يوجد من رجال الخالص من تبوأ مواقع قيادية فيه بوقت مبكر وأصبحوا فيما بعد وزراء وأعضاء قيادة قطرية ومحافظين وغيرها من المناصب الكثيرة في حقبتي البكر وصدام ، لكن هؤلاء لم يكن لهم أي تأثير إيجابي في تطوير مدينة الخالص بل الكثير منهم لم يزر الخالص بعد توليه منصب وزاري أو حزبي واكتفوا بالولاء المطلق لقائدهم ونجحوا في إثبات هذا الولاء ولم يعدم صدام أياً منهم أو يغضب عليه كما فعل مع أغلب رفاقه سواء في قاعة الخلد أو غيرها وهذا ما يدلل على إنهم أكثر ولاءاً حتى من بعض التكارته الذين أعدمهم القائد أيام الزمن الجميل.
ذات مرة في منتصف سبعينيات القرن الماضي أمضت أحدى نساء الخالص وهي من أقرباء أحد المسؤولين الكبار جدا وهو من مدينة الخالص ساعات طويلة من أجل مقابلته لقضية تخص عمل أبنها لكنها فشلت في ذلك رغم علمه بوجودها في الاستعلامات وعادت لبيتها منهكة باكية متذمرة.قبلها كانت تتباهى بفلان لكن بعد هذه الحادثة لم تنطق أسمه على لسانها حتى ماتت بعد سنوات من ذلك.
تحتفظ ذاكرتي بأول قصة من الزمن الجميل في حزيران 1979 كان عمري 15 سنة طالب ثالث متوسط نؤدي إمتحان نهاية السنة بكلوريا عصر أحد الأيام أخذنا درس إضافي من قبل استاذ مادة الأحياء التي سنمتحن بها صباح الغد خرجنا من الدرس الإضافي قبل المغرب بنصف ساعة ما أن وصلت بداية شارع محلتنا جاءت مظاهرة إنطلقت من حسينية عليبات طبيعتها إسلامية كانت الأجهزة الأمنية والحزبية تحيط بهم لم يعترضهم أحدا ووصلوا قرب المستوصف وثم تفريقهم على ما يبدو لأننا أسرعنا بالدخول للبيوت، ما الذي جرى مساء ذلك اليوم ؟ اثناء التظاهرات كان يتم تصويرهم بكامرات عادية وفورا تم طبع الصور وتم إعتقال الجميع ليلاً بما في ذلك من مروا صدفة وأعرف الكثير من هؤلاء تم إعدامهم وسجنهم ومنهم طالبين كانوا معنا في الدرس الإضافي في اليوم التالي مقاعدهم شاغرة في قاعة الإمتحان، أحدهم عرفنا فيما بعد قد أعدم والثاني شاهدته بعد سنوات وقد خرج من السجن وألتحق بالخدمة العسكرية ولا زال حياً.
في اليوم التالي سمعنا حكايات كثيرة، أولها حدث على بعد بضعة أمتار من محلتنا عندما حاول أحد الشباب المتظاهرين أن يختبئ في أحد البيوت ونجح في ذلك فعلاً لكنه وجد نفسه معتقلاً بعد دقائق عندما أخبر صاحب البيت رجال الأمن عنه فأعتقلوه، الخبر الثاني أو القصة الثانية جعلتنا نعرف إن للأمن عيون في كل محلة من العنصر النسوي وكل في منطقتها تسمع وتراقب وتنقل وربما تصور ذلك والله أعلم .
القصة ألأكبر تمثلت بان من كان يدعي إنه بحزب الدعوة أو يحاول تصوير ذلك ويحرص على الصلاة في الحسينيات لم يكن سوى مخبر سري والجميل في الأمر إنه تم إعتقال بعضهم ولكنهم خرجوا بعد أيام لنسمع منهم حكايات عن التعذيب الذي تعرضوا لهم بعضنا كان مصدقاً والبعض الآخر اكتشف الخدعة ولم تمر عليه كما مرت على بعضنا بسهولة.
تذكرت حينها الكثير من الشيوعيين الذين لم يكونوا سوى عيون على الشيوعيين، نعم تم اعتقالهم لكن لفترة تمويهية ثم خرجوا والبعض منهم تم تعينه في دوائر الدولة.
لهذا عاشت المدينة حالة خاصة ومن ينتمي إليها يوصف دائماً بأنه حزب دعوة أو خميني كما إعتادوا تسميته ، محلتنا الصغيرة ذات الخمسين بيتاً طال شبابها الاعتقال والإعدام ،من بين هؤلاء خالي وثلاثة من أبناء عمه بينهم خريج كلية علوم وآخر معهد طبي وثالث مهندس ، وجيراننا وكلهم خريجي كليات بين من اتهم بالإنتماء لحزب الدعوة وآخرون شيوعيين ، ظل مصيرهم مجهولاً حتى سقوط النظام.
في محلتنا أيضا منتسبي أمن علنيين ، ومخبرين سريين، لا أحد يحبهم لكن الجميع يُسلم عليهم خشية كتاباتهم ، أتذكر جيداً إنه تم إعتقال رجل من محلتنا لا ينتمي لأي حزب تم تعذيبه لكن خرج بعد شهرين ، عرفنا إن سبب اعتقاله أنه يصلي في الجامع الذي تم غلقه فيما بعد ولم يفتح إلا بعد سنوات طويلة.
قلت له مرة هل السبب أنك تصلي في الجامع؟ قال لا السبب إن فلان وهو منتسب أمن خطب بنتي وأنا رفضت ذلك !! قلت له هذا سبب كاف أن يكتب عليك تقريراً يكسر ظهرك.
من هنا بدأ الكثير من الآباء والأمهات يحرصون على متابعة تحركات أبناءهم خشية أن يكون مصيرهم كمصير أولئك الذين غيبتهم السجون ودوائر الأمن التي بات المرور بقربها يحمل محاذير شديدة الخطورة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين
- حرب بلا حدود
- حربٌ بلا أهداف
- طاولة مفاوضات وتغريدات حرب
- مؤتمر ميونخ وأمن اوربا
- صندوق ابستين الاسود
- العالم على كف ترمب
- نظام عالمي جديد
- أوروبا والحماية الأميركيَّة
- استثمار الموارد البشرية
- حماية المال العام
- عوامل القوة والضعف في الديمقراطية العراقية
- رقعة الإرهاب الصهيوني
- رسائل شنغهاي
- بناء دولة المواطنة


المزيد.....




- بسبب حرب إيران.. هل ترى الصين ترامب قويًا أم ضعيفًا؟ شاهد ما ...
- دبي -تتوهج- كمدينة من عالم -السايبربانك-..ما علاقتها بطوكيو؟ ...
- ترامب وشي.. استقبال حار وحفاوة بالغة وتبادل لمس الأذرع
- ليندسي لوهان تعود بتصميم -سعودي- إلى ديزني
- الملف الإيراني يحضر في زيارة ترامب إلى الصين.. ومحادثات جديد ...
- تونس: مخاوف من انزلاق التجربة الديمقراطية نحو -الاستبداد-
- لاصقة ذكية تكشف أسرار الخصوبة الخفية لدى الرجال والنساء!
- فورين بوليسي: اعتماد مالي على المرتزقة الروس فاقم أزمتها
- فتح تعقد مؤتمرها الثامن لاختيار قيادة جديدة وسط تحديات مفصلي ...
- وسط مطالب بإعدامه.. كوريا الجنوبية تستأنف محاكمة رئيسها السا ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - ذاكرة زمن الخوف (١)