|
|
ذاكرة زمن الخوف (8)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 10:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بدأت بوادر حرب جديدة تلوح في ألأفق، هنالك تحشيد أمريكي جديد وهذه المرة شعارهم وهدفهم الأول إسقاط النظام،الناس لم تصدق الأمريكان،سبق لهم وأن تراجعوا عن إسقاطه عام 1991 تحت ذريعة إن هدفهم تحرير الكويت فقط في حينها.أراد النظام توجيه رسالة جديدة للعالم ونظم إستفتاء 2002 والذي حصل بموجبه صدام على نسبة مئة بالمئة من أصوات العراقيين لفترة رئاسية جديدة كما هو معروف، وكالعادة ذهبنا جميعاً للإدلاء بأصواتنا التي كانت موجودة أصلا قبل أن نصل لمكان التصويت. بعد أشهر قليلة اقتربت الحرب أكثر،ووجه بوش الابن النداء الأخير حيث ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش خطابا هاما للشعب الأميركي وجه فيه إنذارا نهائيا للرئيس العراقي صدام حسين بالتنحي عن الحكم ومغادرة بغداد هو ونجليه في غضون 48 ساعة،أو إعلان الحرب. وقد دعا بوش الجيش العراقي إلى عدم القتال دفاعا عن حكومة الرئيس العراقي التي وصفها بأنها تحتضر. وفعلاً بعد يومين بدأت الحرب، وغصت الخالص بأهل بغداد مجدداً،لم تكن الحرب طويلة كما في عام 1991 بل أقل من ذلك وسقط النظام،هذا النظام الذي ما كان أحداً يتوقع سقوطه السريع وهروب الجميع إلى جهات متعددة،تنفس الشعب الحرية بحذر،لا أحد يثق بالأمريكان الذين ربما يعيدون الحياة لهذا النظام مجدداً كما حدث عام 1991،سارع الناس إلى تدمير صور الرئيس وحرق التجنيد والمقرات الحزبية والإستيلاء على ملفات الأمن ونهب المصارف وغيرها. في محلتنا إتخذ الشباب حماية المصرف والمستوصف وهنالك من حمى المستشفى،وهنالك وهم قلة قليلة نهبوا ما استطاعوا نهبه من أثاث الدوائر الحكومية.وشاهدنا جميعاً عبر التلفاز عمليات نهب ركز عليها الإعلام الغربي وأطلق تسمية(علي بابا)على أولئك الذين نهبوا ما تمكنوا منه. أحد ألأشخاص قال لماذا فعلوا هذا؟ قلت له هل تعلم إن صدام إستلم الشعب العراقي وهو شعب مؤدب ومثقف وخال من الأمية ويضرب به المثل في الأخلاق،قال نعم صحيح،قلت وسلمه اليوم شعب جائع يحمل روح الانتقام،غير مبال بالمال العام،هذا جيل صدام جيل لا يجيد سوى العنف ولا يفكر الإ بالكسب بأية طريقة كانت.وسط هذه الدوامة أكتشف الناس ملفاتهم في دوائر الأمن،البعض عرف من كتب عليه،فيما أغلب التقارير كانت بأسماء وهمية،عرف الناس من هو عبد القدوس الاسم الذي كان يكتب تقاريره عن الناس،عبد القدوس أكثر من شخص وموجود في كل محلة ودائرة حكومية. لم يكن عبد القدوس الاسم الوهمي لكاتب التقارير مجهولاً للكثير من الذين تضرروا من النظام الذي بات نظام سابق، كان البعض ينتظر لحظة انتقام من هؤلاء لكن الروابط الاجتماعية الكبيرة حالت دون ذلك، مضافاً لذلك طيبة قلب الكثير من الناس دفعتهم لأن يتصرفوا بحكمة كبيرة. أحد الزملاء المعلمين كانت له إضبارة في دائرة الأمن والتهمة كما مكتوب( حاقد) سألته قال والله مرة وحدة تذمرت من الوضع فتم استدعائي لدائرة ألأمن وأسمعوني تسجيل لي صوتي هنا في المدرسة، قلت له متى حصل هذا قال عام 1986 حيث تم استقطاع دينار من الراتب لدعم بناء المدينة الرياضية في ديالى فقلت( إشطلعت هاي) وصارت لي إضبارة وتقارير شهرية قلت له والله رحموك غيرك ترى سجن بتهمة أقل من هذه، ضحك وقال ربك سترنا. الكثير من الناس كانت تأمل بعراق جديد خاصة وإن الأسماء الجديدة التي بدأت تظهر تُبشر بأمل وخير قادم للعراق، خالي عاد من إيران،وغيره عاد من المنفى ليقصوا لنا قصص يشيب لها الولدان، والقوات الأمريكية دخلت كل المدن العراقية بلا إستثناء وصدام بين الحين والآخر يرسل رسائل صوتية للشعب العراقي ولا أحد ينصت لها. كنت قد أصبحت مديرا للمدرسة. تمكن البعض من تغيير مفاهيمهم فيما ظل البعض الآخر متمسكاً بالماضي،والقسم الآخر نجح في تغيير ولاءه وبدأ يتقرب من الأحزاب الجديدة – القديمة كي يأخذ موقعه الذي يريده، جامع الخالص الكبير كان يكتظ بالمصلين على غير عادته في السنوات الماضية،لم يكن الأمر سوى محاولة إثبات ولاء للقادمين الجدد لحكم العراق ولا أحداً يعرف من هم وكيف سيكون شكل الحكم. نحن في المدرسة انتظم دوامنا وتم ترميم جزئي للمدرسة من قبل القوات الأمريكية،كانت الغاية أن يسير الدوام ونؤدي إمتحانات نهاية السنة وتبدأ العطلة الصيفية. عملية عسكرية أمريكية نُفذت في 22 يوليو/ تموز 2003 شمال شرق مدينة الموصل العراقية، أدت إلى مقتل عدي وقصي الابنين الوحيدين للرئيس صدام حسين الذي كان حينئذٍ متخفياً في أحد بساتين منطقة الدور. تحولت الغارة التي كانت غايتها إلقاء القبض على الأخوين المتخفيين عدي وقصي، إلى معركة بالأسلحة النارية عند مخبأ محصن بين قوة أميركية من 200 جندي مدعومة بالأسلحة الثقيلة وطائرات الهليكوبتر الهجومية مقابل أربعة أشخاص، عدي، وقصي، ومصطفى ابن قصي ذي الأربعة عشر عاماً، والعقيد عبد الصمد الحدّوشي حارس عدي، انتهت المعركة بمقتلهم بعد مقاومة استمرت أربع ساعات في حي الفلاح شمال شرق الموصل.هذا الخبر أفرح الشعب العراقي ووجد فيه الناس إنتقاماً من مجرمين كبيرين،بعض الأشخاص وزع الحلوى بمقتلهما،بالتأكيد هذا الخبر له وقع كبير في تشتيت العائلة الحاكمة التي ربما كان البعض يراهن على عودتها للحكم خاصة وكما قلنا إن ثقة الشعب العراقي بأمريكا مفقودة منذ حرب عام 1991 وما جرى من قمع للانتفاضة الشعبية في الفرات ألأوسط والجنوب. كان قد تشكل مجلس الحكم في العراق وفق صيغة تحاصصية للمكونات في البلد، لم نكن ندرك الغاية من هذا، الكثير منا كان يجهل نوايا أمريكا ونوايا الحكام الجدد، قالوا ستكون هنالك إنتخابات لم يحدد موعدها، الناس كانت تهتم بالوضع المعاشي وصرف رواتب الموظفين التي وزعت بالدولار الأمريكي،الكثير منا لم يرى الدولار من قبل،إستلمنا رواتبنا بالعملة الأمريكية ، كان السوق يعج بالبضائع لا سيما المواد الغذائية التي بعضها نراها للمرة ألأولى أو جيل من العراقيين يشاهدونها للمرة الأولى ،أشتريت ثلاجة فرحنا بها كثيراً،سنشرب منها الماء البارد ونضع فيها الأجبان التي غزت السوق، لا أتذكر عدد المرات التي فتحت فيها باب الثلاجة ليلاً لأرى مصباحها، أمر مضحك ومبكي في نفس الوقت. نعود لمجلس الحكم الذي كان رئيسه بالتناوب كل شهر رئيس جديد وهنالك حاكم مدني أمريكي أسمه بول بريمر الذي سبق له وأن حل الجيش العراقي وحظر حزب البعث وحل وزارات الداخلية والإعلام والتصنيع العسكري .وأصبح منتسبي هذه الوزارات بلا عمل ، أمر له تداعيات كبيرة، لكن سرعان ما تم إعادة الشرطة المحلية وشرطة المرور للعمل. بدأ العام الدراسي وتمت عملية توزيع الكتب على التلاميذ، جاء أحد أولياء الأمور رافضاً تسليم أبنه كتباً لا تحمل صورة السيد الرئيس كما قال، ضحكت وقلت له هات الكتب وعندما يسلموننا كتب فيها صورة الرئيس تتدلل، رماها وخرج رغم إنه لم يكن قيادياً في حزب البعث،ربما مدفوع من قبل البعض لا أعرف بالضبط لماذا تصرف هكذا.كان أغلب العراقيين قد اقتنوا جهاز ستلايت وباتوا يتابعون الأخبار من الجزيرة والعربية وأنتهت مرحلة الراديو ، الكهرباء كانت معضلة كبيرة جداً، هي كانت أيضاً معضلة في السنوات الماضية، لكنها اليوم باتت أكثر إيلاماً في ظل توفر المبردات وأجهزة التكييف والستلايت لهذا لجأ الناس للمولدات كحل لا بد منه. في 13 كانون الأول 2003 إلقي القبض على صدام في منطقة الدور في حفرة، شاهد الجميع ذلك في شاشات التلفاز،الحدث لم يكن عادياً في العراق وحتى في العالم العربي الذي بدأ الكثير من حكامه يخشون المستقبل. كان اعتقاله متوقعاً بحكم محدودية حركته داخل مناطق معروفة لمن يعرف شخصية صدام نفسها ، كان يمكنه الإختباء خارج صلاح الدين مسقط رأسه،في جلسة الاستجواب الأولى التي عرضها التلفاز كان خائفاً ربما تصور إنها محاكمة سريعة سيعدم بعدها مباشرة كما كان يفعل مع خصومه أبان حكمه، لكن في جلسات المحاكمة التي كانت تصور وتعرض إستغلها بشكل كبير لشعوره إنها منبراً يوجه من خلاله الرسائل للجميع عبر خطابات لم تكن لها قيمة بعد سقوطه المدوي. كانت الناس تترقب بث المحاكمات في جلساتها الأولى ، لكن بعد ذلك بدأت الناس لا تعير أهمية لها أو تتفرغ لمشاهدتها في ظل تعدد القنوات الفضائية وما تعرضه. لقد انتهت حقبة البعث وحكمه في العراق، وانتهت حقبة صدام وعائلته،كان الجميع ينتظر أن تنتهي مرحلة الخوف التي عاشها الشعب العراقي لأربعة عقود مضت كانت فواتيرها مكلفة جداً.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ذاكرة زمن الخوف (7)
-
ذاكرة زمن الخوف (6)
-
ذاكرة زمن الخوف (٥)
-
ذاكرة زمن الخوف (٤)
-
ذاكرة زمن الخوف (٣)
-
ذاكرة زمن الخوف (٢)
-
ذاكرة زمن الخوف (١)
-
لبنان بين الهدنة والسلام
-
مواصفات حاكم العراق
-
الإصلاح السياسي
-
حربٌ وهدنةٌ وحصار
-
اوربا بين الصين وأمريكا
-
اوربا بين أمريكا والصين
-
حرب بلا حدود
-
حربٌ بلا أهداف
-
طاولة مفاوضات وتغريدات حرب
-
مؤتمر ميونخ وأمن اوربا
-
صندوق ابستين الاسود
-
العالم على كف ترمب
-
نظام عالمي جديد
المزيد.....
-
ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي
...
-
ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار
...
-
حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد-
...
-
أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
-
حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر
...
-
حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر
...
-
صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
-
ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
-
عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح
...
-
زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|