|
|
ذاكرة زمن الخوف (6)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 12:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم نتوقع أن تجري إمتحانات نصف السنة في كانون الثاني 1991 رغم إننا أعددنا متطلباتها، وفعلا بدأت الحرب ليلة السابع عشر من كانون الثاني 1991، في صباح اليوم كانت مدينة الخالص مكتظة بالنازحين من بغداد حتى المدارس تحولت لمراكز لجوء، لم يعتد أبناء العراق على هذه الحالة من قبل إلا المدن الحدودية مع إيران وهي قليلة جدا مثل مندلي التي نزح أغلب سكانها صوب بلدروز في أيام الحرب العراقية – الإيرانية. وبحكم قرب الخالص من بغداد كانت محطة نروح للكثير من سكان العاصمة. هذه الحرب تختلف عن حرب إيران، ليست هنالك مواجهات مباشرة حتى الآن بين الجيوش بل هو قصف طائرات وصواريخ وبغداد الهدف ألأول، معسكرات ومطارات ومواقع عسكرية كان مكتوب أمامها ممنوع التصوير وإتضح إنها معروفة لكل العالم إلا نحن، لا أحداً كان يعرف مقرات المخابرات العراقية السرية بينما الأمريكان يعرفون ذلك جيداً. استمر القصف أكثر من شهر وتعدى ذلك، بدأت الحرب البرية، لم يكن هنالك جيش يقاوم ويدافع عن الكويت وصدرت أوامر إنسحاب من الكويت لجيش متهالك لم يتبقى منه سوى القليل. انتفضت مدن الجنوب والفرات الأوسط وكردستان، ديالى والخالص تحديداً كان ينتظر منه الإنتفاضة لكن الناس جربوا ذلك عام 1979 وكانت النتيجة دموية وقاسية جدا، حتى الدجيل في الجانب الآخر من نهر دجلة لم يتحرك لأنه قدم ضحايا كُثر في ثورتهم ضد النظام منذ سنوات، أكنفى بعض الشباب بكتابة عبارة ( يسقط صدام) على جدران المستوصف والمصرف وأكتفى الجهاز الحزبي بمحوها سريعا قبل أن يتطور الأمر وتم نصب السيطرات عند كل فرع من محلات وأزقة الخالص وهي سيطرات حزبية. في منتصف شهر آذار أعلن العراق انتصاره في أم المعارك،هذا النصر الوهمي المبني على إن أمريكا لم تتمكن من إسقاط النظام ، بقاء رأس النظام يعني إنتصاراً في قواميس النظم الشمولية،ومع هذا فإن النظام شن حملة إعدامات على كبار الضباط الذين حققوا النصر!! غريب أمر هذا النظام الذي يعدم قادة صنعوا نصراً له كما قال هو، ذات مرة قال أحد الأصدقاء إن هؤلاء القادة لا يستحقون الإعدام ، قلت له هؤلاء جزء من النظام الذي دافعوا عنه ونهايتهم على يديه تفسر على إن لا أحداً له الفضل في بقاء النظام، طبيعة النظم الشمولية وحكم الفرد الواحد بأنه لا يسمح ببروز الآخرين،الحالة تنطبق على الكثير من هؤلاء الذين تم إعدامهم منذ مجزرة الخلد عام 1979 مرورا بقادة الجيش في الحرب العراقية – الإيرانية وصولاً لما قيل عن مصرع عدنان خير الله في سقوط طائرته وصولاً لإعدام بارق وصابر وغيرهم من القادة الذين زينوا للطاغية أعماله فكانت نهايتهم هذه. عملياً إنتهت الحرب ووزعت أنواط الشجاعة على القادة والضباط لقمعهم إنتفاضة الفرات الأوسط والجنوب هذه الإنتفاضة التي كان ضحيتها مئات الآف من الشهداء الذين دفنوا في مقابر جماعية توزعت على جغرافية العراق. الحياة تزداد صعوبة مع إنخفاض قيمة الدينار الذي بات يطبع محليا وتبدلت صورة الأحصنة على العملة النقدية بصورة صدام، وبات الحصول على الغذاء أشبه بالحلم، لم يكن أمامنا نحن أصحاب الدخل المحدود سوى البحث عن عمل إضافي وليس أمامنا سوى (العمالة) المهنة التي لا تحتاج لرأسمال بقدر ما تحتاج لقوة بدنية وتحمل ونحن نجيد هذه المهنة المتعددة المهام،لهذا تحولت أيام الجمعة والعطل لا سيما الصيفية منها فرصة للعمل وأحيانا كثيرة تعمل ليوم كامل وتفشل في تلبية احتياجات البيت بسبب الغلاء الفاحش . ذات يوم جمعة خرجت وغيري فجراً عملنا حتى الساعة الرابعة عصراً، وكان هنالك شغل آخر إستمر حتى منتصف الليل تقريباً وعندما وزعت الأجرة المضاعفة على ما يمكن شراءه من حاجيات ليوم غد فشلت في أن اشتري علبة سجائر رخيصة، ضحكت حينها بكل قوة على هذا الزمان الذي نعيشه،دائما أتذكر هذه الحادثة كلما سمعت بعد عقود من تاريخ هذا اليوم من يتغنى بالزمن الجميل الذي لم يعشه من يتحدث عنه. ورغم قساوة الحياة ظلت الأجهزة ألأمنية تقوم بواجباتها بمراقبة الناس وإستدعاء ذوي المتهمين من حزبي الدعوة والشيوعي بين الحين والآخر لمديرية الأمن في القضاء ومن بينهم خالي وأصدقاء لي .أيضاً بقي النظام يحتفل سنوياً بذكرى انتصاره في أم المعارك المستمرة من وجهة نظره التي فُرض علينا تصديقها عنوة. ذات مرة فكرنا نحن هواة الكتابة إصدار نشرة بسيطة ذات طابع ثقافي أسميناها ( إقرأ) ليست نشرة سرية بقدر ما إنها عبارة عن مقالات أدبية بشوبها الغزل أكثر من أي شيئاً آخر خاصة وإن بعضنا كانت يكتب في عدد من الصحف العربية البعيدة والتي تصلنا قصاصات كتاباتنا عبر البريد وكنا نشعر بالسعادة بهذا الإنجاز، تداولنا نشرتنا التي كانت مستنسخة وبعدد محدود جدا، أحد اصحاب المحلات وهو صديق لأحد الأصدقاء كان يطالع هذه النشرة وهذا في نفس الوقت يرتاد محله أحد ضباط الأمن الذي شاهد هذه النشرة وحملها بين يديه وتم استدعاءنا واحداً تلو الآخر ما بين الأمن تارة والجهاز الحزبي تارة أخرى وعرفنا إنهم تعاملوا معها كمنشور حتى يثبت عكس ذلك،وثبت عكس ذلك وأغلق الموضوع وسط فرحتنا جميعا وعرفنا فيما بعد إن أحد الزملاء كلف عمه بغلق الموضوع. بعد فترة من الزمن أرسلوا بطلبي وزميل آخر في قيادة الشعبة الحزبية دون معرفة الغاية من ذلك، وصلنا مبكرين كعادة الخائفين من المجهول،جلسنا في غرفة كبيرة والمسؤول على مكتبه ربما كان ينتظر شخصاً ما يأتي ليبدأ حديثه معنا،كان جلوسنا لمن يدخل لا يمكن مشاهدتنا إلا إذا التفت جانباً، دخل شاب أعرفه فهو من رواد الجامع الذي أعيد فتحه بعد عام 1993 وضع هذا الشاب ورقة أمام المسؤول وأخذ يتحدث له عن أسماء لهاربين من الجيش، وإتضح إن المسؤول يعرفهم وعن رواد الجامع بشكل يومي وعندما هم بالخروج تظاهرت أنا وزميلي بشرب الشاي ولم ننظر له. طلب المسؤول أن نقترب أكثر لنتحدث،ضحك وقال هذا الولد يعمل معنا أنتم تعرفون ذلك، ضحكت وقلت له أراه يومياً في الصف الأول في صلاة المغرب والعشاء، ضحك وقال أعرف أنكما معاً تصليان في الجامع لا ضير في ذلك فنحن في حملة إيمانية، ربما تعرفون إن الجامع مراقب قلت له نعرف ذلك أستاذ وضحكنا، قال المهم نحن نريد إصدار نشرة ثقافية شهرية محدودة لكادرنا وأنتم خبراء بهذا ألأمر، سبق لكم عمل ذلك، قلت له علينا أن نحصل على موافقة، إبتسم وقال موجودة لكن لا نريد مواضيع حزبية فيها بل ثقافة عامة كما كانت نشرتكم. اتفقنا على الخطوط العامة وبعد أقل من إسبوع قدما مسودة النشرة كتصميم ومواضيع وغلاف وبعد أيام قليلة تم إنجازها عبر حاسوب بدائي جداً، كانت مواضيع ثقافية عامة وقصص قصيرة دون الإشارة لأي أسم منا وعلى ما يبدو كانت الغاية تثقيف الكادر الحزبي الذي لا يحمل ثقافة أصلاً. الطريف إنه بعد سقوط النظام عام 2003 تم إستدعاءنا أيضا من قبل المسؤولين الجدد لأجل إصدار جريدة خاصة بقضاء الخالص،ضحكنا كثيراً وضحك أحد الحاضرين وقال أعرف ما حصل لكم ويمكنكم تسمية الجريدة باسم( إقرأ) تعويضا عما تعرضتم له في الماضي، وفعلاً صدرت إقرأ لعدة أشهر ثم توقفت وتبين إنها كانت جزء من مشروع دعم أمريكي لعراق جديد. المهم نعود للمسؤول الحزبي الذي بدأ يعرفنا جيداً،ذات يوم من شهر كانون الثاني 1995 كما أظن طلبنا، قال مطلوب بحث عن العولمة ، قلت له ألأمر ليس بالهين يحتاج لوقت قال أعرف أمامكم حتى نيسان القادم لكن يجب أن أتسلم البحث قبل نهاية آذار، كان الوقت جيد فعلاً والمصادر بالنسبة لي متوفرة بحكم ما موجود لدي من مجلات وصحف عربية تصلني عبر البريد رغم الحصار،وفعلاً سلمت دراستي وهي عبارة عن تقريباً 16 صفحة وبخط جميل،ركزت على تبسيط هذا المصطلح دون الخوض في متاهات ووضعت أمامي نقطة مهمة إن هؤلاء ثقافتهم محدودة ونحتاج أن نبسط لهم ألأشياء. إتضح فيما بعد إن كادر الحزب لديهم دورة حول مصطلح العولمة وكان قبلي عدد المحاضرين ألقوا عليهم محاضرات كل حسب رأيه، كان دوري في اليوم الخامس أو السادس، كل المحاضرين ليس من بينهم من هو عضو، ألأغلب بين مؤيد ونصير وكلهم من الكوادر التعليمية والتدريسية،المهم دخلت القاعة في نقابة المعلمين وكان المسؤول يتوسط مسرحها وأمامه منضدة وكرسي آخر مكتوب أمامه الباحث، طلب مني الصعود وعرفهم بي،بدأت المحاضرة بلغة سهلة جدا وتلقائية لأنني حفظت ما كتبته كرؤوس أقلام، تمكنت من كسب إصغاءهم وتفاعلهم كانت لغتي بسيطة وأمثلتي واقعية وكلما أكملت فقرة فتحت باب المناقشة، عرفت إنهم كانوا خائفين من مصطلح العولمة الذي يجهلونه فالعولمة لديهم شريرة طالما إنها غربية المنشأ ،أحدهم سألني سؤال حقيقة تفاجأت به وهو هل تؤثر العولمة على سيادة الدول؟قلت له أنت سبقتني لأن المحور القادم حول هذه النقطة بالذات ولهذا سندخل هذا المحور،عرفت فيما بعد إن هذا الذي سأل قرأ بحثي لكنه لم يستوعب ذلك،قلت لهم أغلب دول العالم لا يمكن لها الحفاظ على سيادتها كاملة من جانب، ومن جانب آخر مفهوم السيادة وتعريفها يختلف من دولة إلى أخرى وأعطيتهم مثال على ذلك موجات الراديو التي تخترق أجواء الدول وتذيع ما تريد وتصل لمن تريد. إستنتجت إن محاضرتي هذه لاقت قبولاً كبيراً منهم خاصة عندما أعلمتهم إن مصادري ليست أجنبية بل صحف عراقية ومجلات أكاديمية عراقية هي ألأخرى،أحدهم قال الفرق بيننا وبينك إنك والذين قبلك من المحاضرين إنكم تطالعون الصحف والمجلات والكتب ونحن ملتهين بالواجبات الحزبية،ضحك الكثير منهم من هذا التعليق وبقيت أنا أنظر للمسؤول إن يشكرني وينهي المحاضرة لأشعل سيجارة سومر هي آخر ما عندي هذا اليوم . انتهت المحاضرة وخرجنا، صحبني المسؤول إلى سيارته وفي الطريق قال لي قبل أيام شاهدتك في المكان الفلاني،قلت له كان يوم جمعة إستاذ أنا أعمل عمالة في الجمعة والعطل فكما تعرف الراتب لا يكفي يوم واحد وهذا ليس تذمراً مني لكنه واقع. لم يعلق أوصلني بداية محلتنا ونزلت من السيارة .
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ذاكرة زمن الخوف (٥)
-
ذاكرة زمن الخوف (٤)
-
ذاكرة زمن الخوف (٣)
-
ذاكرة زمن الخوف (٢)
-
ذاكرة زمن الخوف (١)
-
لبنان بين الهدنة والسلام
-
مواصفات حاكم العراق
-
الإصلاح السياسي
-
حربٌ وهدنةٌ وحصار
-
اوربا بين الصين وأمريكا
-
اوربا بين أمريكا والصين
-
حرب بلا حدود
-
حربٌ بلا أهداف
-
طاولة مفاوضات وتغريدات حرب
-
مؤتمر ميونخ وأمن اوربا
-
صندوق ابستين الاسود
-
العالم على كف ترمب
-
نظام عالمي جديد
-
أوروبا والحماية الأميركيَّة
-
استثمار الموارد البشرية
المزيد.....
-
-بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي
...
-
-وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران
...
-
112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي
...
-
الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
-
رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
-
بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
-
تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
-
-خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد
...
-
بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|