أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 00:52
المحور: الادب والفن
    


يجب أن أستجيب لهمس البحر.
أحتاج النوم، كما أحتاج نسيم القنطاوي المشبع بالحنين لامرأة تقاسمتُ وإياها أيامي، وقاسمتني سنواتها.
عرفتْ ماذا أحب، وماذا أكره.
يوماً ما، من ربيع 1995، سألت:
هل تحبني؟
ضحكتُ حتى سمع صوت ضحكتي سعاة البريد.
أنا لا أحبك.
إذن تعشقني؟
لا، صغيرتي. إني أتنفسك.
أتنفس حروفك.
كلما أردت النوم بعد يوم متعب، أردد حروف اسمك سبع مرات، لعلي أحلم بك.
نويتُ أنام. نويتُ أردد اسمك سبع مرات كي أحلم بك.
كم مرة حلمتَ بي؟
قولي: كم مرة لم أحلم بك؟
دعيني أنام الآن، فالبحر لا زال يجلدني بهمسه.
لا، لا. لم أنسَ أن أردد حروف اسمك قبل النوم. هو طقسي الوحيد في عالم تشابكت فيه الطقوس وتغيرت عدة مرات.
دعيني أنام حتى لا يغضب البحر مني، فيرميني هناك في صحراء أتيه بها عشرين عاماً أخرى.
أسمع وقع أقدام في الشارع. أرى من النافذة خيوط الفجر.
لم أعرف أن الفجر يمشي هكذا. لم أره من قبل بهذه الصورة.
هناك، قرب بيتنا عند حافات دجلة، يأتي الفجر سباحة.
الشمس هنالك، عند أمي، تشرق من فوهة تنور الخبز، كأنها رغيف.
هنا الشمس تشرق بشكل آخر. خيوطها الأولى قُصّت من خصلة شعر امرأة قرطاج.
الشمس تشبهك، أنت.
جميل جداً فجر سوسة.
نائمة أنت، كعادة كل الأميرات.
هل حلمتِ بي؟ هل ترددين حروف اسمي قبل النوم، أم أنا وحدي أفعل هذا الطقس؟
أسمعك تقولين:
لا، أنا لا أردد حروفك. حروفنا متشابهة، أنسيت هذا؟
لم أنسَ. كيف أنسى؟
دعيني أنام قليلاً. البحر سيعاقبني كتلميذ لم يُنجز واجباته.
لم تقل لي، يا آخر البشر، ماذا بعد رقودنا تحت النخلة؟
قلت لها: دعك من هذا. لم يحن موعده بعد. دعيني أنام.
سمعتها تقول: لبيك.
فتحت عيني من وقع الكلمة: لما "لبيك"؟
قالت: نعم، تقولها امرأة لرجل من الرجال. "لبيك" تقولها امرأة لآخر الرجال، كما قالت أمنا.
نمتُ على "لبيك".
لا أدري كم رقدت، لكني متأكد إني اكتفيت من النوم.
الشمس تسللت أشعتها لتملأ شقة القنطاوي.
لم أعتد على شمس تشرق على سريري. كنت أخاف من لسعة حرارتها.
لكن هذه الشمس هادئة، لأن خيوطها نُسجت من خصلة شعر عادت إليها بالأمس قبل غروبها.
أعرف أعداد الفطور لنفسي. الحرب علمتنا نطبخ ولا ننسى وضع الملح.
كل المحاربين يجيدون الطبخ، كما يجيدون مغازلة النساء الجميلات. وكل النساء جميلات عند المحاربين.
حتى بائعات القيمر في البصرة. منهن تعلمنا كيف نغازل حواء.
لماذا لم تأتِ لي بقيمر هنا في سوسة؟
ربما نسيتِ، أو ربما تغارين من سعاد التي أكلت من يدها، قبل ثلاثين عاماً مضت، قيمراً وشاياً وخبز تنور حار بنصف دينار عراقي.
كان ألذ قيمر، مغموس برجفة يد مراهقة تلمس يد محارب في التاسعة عشرة من عمره.
محارب لا يجيد سوى مغازلة البندقية حين يحضنها، ويد بائعة القيمر المرتجفة.
طرقات خفيفة على الباب. أربع طرقات، هي إذن:
إصباااح الخير.
تونسية هذه "الصباح". لم تخرج من الشفاه هذه الكلمة، بل من شعر أسود جميل طري.
قالت: فطرت؟
قلت: سأفطر الآن.
قالت: نفطر معاً. أعرف إنك تحب القيمر والخبز الحار.
دارت عيناي في أرجاء الشقة، ونفدت صوب البحر القريب.
قلت: ماذا؟
ضحكت وهي تضع صحن القيمر والخبز الحار، وتذهب لإعداد الشاي المطحون بالهيل.
قلت: لماذا قيمر؟
قالت: قبل ثلاثين عاماً، كما قلت لي في رسالة يناير 1994، إنك تناولت القيمر مع بائعة عابرة اسمها سعاد، هنالك في البصرة، على بعد خطوات من خط النار.
قلت: كل الجنود فعلوا ذلك؟
قالت: وهل كل الجنود غازلوها؟
وضحكت بقوة وهي ترى وجهي الأسمر يرتجف، كأن الخوف ظلّي.
قلت: هي مرة واحدة؟
قالت: تعال، لا تخف. أتريد أن تأكل القيمر؟ شرط أن تلمس يدي.
قلت: بنصف دينار. قيمر وشاي وخبز حار ولمسة يد.
شعرت إني بريء، أو خُيّل لي إنها البراءة من تهمة ارتكبها مراهق نسي أنه محارب، وكتبها بغباء رجل شرقي لعاشقة له.
بيننا صحن القيمر والخبز الحار، ويد لمستها لم تكن يد بائعة القيمر، بل يد أخرى كنت أمسكها كل ليلة وأنا أردد حروف اسمها قبل النوم.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين
- حرب بلا حدود
- حربٌ بلا أهداف


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)