أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 23:26
المحور: الادب والفن
    


هذه هي سوسة التي عرفتها أول مرة عبر بطاقات البريد. كم كنت أحتاج أن أصل إليها، أن أرقد هنا قليلاً؛ بعيداً عن أصوات القذائف، وعن رائحة الخوف التي التصقت بأيامنا، وعن صور الموتى الذين كانت أشلاؤهم تتأخر أحياناً عن اللحاق بأسمائهم.
في أكتوبر من عام 1994 وصلتني منها رسالة تهنئة بعيد ميلادي. يومها أكملت عامي الثلاثين، لكنني لم أكن أحتفل بأعياد الميلاد، ولم أعد أتذكرها أصلاً وسط الجبال التي كنا نسميها جبهات، ويسميها الخوف وطناً مؤقتاً له.
لم تكن رسالة عادية. كانت مليئة بثلاثين كلمة: «أحبك».
ثلاثون كلمة حب لرجل بلغ الثلاثين، أرسلتها فتاة كانت قد عانقت ربيعها الثامن عشر للتو.
لم يقلقني فارق العمر يوماً. كنت أطول منها باثني عشر سنتيمتراً، وكنت أرى أن هذا وحده يكفي لإلغاء الحسابات كلها. حتى شعري الرمادي لم يزعجني. لا أحب أن أسميه أبيض؛ أحاول دائماً أن أخفف من قسوة الألوان.
قالت لي ذات مرة:
ـ عندما نلتقي يصبح فارق العمر صفراً، وتصبح كل الألوان بلون شعرك.
أعدت قراءة العبارة مرات كثيرة.
«عندما نلتقي».
هكذا ببساطة.
من دون أن تتعبنا الحدود، ولا المسافات، ولا خرائط العالم.
سهلة هي الأحلام، صغيرتي الجميلة.
كنت أكتب لها عن الحرب، وكانت تخاف.
وفي رسالة من صيف 1995 كتبت:
ـ أرجوك، لا تمت.
ضحكت وأنا أقرأها، ثم كتبت:
ـ مثلنا لا يموت يا صغيرتي، نحن فقط نرقد.
ردت سريعاً:
ـ وحدك؟
قلت:
ـ لو كنت وحدي لمت. أما معك فأنا أرقد.
سألت:
ـ وما الفرق بين الموت والرقود؟
فكتبت لها:
ـ الأموات يدفنون هناك، في وادي السلام، حيث يرقد جدنا علي. أما نحن فنرقد تحت جذع نخلة عند حافات دجلة، النهر الذي كانت أمي تقول إنه خرج من الجنة.
وفي رسالة تالية كتبت:
ـ إذن نرقد معاً.
قلت:
ـ نعم، لأن الرقود منفرداً موت، أما الرقود معاً فهو أسطورة.
سألتني:
ـ وكم نعيش قبل رقودنا الأخير؟
قلت:
ـ ألف عام.
وكان ذلك الرقم يضحكها دائماً.
ألف عام من الحياة، قالت.
وألف عام من الانتظار، قلت.
ثم تذكرت ما كانت أمي تقوله لي وأنا طفل:
«أنت أول بطن حملته، وحلمت يوماً أنك آخر البشر.»
ما زال البحر يرسل نسائمه إلى غرفتي عبر نافذة القنطاوي.
أشعلت سيجارة. بدا طعمها مختلفاً، كأنني أدخن هواء آخر لم أعرفه من قبل؛ هواء لا يحمل رائحة البارود.
تذكرت صديقي الطبيب حين سألته يوماً:
ـ هل أترك التدخين؟
فأجاب ضاحكاً:
ـ لا تفعل. أنت بلا سيجارة لا تعرف كيف تقرأ ولا كيف تكتب.
ضحكت يومها، وأضحك الآن أيضاً.
ثم تذكرت رسالة أخرى، كتبتها في مارس 1997:
ـ وصلتني رسالتك معطرة برائحة سجائرك.
فأجبتها:
ـ ذلك ليس دخاناً، بل بقايا عطر حاول الوصول إليك قبلي. وكم أغار منه.
عادت لتسأل:
ـ كم نلبث قبل الرقود الأخير؟
قلت:
ـ ألم أقل لك؟ ألف عام.
قالت:
ـ سأُنجب منك قبيلة كاملة.
ضحكت.
وأضافت:
ـ رجالها سمر، وبناتها بأنف ماسي يشبه أنفي.
قلت:
ـ قبيلة واحدة فقط؟
قالت:
ـ تكفي.
وأنا أرتشف قهوتي قلت:
ـ نعم، تكفي.
تكفي قبيلة تحمل أنفك الماسي، وتلك الخصلة المتمردة من شعرك، وتوزع جيناتك الجميلة على العالم.
ثم سألت:
ـ وماذا نسمي أبناءنا؟
قلت:
ـ البنات: عليسة، فاطمة، هاجر، مريم، سارة، خديجة.
قاطعتني:
ـ كثير.
فأكملت:
ـ والصبيان: كلكامش، علي، إبراهيم، عيسى، إسماعيل، محمد.
ضحكت وقالت:
ـ الآن فهمت لماذا نحتاج إلى ألف عام.
قلت:
ـ وبعد الألف عام يأتي الرقود.
سألت:
ـ وحدك؟
قلت:
ـ معاً.
ثم أضفت:
ـ نعيش ألف عام، وتنجبين قبيلة، وبعدها نرقد.
وكان البحر ما يزال يصغي إلينا من وراء نافذة القنطاوي.
بعد صمت قصير سألت:
ـ وهل تعرف في أي يوم نرقد؟
قلت:
ـ في اليوم الأول من الألفية الرابعة.
قالت:
ـ وأين؟
قلت:
ـ تحت نخلتنا عند حافات دجلة.
ـ في قبر؟
ـ لا.
ـ إذن أين؟
ـ في مخدعنا الأخير.
ضحكت.
أما أنا فكنت جاداً.
قلت:
ـ القبور للأموات. أما نحن فقد عشنا ألف عام معاً، ولا تليق بنا القبور.
قالت بصوت خافت:
ـ أكمل يا آخر البشر.
فقلت:
ـ في الليلة التي ينتقل فيها العالم من ألفية إلى أخرى، نجمع القبيلة كلها. نخبرهم أننا سنرقد أخيراً تحت نخلتنا. نوصيهم أن يتركوا لنا مخدعاً يعرفونه، ويعرف طريقه كل من يحب.
قالت:
ـ أما أنا فسأضع الحناء في يدي، والكحل في عيني، وأرتدي أجمل ثيابي، وأتعطر برائحة أنفاسك.
قلت:
ـ كل هذا من أجل الرقود؟
قالت:
ـ ألسنا معاً؟
ـ بلى.
ـ ويدك اليمنى في يدي؟
ـ كما كانت منذ ألف عام.
ابتسمت وقالت:
ـ إذن لماذا تسأل؟
ثم سألت:
ـ وماذا نفعل بعد الرقود؟
قلت:
ـ نجلس قرب نافذة مخدعنا، ننظر إلى القبيلة التي تركناها خلفنا؛ صبيانها سمر، وبناتها بأنوف ماسية. قبيلة تمتد من حافات دجلة حتى قرطاج.
في تلك اللحظة همس البحر.
أو خُيل إليّ أنه همس.
كان الفجر قد بدأ يلوح خلف الأفق، والليل يطوي آخر صفحاته.
سمعته يقول:
«أيها الرجل الغارق في الذكرى... ألم يحن وقت النوم؟



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين
- حرب بلا حدود
- حربٌ بلا أهداف
- طاولة مفاوضات وتغريدات حرب


المزيد.....




- -بنوبة قلبية-..وفاة الممثلة التركية إيجه إيرتم عن عمر 35 عام ...
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثاني.. انعطافة ترومان
- مهرجان روتردام للفيلم العربي يختتم دورته الـ26 بتتويج أبرز ا ...
- إنجاز مصري أبهر الإمارات.. ومحمد بن راشد يكشف تفاصيله
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الأول.. حلفاء -لا يمكن تصوره ...
- تاريخ البولشوي في إيطاليا.. البيت الروسي بروما يستضيف إرث ال ...
- في شارع المتنبي.. دكان المليون قلم يحفظ هوية الخط العربي
- متحف بوشكين يحتفي بالانطباعية.. جولة ثقافية كبرى في أربع مدن ...
- مناصفة مع ممثلة مغربية.. نيللي كريم تفوز بجائزة في مهرجان -ا ...
- رفضت كلمة -تابت-.. آثار الحكيم تتحدث عن اعتزالها وتنتقد فيلم ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)