أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (29)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (29)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 12:22
المحور: الادب والفن
    


بعد رحلة البحر الجميلة، العشاء لا يكلفك أكثر من أن تختار عند حافة المرسى رصيفاً عليه مطعم يمنحك حق طلب ما تشتهي، لا ما هو موجود.
العشاء خفيف، أليس كذلك يا حسووني؟
قلت: إنه عشاء من عبروا قيامة الحروب، قطعة بسكويت وقدح شاي ووجه امرأة أسطورية.
كانت تطالع المنيو. ذات مرة في بيروت كان المنيو لغزاً لي، فشعرت النادلة بذلك وقالت: تعالي معي إلى المطبخ وانتقي ما تريدين. ضحكت وقلت لها: هاتي ما يعجبك لي.
سمعت حنان تقول: ماذا تأكل يا حسووني؟
قلت: في العراق يا حناني نقول "كُل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس".
ضحكت وقالت: وأنت أنيق هذا المساء، قميص زهري، كاوبوي من زمن رعاة البقر، ووجه غسلته نسائم البحر. أرى كل نساء أوروبا الآن هنا ينظرن إليك.
قلت وأنا أستعدل في جلستي: أي شيء خفيف.
قالت: وإن جعت منتصف الليل كعادتك منذ عقود؟
قلت: أعرف أني أجوع منتصف الليل كأي طفل فُطم تواً، وحينها أفتح ثلاجتك وأنتقي منها ما أشاء.
قالت: إذن عشاء خفيف على ضوء قمر القنطاوي.
ألعاب نارية جميلة. شعرت برجفة وأنا أسمع صوتها، رجفة خوف. انتبهت هي وقالت: ما بك "خمسة وخميسه"؟ إنها ألعاب نارية، ليست تفجيرات، اطمئن.
قلت: عرفت الآن، لم نعتد عليها.
قالت: يعبرون عن فرحهم، وأنتم كيف تعبرون عن الفرح؟
قلت: نحن لا نملك سوى وسيلة واحدة نعبر بها عن فرحنا وحزننا.
قالت: واحدة لكليهما؟
قلت: إي... عندما نفرح نطلق النار ابتهاجاً بزفاف العروسين، بنجاح الولد، بفوز المنتخب. ونفس البندقية تعود لتُطلق أمام نعوش الموتى ونحن نودعهم إلى دار السلام الأبدي.
قالت: لأن الحرب منحتكم بنادق كثيرة.
سمعت مجدداً صوت إطلاق الألعاب النارية، عادية لا خوف منها. نظرت إلي وقالت: برافو حسووني، لم يرتجف كتفك ولم تخف.
قلت: مرات أشعر أن الخوف طقس أحياناً. نحن في العراق، أخاف أن نموت من الفرح، أخاف أمي لا تقبل، أخاف يحسدوني، وأخاف... وأخاف... كثير هو خوفنا.
هذه المرة نادلة تضع شاشية، تمارس دور الحضارة. لم أفهم من حديثهما كلمة سوى "يعيشك" الأخيرة، لكنها شرحت لي ماذا طلبت لعشاء تحت حافة قمر القنطاوي.
قالت: تجيد الطبخ؟
ضحكت وقلت لها: جيل الحرب تعلم الطبخ بدرجات متفاوتة. في إجازاتي كنت أدخل المطبخ أتعلم كيف "توشل" أمي الرز، فكانت تضحك مني وتقول "مسعدة اللي تتزوجك".
اقتربت منا امرأة، وضعت أمام كل منا وردة بغصن ومضت إلى الطاولات الأخرى.
نظرت حنان إلي وقالت: الياسمين مرة أخرى.
ناولتها الوردة، "ميغسي" يا رباه، أعيديها بحق الآلهة.
ضحكت بقوة سمعها القمر فازداد ضوءه.
قالت: أعيدها بشرط أن تقول "يبوو"
فضحكت أنا هذه المرة بقوة.
وضعت دينارين معدنيين بدل وردتين، جاءت المرأة أخذتهما وابتسمت كأنها تقول شكراً.
قالت: كيف عرفت أنها مقابل مال؟
قلت: هذا ليس مقابلاً، هذا "ميغسي" عراقي. في المدن المهذبة الجميلة لا يتسول الناس، يمنحون ويُمنحون، عطاء مقابل عطاء. نحن نحتاج الياسمين على طاولتنا وبين أيدينا، وهي تحتاج دينارين كي يبقى الياسمين يطرح عطره علينا.
جاءت النادلة بطبق لكل منا، فيه سندويش ملفوف بورق أنيق يصلح أن يكون ورق رسائل تعبر القارات.
فتحت الورقة بهدوء، كأني ألمس رسالة انتظرتها طويلاً، وكانت حنان تراقب حركاتي.
قالت: أعجبك السندويش؟
قلت وأنا أكمل ما بيدي: بل الورقة الأنيقة التي كنت يوماً أحلم أن أكتب بها رسالة إليك.
قالت: ليس المهم نوع الورق، بل ما يُكتب عليه. أوراق رسائلك كانت أجمل، سمراء مثل أصابعك، زهرية مثل قميصك، حملت لي ارتجاف أصابعك وعطر سجائرك ورائحة تنور الخبز.
قلت: لذيذ هذا الأكل "عاشت إيدك".
قالت: "صحتين"
قلت: يعني "عوافي" بالعراقي.
هزت رأسها وهي تصل إلى نهاية ما بيدها من أكل.
قالت: اشرب العصير، لا شاي هنا يُقدم للسواح. أنت بحاجة لجولة مسائية في القنطاوي، أعرف أنك تحب المشي.
كانت وردة الياسمين في جيب قميصي، كأنها جواز آخر وتأشيرة أخرى. متاجر كثيرة تبيع أشياء لا تصلح إلا هنا، قرب البحر.
لم نبتعد عن المطعم سوى خطوات، حتى جاءت النادلة مسرعة تحمل بيدها علبة سجائر وولاعة نسيناها على الطاولة.
أخذتها حنان منها وأخرجت سيجارة وضعتها في فمي، طق... ولاعة. للمرة الثانية أتنفس سيجارة بنكهة الياسمين وأنفث عطرها قرب القمر.
لماذا نسيتها يا حسووني؟
قلت: هي من نسيت أن تأتي، هذه العلبة والولاعة سمعهما ثقيل، لهذا عندما قلت لنذهب لم يسمعا ذلك.
التجوال هنا يد بيد، كتف بكتف، وشعر يتطاير بهدوء، ببراءة أحياناً وبصخب أحياناً. شعرت أني أقترب كثيراً من مغادرة كل الخوف الذي استوطنني عشرات السنين.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلاً، الناس تزداد ازدحاماً، النافورة الراقصة تعيد عزفها على أنغام "أشهد إن لا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنت... واحتملت حماقاتي".
كانوا يرقصون مع لحنها الجميل، وكنت بحاجة أن أراقصها كما تمنيت ذلك.
كان الليل قد انتصف، ومنذ دقيقة بدأ يوم جديد.
قالت: لنعد، أنت بحاجة لقدح شاي تعودت عليه.
قلت: لا أحتاجه.
قالت: لكني أحتاج قدح شاي من إبريق أنيق عليه بصماتك أنت وحدك. هيا نذهب، اعمل لي الشاي وأعدك أن تحقق الأماني.
قلت: أي أماني يا صغيرتي؟
قالت: أن تراقص امرأة حملتك عشرات السنين، تراقصها أمام القمر والبحر، تراقصها في شرفة تطل كل جهاتها على فضاء البحر.
قلت: كل هذا بكوب شاي؟
قالت: شاي بالهيل، بقدح أنيق لم يكن يوماً معبأ بجبن مستورد.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق


المزيد.....




- ألحان من تحت الركام.. الموسيقى سلاح أطفال غزة لمواجهة الفقد ...
- أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
- انطلاق مسلسل -الأشرعة القرمزية- بتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر ...
- مصر.. الشؤون الإسلامية ترد على تصريحات يوسف زيدان بعد تشكيك ...
- أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل ...
- الثقافة السورية تلغي حفل الفنان شادي جميل في دار الأوبرا بدم ...
- مايكل جاكسون.. كيف يتحول الفنان بعد رحيله إلى كيان استثماري؟ ...
- غاريفولينا تؤكد استحالة إقصاء الأوبرا الروسية من الساحة العا ...
- الأوسكار تدعو مئات الشخصيات للانضمام إليها.. هؤلاء أبرزهم
- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (29)