أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 08:44
المحور: الادب والفن
    


هل تشرب قهوة الصباح؟
قلت لها: من يدك؟ نعم، أشربها.
قالت: كيف كان نومك؟
قلت: مثل فطوري؛ قيمر وشاي وخبز حار.
ضحكت وقالت: ولمسة يد؟

سألت: أين تحب أن تقضي ساعات الصباح هذه؟
قلت: عند جارنا هذا، وأشرت نحو البحر المطل من النافذة.
قالت: من حق الجار أن يزور جاره.
قلت: هو زارني فجراً؛ حمل لي نسائم ليست كالنسائم.

كانت تعيد ترتيب السرير. ياه، لا أريد أن أتعبك؛ لم أعتد أن يُرتّب سريري منذ ماتت أمي قبل سنوات.
قالت: وكنت تتركه كما هو؟
قلت: لا؛ كانت خصلة شعر.
ضحكت وقالت: وهي الآن تفعل ذلك.

عليك أن تغيّر ملابسك ريثما أرتب الأطباق في رف المطبخ؛ كل شيء سيكون جميلاً عند جارك الجديد.
قبل أن نخرج سألتها: هل أحمل جواز سفري؟
قالت: لا؛ فقط علبة سجائرك، فهي هويتك.

لم يكن الشاطئ بعيداً؛ كنا نمشي خطوات بطيئة. الشوارع فارغة في الصباح. لماذا؟
قالت: القنطاوي ينام فجراً ولا يصحو إلا قبل الغروب؛ لهذا سنكون مع البحر وحدنا.

ها هو البحر، كأنه يفتح موجاته التي تشبه ذراع أبي حين أعود مجازاً أيام الحروب. يا الله، كم هو الشبه كبير.
كانت هي تمسك يدي؛ لم أعتد على ذلك إلا في أحلامي.
هل شاهدت بحراً من قبل، حسووني؟ يالله... كم قاسية أنت بتغنجك هذا؟
قلت: لم أرَ مثله؛ البحار لا تتشابه إلا عندما نكون معاً عند شواطئها.

استدارت برأسها نحوي كأنها تريد احتضاني؛ شعرت بذلك، فضغطت بيدي على يدها كأني أقول لها: لنواصل صوب أول موجة قادمة نحونا؛ علينا أن نغسل أقدامنا فيها.

سمعتها تقول لي: في رسالة يوليو 1994 طلبت مني أن أكتب اسمك على رمال البحر.
قلت: إي، ووصلتني صورة بكاميرتك فيها اسمي بلون الرمل.
قالت: تعال نكتب معاً أسماءنا على الشاطئ... هنا أفضل؛ الموج هادئ.

أخذت إصبعي من يدي وكتبت، وقلت لها: انظر كم جميل.
قالت: هذا اسمي؟
قلت: هو بالسريانية، لغة آدم؛ تعلمتها من نائب العريف يوشع حنا الذي كان معنا في حرب السنوات العجاف. وهذا اسمك بالعربية والإنكليزية والفرنسية والأمازيغية؛ كنت أكتبه بعد 2003 كل يوم على حاسوبي لعلي أجدك.

كانت دموعها أمام البحر صلاة أخرى لم أعتد أن أصليها، لكني معها سأصلي جماعة.
قالت: هل فعلت كل هذا باسمي؟
قلت: إي، إي... فعلت أكثر. انظر كيف تخشى هذه الموجة الاقتراب من اسمك المتعدد اللغات؛ دعك من اسمي الآن، انظر فقط لتلك الموجة التي تصلي صلاة الأسماء.

قلت: لنجلس عند حافات الموج الهادئ.
قالت: تتسخ ملابسك بالرمل.
قلت: أعرف، لكن أمي لن تحاسبني؛ بل ستفرح لأني أجلس هنا حيث حلمت بذلك. هيا، تعالي؛ الموج يداعب قدمي.

قالت: لماذا لا تشعل سيجارة؟
قلت: لا؛ أمام الآباء لا ندخن.
طوّقت بذراعيها رقبتي، كأنها تطلب شيئاً أشبه بالحلوى.
قالت: أيحق لي أن آخذ قبلة وعدتني بها في رسالة ربيع 1994 عندما نجحت في المدرسة؟
قلت: ألم تصلك؟
قالت: لا؛ ربما طمع بها ساعي البريد، وضحكت.
قلت: أمام البحر، أبي؟
قالت: بلى؛ الآن شعرت إنها استعادت حقاً مسلوباً، أو ضائعاً، أو مسروقاً. هذه هي صغيرتي التي ترفض أن تكبر.

ليس لديكم بحر.
قلت: لدينا دجلة التي تقسم مدينتي نصفين بعدة جسور؛ في مدينتي سبع أنهر تعلمنا فيها السباحة ونحن صغار جداً، وعرفنا إن هذه الأنهر من ذرية دجلة.
قالت: هل سبحت في دجلة؟
قلت: بعمر ثمانية عشرة سنة، كنت في دورة القوات الخاصة؛ قفزت من ارتفاع كبير من جسر الصرافية في دجلة. كانت القفزة مع خيوط الصباح الأولى؛ تجمهر الناس ينظرون لنا. قفز قبلي كاكا عبد القادر الكردي من السليمانية، وقفز بعدي سلو اليزيدي القادم من سنجار. فرحنا كثيراً عندما وجدنا الناس ينظرون لنا بفخر.
قالت: ألم تخف؟
قلت: من يخاف من أمه؟
شعرت إنها سرقة على حين غرة؛ بوسة مرصوصة من خد أسمر خرج للتو من دجلة.

قالت: وهل قفزت ثانية؟
قلت: نعم؛ بعد يومين من ذلك كنت مع عبد الجبار المندائي من العمارة، وفهد من الأنبار، وبولص حنا بولص من الموصل؛ كل منا قفز مرتين. كنا محظوظين لأننا رأينا الناس عند الشاطئ مرتين.
قالت: أنت قلت لي في رسالة فيفري 1995 إنك وجدت بولص في بغداد يعمل سائق تاكسي وعرفك جيداً؛ هو نفسه؟
قلت: هو؛ المحاربون معاً لا ينسون، وحدهم لهم ذاكرة ماسية كأنفك هذا.
كان إصبعي يداعب أنفها الماسي الذي لا شبيه له.

بدأت الشمس تبدو حارة في جوان تونس الرطب؛ كان علينا مغادرة الشاطئ.
قالت: أأعجبك البحر؟
قلت: طالما نحن معاً، كل الأشياء جميلة .



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين
- حرب بلا حدود


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)