أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(28)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف(28)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:33
المحور: الادب والفن
    


الساعة الخامسة زوالاً، كما يقولون في تونس، يرن هاتفي. إنها حنان.
هل أنت جاهز؟ قلت: في أتم الجاهزية.
قالت: أشرب معك شاي العصر، كما اعتدت أن تشربه في مقهى أبو عليّه.
قلت: جاهز، وبالهيل.
دقائق قليلة، وكنتُ وإياها مع شاي العصر؛ طقس عراقي ثابت عند الأمهات وحتى الآباء. ليس الشاي وحده، معه كعك، أو كليجة، أو كيك.
قالت: ننطلق الآن لنكون في البحر؟
قلت: هيا. المرسى على بعد خطوات قليلة، وقارب كبير لا يشبه عبارات شط العرب. رجل ستيني يقوده بهدوء المحترف. لم تحمل إشارات عيونه أسئلة من أكون. هو يعرف إنني سائح سأدفعه في نهاية الرحلة ما يستحق من الدنانير التونسية التي صارت الآن في جيبي، بعد أن نجحت في تصريف العملة. يبدو أنه يتسع لأكثر منا نحن الاثنين. نظر الرجل كأنه يقول: ننتظر الباقين؟ أم ننطلق؟
بادرته قائلاً: لِمَ السؤال؟
سمعته يقول: عشرة ركاب وليس اثنين. هي آخر رحلة لي اليوم، وأعود لبيتي.
لم أنتظر تدخلاً منها وقلت: نحن العشرة، انطلق.
هدير المحرك، وحركة القارب، والمكان الفسيح فيه، جعلنا في مقدمته بعيداً عن السائق.
قلت لها: جميل، ونحن في البحر الذي يختلف كثيراً عن الصور التي شاهدتها.
قالت: أنيق، ملابسك تتلاءم مع البحر.
هدأ صوت المحرك، كنا بعيدين عن المرسى. هواء عذب، وطقس يصلح أن يعيشه الشعراء ليكتبوا، أو يكذبوا، لا فرق.
توقف القارب كلياً، أمواج خفيفة تلاطفه، أو تغازله، كما تغازل السيجارة الشفاه التي تتنفسها. اقترب الرجل منا، قدم لنا عصيراً كان يحمله في ثلاجة صغيرة جداً.
قلت له: شكراً جداً.
قال: ليبي؟
قلت: لا... عراقي.
بُهِت الرجل، كأنه سمع البيان رقم واحد بصوت متقطع.
قال: عِراقي... عراقي؟
قلت: عراقي أغاتي والله.
أسرع إلى مكانه كأنه يحاول أن يفعل شيئاً. شغّل مكبرة الصوت، وسمعنا معاً: كلي يا حلو منين الله جابك... خزن جرح قلبي من عذابك.
عاد إلينا مسرعاً وترك الغزالي يتساءل بدلاً عنه.
قال: أول عراقي وعراقية في قاربي منذ أربعين عاماً.
قلت له: شكراً جداً... منين الله جابنا، من العراق.
قال: هاربين من الحرب؟
قلت له: لا، نقضي إجازة ما بعد الحرب. أية حرب يا رجل؟ انتهت الحروب كلها. نحن في البحر.
قال وهو يضحك: مرحباً بك.
كانت حنان تنصت، لا تريد أن تتكلم. ربما أغراها لقب "عراقية" ولا تريد أن تفقده وهي في البحر. الرجل احترم خصوصية من معه، تركهما وجلس خلف المقود. سار القارب ببطء، كأنه يمنحنا حق الكلام وحق التمتع بهذا البحر.
معاً أدخلنا حافات أصابعنا في موجة ضربت القارب بخفة مطرٍ لا زال يحبو صوب الأرض.
قالت: ها، شلونه البحر عيوني؟
قلت لها: بالعراقي نقول "يبوووه". عيديها أيتها المتغنجة بالحروف، لم أسمع نغمة صوت كهذه.
ضحكت هي بصوت عالٍ كأنها لم تضحك من قبل. وضعت يديها على كتفي. ما بين رأسي وشعرها نسمة من بحر.
همست: شلووونه البحر حسووني؟ هذا ليس بسؤال، بل موجات من بحر تتلاطم عند حافات وجهي مرة واحدة.
قلت: أنتِ أجمل ما في البحر.
قالت: ألم أعدك في صيف 1994، في رسالة قصيرة، إنني حلمت إننا في البحر؟
قلت: أتذكر. تلك الرحلة التي نحققها اليوم بعد ثلاثة عشر عاماً. مالك القارب لم يكن موجوداً حينها.
كانت الشمس تستأذن البحر لتغادر إلى مكان آخر ينتظرها، أو ضربت معه موعداً مسبقاً. تحرك القارب صوب المرسى. ظلت هي ممسكة بيدي، ونحن ننظر للشمس. غروب هنا، شروق هناك. لم أعش لحظة كهذه التي أراها اليوم.
رسا القارب، اقتربت من مالكه. كانت لوحة أسعار معلقة خلفه، قرأت منها كم يجب دفعه.
غادرت الشمس المرسى المزدحم بالناس، والمقاهي المتجاورة، ونافورة ملونة تتراقص على أنغام: زيدني عشقاً زيديني. هؤلاء يحبون ناظم الغزالي وكاظم الساهر.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي


المزيد.....




- وداعًا -ليلو-.. وفاة الممثلة ديفي تشيس عن عمر ناهز 35 عاماً ...
- أكثر من مجرد مهرجان.. كيف يجمع -موازين- الموسيقى وكأس العالم ...
- الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة: مخرجات الحوار الم ...
- ديمة قندلفت تسرق الأضواء بأدائها الغنائي.. وتُكرَّم في روترد ...
- كيف تُصنع نجومية “الإندي”؟ فضيحة تكشف التلاعب بترندات الموسي ...
- 48 منتخبا و96 لحنا.. الموسيقى ترسم هوية جديدة لكأس العالم 20 ...
- السيادة اللغوية والمعرفية: قراءة في مقدمة محمود شاكر لـ -الظ ...
- حين تحترق الكتب.. الحرب على ذاكرة بيروت الثقافية
- -لبنانية أمًا عن ست-: مسرحية نسوية عن لبنان بحلوه ومرّه
- أنجلينا جولي تعود.. حين يتحول الألم الحقيقي إلى فيلم في -كوت ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(28)