أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


يمتد بصري داخل سوق سوسة، طويلاً ممزوجاً بين جدران قديمة تحاكي تاريخ المدينة، وأخرى لا تزال رائحة الأسمنت تنبعث منها. أغلب السائحين هنا يبحثون عن ذكرى يحتفظون بها. جميل هذا، قدح مزخرف عليه شاطئ سوسة، وكلمة "Sousse" بالإنجليزية كما يقول التوانسة. يصلح لشرب الشاي والحليب. أفكر أن أضعه في مكتبي الجديد في مدرسة مصطفى جواد التي نُقلت إليها قبل سفري، ولن أباشر بها إلا مع بداية العام الدراسي الجديد.
قالوا: "تدوير إدارات". يخشون من دكتاتورية المدير؛ من أمضى خمس سنوات يُنقل إلى إدارة مدرسة أخرى. تدوير دكتاتور.
السموأل تبعد عن بيتي رصيفاً، ومصطفى جواد يفصلني عنها السوق. ليست بعيدة، لكنها أول مدرسة تأسست في الخالص أيام العثمانيين. سموها "دلتاوه"، اسم الخالص القديم. ربما كانت مدينة أو ناحية كبيرة. الخالص نهر يمتد على عرض المدينة. وعندما زار الوصي عبد الإله الخالص، تبرع مشكوراً بإعادة بنائها، فكانت أول بناية بطابقين في الخالص. سموها مدرسة الأمير عبد الإله. سقطت الملكية، فتغيرت الأسماء، وأصبحت "الفتوة". سقطت الجمهورية الأولى، وقُتل عبد الكريم قاسم، ولم يغيروا اسمها، ربما نسوا ذلك، ثم تذكروه بعد سنوات. أُعطيت اسم العلامة الكبير مصطفى جواد، عالم اللغة العربية التركماني، ابن الخالص، وبقي هذا الاسم هويتها.
من أكون أنا لأدير مدرسة تحمل ثقل هذا الاسم الكبير؟ صحيح أنني كنت آخذ عشرة من عشرة في الإملاء، لكن ذلك لا يكفي لأكون مديراً لمدرسة عاصرت سلاطين وملوكاً وأمراء، وحربين عالميتين، واحتلالين، وعديداً من الانقلابات التي زيفها التاريخ فسماها "ثورات". انقلابات العسكر ثورات!
سآخذ هذا القدح المزخرف، قطعتين: واحدة لي في المدرسة، والأخرى هناك عند طاولتي في غرفتي. قد أعطش منتصف الليل فأجده عند حافة سريري.
بائعات... عليك ألا تغازل البائعات. كيف أشتري إذن؟ لا أعرف، سأغامر.
أعجبني هذا "التشيرت"، قماش ممتاز، يختلف عن تلك "التشيرتات" النايلون التي تعج بها أسواقنا هناك. ألوان جميلة، تليق بي؟ أمي تقول إنك تجيد التسوق. أخذت منها أربعة. صيف العراق طويل، يمتد من نهاية الشتاء حتى بدايته. لا فصول لدينا: صيف ثم صيف ثم صيف، ويأتي الشتاء أخيراً.
بائعة لن تسألني من أكون، وإن سألتني فلن أجيب. كانت تتفحصني عن قرب، كأنها تحسب قيمة ما سأشتريه. في الطرف الآخر من المحل قمصان. تذكرت أنني قضيت سنوات الحصار بقميص واحد، ثم نجحت في شراء آخر من "البالة" بدراهم معدودة. هذه القمصان أيضاً أنيقة، "نص ردن". كم آخذ؟ أربعاً، على عدد حروف اسمي.
ظلت البائعة تسير بمحاذاتي، كأنها تقول: زبون من الأغنياء. تظنني هكذا.
أربطة عنق فرنسية، كما هو مكتوب عليها. عندي واحدة ألبسها مع قمصاني مهما كان لونها. اتضح لي أن لكل قميص لونه المناسب. اخترت قميصين رسميين، وساعدتني هي في اختيار ربطة العنق الملائمة لكل منهما.
كانت القطع كثيرة بين يدي. وضعتها على طاولة وقفت خلفها، وأمامها حاسوب صغير. كنت أسمع مع كل تأشيرة على تشيرت أو قميص أو رباط: "طن". ثم خرجت ورقة طويلة، فيها فاتورة الأناقة التي ركضت إليها.
قلت: ـ كم؟
قالت: ـ أربع وستون ديناراً.
هذا ليس مبلغاً، إنه عام ميلادي.
ناولتها سبعين ديناراً: ثلاثاً من "أبو العشرين"، وواحدة "أبو العشرة". أعرف أنها ستعيد لي الباقي. لكنها ذهبت صوب رف مررت من أمامه ولم أتوقف عنده، وجلبت زجاجة عطر بالياسمين، وضعتها مع الحاجيات في كيس أنيق يحمل اسم المحل.
قالت: ـ العطر هدية لأن مشترياتك تجاوزت الستين ديناراً، خذ الباقي.
قلت: ـ شكراً جزيلاً.
خرجت من المحل، ويداي تمسكان بالحاجيات. كان النهار يقترب من منتصفه. يجب أن أعود الآن إلى القنطاوي. لمَ لا أتصل بجمال؟ حتماً هو الآن ينتظر رنة هاتف وأجرة جديدة.
رن الهاتف.
قال: ـ وي؟
قلت: ـ أنا العراقي، انتظرك حيث نزلت صباحاً.
قال: ـ فما مشكل، أنا قرب المكان.
فعلاً، لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى توقفت السيارة الصفراء. فتحت الباب، وضعت الحاجيات بين رجلي، وانطلقنا نحو القنطاوي القريب جداً. عرفت أن أجرة التكسي ثلاث دنانير تونسية، ولا داعي للعداد.
فتحت الباب، وضعت الأكياس فوق الطاولة. كانت الساعة تقترب من منتصف النهار. هنا في تونس قد يكون موعد الغداء الثانية بعد الظهر، أما نحن في الخالص فبعد أذان الظهر يكون موعدنا مع صينية الغداء.
لست جائعاً. أعرف أن في الثلاجة عصير مشمش وقطعة كيك. أحتاجهما الآن، وأحتاج سيجارة لم أدخنها منذ شربت القهوة مع فيروز والنادلة العشرينية.
رن هاتفي.
سمعتها تقول: ـ ها وين إنت، حسوني؟
قلت: ـ للتو رجعت للقنطاوي.
قالت: ـ سيكتمل الغداء وآتي به إليك.
قلت: ـ يعيشك.. أنتظرك.
قالت: ـ تفرجت على السوق والمدينة وركبت تكسي؟
قلت: ـ وشربت قهوة في مقهى.
قالت: ـ صحتين، وماذا بعد؟
قلت: ـ أشياء كثيرة، بس لما تيجي وأنا أحكيك على اللي جرى.
قالت: ـ يا عيني على عُلية.
ضحكة نقلتها تكنولوجيا ما بعد رسائل الورق والحمام الزاجل.
قلت: ـ أشم رائحة كسكسي بالدجاج.
قالت: ـ إي، انتظره ساعة عندك.. باي.
لذيذ عصير المشمش هذا.
أشعلت السيجارة، وفتحت موبايلي، وبحثت في اليوتيوب عن ياس خضر. منذ يومين لم أسمع صوته:
"إعزاز عدنه مدللين احباب گَلبي إعزاز عدنه وياهو ينكر رمش عينه وياهو أگرب من جفن للعين لينه يا عشگهم هيل ما عبرت سنينه شما يمر بينا العمر يكثر حنينه"
كنت مستلقياً على السرير، أواصل سماع ياس خضر:
"ويا وفاهم وردة وتفوح بعطرهه مدللين ويلوگ لأحبابي الدلال وشوگهم نسمة جنوب وسيرَت لأهل الشمال والعتب بشفافهم ود وحنين مدللين احباب گَلبي مدللين"



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)


المزيد.....




- دبي تحتفي بصناع التغيير بحضور سوري لافت
- في المكسيك.. عشق غريب للثقافة الكورية حتى لحظة مواجهة كأس ال ...
- العلاقة بين اللغة والثقافة وأثرها في تشكيل الهوية وبناء المج ...
- أبرز 5 خلاصات.. كأس العالم 2026 يفتح ملفات السياسة والاقتصاد ...
- تشوهات نفسية وجسدية في -أصل الأنواع- تكشف معاناة الإنسان الع ...
- اكتشاف آثار فريدة في المكسيك تعود إلى ما قبل الحقبة الاستعما ...
- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)