أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (32)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (32)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 17:20
المحور: الادب والفن
    


هيا أوصلك لسوق سوسة.
قلت: لما لا أذهب وحدي مع سائق أجرة؟
قالت: "عفية" حسوني، كبرت، لم تعد تخاف، سعيدة بقرارك هذا.
شعرت كأني أخذت عشرة من عشرة في إملاء من نوع خاص.
قالت: اكتشف المدن، وعندما نلتقي عند صحن الكسكسي بالعلوش احكِ لي.
قبل أنسى، سيارات الأجرة صفراء اللون، تقف في بداية القنطاوي.
حملت حقيبتها اليدوية وخرجت، نفسُه القميص الزهري مرشّحاً بقوة لأن يمضي معي في رحلة سوسة السوق.
الساعة اقتربت من الثامنة صباحاً، الشوارع فارغة أو تكاد، وحدي أسير نحو سيارة صفراء اللون، يقف بجوارها رجل بنظارات طبية، ليس كبيراً، يبدو إنه أصغر مني قليلاً.
قلت: صباح الخير.
قال: "إصباح الخير"، هل تحتاج سيارة أجرة؟
قلت: نعم، سوسة، سوق سوسة.
قال: تفضّل.
فتحت الباب المجاورة للسائق، شاهدت عداد الأجرة، انتبه الرجل لنظراتي.
قال: مرحباً بك، لا نحتاج تشغيل العداد، المسافة قريبة "برشا"، لكن لو أحببت أشغله، من وين؟
قلت: العراق.
خفّف السرعة، قال: العراق؟
قلت: نعم.
أغلق عداد الأجرة.
قلت: لما فعلت هذا؟
قال: أنت أول عراقي يركب في سيارتي.
قلت: شرف لي، لكن أعد تشغيل العداد وإلا أنزل.
مرة ثالثة، أول عراقي، ليتها كانت معي لتسمع وتسكت، كعادة الذين يمنحون أوسمة استحقوها عن جدارة.
قال: سائح؟
قلت: إي، أقضي إجازة.
قال: "شنو أحوالكم؟" "لا باس".
قلت: بخير.
قال: هل تحب أن أبقى معك في السوق؟ لا تخف، العداد يتوقف عندما أترك السيارة جانباً.
ضحكت وقلت له: لا، أظل وقتاً طويلاً في السوق.
قال: خذ رقم جوالي، متى تحتاجني اتصل بي، أنت في أي "نُزُل"؟
قلت: لست في فندق، شقة صغيرة عند المرسى.
قال: أفضل من الفنادق، معك العائلة؟
قلت: وحدي.
فعلاً المسافة ليست بعيدة، حفظت رقمه في جوالي.
قال: اكتب اسمي، جمال.
أشار لي لمدخل السوق، توقفت السيارة، العداد يقول ثلاثة دنانير. وضعتها بيده، أعادها مرات عديدة، تركتها بيده ووعدته أن أتصل به.
السوق هادئ، لا صخب في المدن الجميلة التي تحتفظ بأناقتها، مدينة بمرتبة سفير، يقطنها الغرباء أكثر من سكانها. تتجول في أسواقها لغات ولهجات عديدة، الباعة والبائعات يجيدون عدة لغات، يتعلمون اللغة من أجل سائح واحد جاء من ميونخ، يتعلمون لهجة الخليج وليبيا.
في مقهى جزء كبير منه رصيف، طاولة فارغة بين عدة طاولات جلس عليها غرباء مثلي، أو عمال ينتظرون من يطلبهم، جلست أحاول أن لا أكون غريباً، عيناي تلتفتان حول المكان، أتفصّح الوجوه، حركة الناس، تفاصيل يوم سوسة يبدأ هنا.
اقتربت مني فتاة عشرينية تحمل بين يديها قصاصات ورق مثل التي أضعها على مكتبي في مدرسة السموأل.
قالت: صباح الخير.
رفعت رأسي وتذكرت أني ممنوع من أن أقول كلاماً جميلاً.
قلت: صباح النور... ممكن فنجان قهوة وماء؟
قالت: أي نوع من القهوة؟
كيف لي أن أواصل الحديث مع تلك العشرينية؟
قلت: قهوة الصباح التي يرتشفها أي تونسي وهو يشعل سيجارة.
لم تقل شيئاً، عادت تحمل طلب الزبون الذي لا تعرف من أي ولاية.
قبل وصولها لطاولتي كانت حنان تتصل.
تتساءل: ها "وينك"؟
قلت: في مقهى عند ناصية رصيف بداية السوق، لا تقلقي، أنا في سوسة "مو" بغداد.
بغداد، كلمة سمعتها نادلة المقهى وهي تضع فنجاني أمامي وقدح ماء، شعرت إنها تسمع بغداد لأول مرة، رغم إنها سمعتها آلاف المرات من قنوات الفضاء الكثيرة التي تكرر يومياً مئات المرات أسماء المدن العراقية مصحوبة بالحرب، مدن كان قدرها أن يعرفها العالم من نوافذ الحرب الكثيرة.
سمعت من داخل المقهى موسيقى أعرفها، أسمعها كل صباح في غرفتي التي بناها لي أبي البنّاء قبل أربعين عاماً ونيّف عندما كنت سأصبح معلماً بعد عام، كانت هدية تخرّج ابنه البكر، فكّرت أمي أن تزوجني فيها لتجلب من يساعدها في أمور البيت، نحن عشرة أشقاء وأخت.
موسيقى خرجت للتو، موسيقى فيروز، الرحباني:
بغدادُ والشُّعراءُ والصُّوَرُ
ذَهَبُ الزمانِ وضَوعُهُ العَطِرُ
يا ألفَ ليلةٍ يا مُكَمِّلَةَ الْأَعْراسِ
يَغسِلُ وجهَكِ القمرُ...
وجهت نظري صوب مدخل المقهى، كانت تقف تنظر لي، ابتسمت، فهمت منها إنها ترحب بي بصوت فيروز، ربما خانتها الكلمات لترحب بنفسها فتركت فيروز تتحدث نيابة عنها. كنت بدأت أرتشف القهوة، القهوة لا تشرب دفعة واحدة، بل ترتشف بهدوء.
تواصل فيروز: لم يُذكَر الأحرارُ في وطنٍ إلا وأهلُوكِ العُلى ذُكِروا.
هي نادلة ذكية، أكيد تجيد لغات عديدة، لكنها لا تتقن لهجة العراق، أشرت لها كأني أقول: كم الفاتورة؟
وضعت أمامي ورقة عليها رقم، وتركتني صوب زبون جلس للتو قرب طاولتي.
السوق طويل، كبير، بعض ما فيه يناسبني، وبعضه الآخر غريب لم أره من قبل.
توقفت عند بائع شاب يعرض نظارات شمسية، تذكرت إنني لم أجلب معي نظارتي السوداء، أسرعت نحو واحدة تشبهها.
بكم هذه؟
قال: ديناران.
معي عملة معدنية لدينار واحد، أمتلك منها ما يكفي.
احتاج "شفقة"، "كاسكيته" بيضاء أو حمراء هي هوية السائح عند ساحل البحر، هنا يعرضونها بعدة ألوان.
بائع داخل المحل يشرب قهوة الصباح، انتظرت حتى يكملها، لا أريد أن تبرد بسببي، شعر هو بهذا وهو ينظر لزبون من حافة فنجانه.
قلت وأنا أدخل المحل: صباح الخير.
قال: مرحباً بك.
تلمّست اثنتين، واحدة بيضاء وأخرى حمراء، هما معاً سآخذهما، كانت عندي واحدة كنت ألبسها عندما أذهب "للعمالة" في عطلة الصيف في تسعينيات القرن الماضي لأسدد تكاليف الحياة في زمن الحصار، كانت تقيني حرّ شمس تموز، وتحمي شعري من أن يتساقط عليه سمنت أو جص.
وضعتهما في يدي، سرت نحو البائع الذي وضعهما في كيس صغير وقبض الثمن البسيط جداً.
السوق مغري، أمي كانت تقول: أنت تجيد التسوق، لكنها كانت تشتري لي قمصاني وتخيط لي "دشداشتي"، أنا أجيد التسوق، لكنها هي من تشتري لي.
هذه مغازة جديدة، مختصة بالنساء، هذا "سفاري"، شاهدت قبل سنوات صورة جميلة لحنان وهي ترتدي "السفاري"، عباءة نساء تونسية كما قالت لي... آخذ واحدة لأختي التي كانت تحفظ أسرار رسائلي ورسائلها.
هذه قطعة قماش تليق بالنساء الكبيرات في السن، ووعدت أمي أن أجلب لها قطعة قماش، سآخذها لخالتي، آخر ما تبقى لي من رائحة الأم، هي تشبه أمي، هي أيضاً كانت تقول لي "عفية بالسبع" كلما أخذت العلامة الكاملة في درس الإملاء.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)


المزيد.....




- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...
- مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا ...
- -البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد ...
- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (32)