أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (31)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (31)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 13:20
المحور: الادب والفن
    


القنطاوي نائمة، إذن هو الفجر. نفس النسائم أعرفها جيداً، قادمة من نافذة مرّرتُ بها عدة مرات. هي في نومها مطمئنة، لأن هناك حارساً يمنع سرقة الأحلام، كلفته بذلك قبل أن تنام. وربما هو تطوّع لهذه المهمة التي طالما تمنى أن يكون أهلاً لها. لم تكن الحراسة مجانية؛ إنه حارس محترف قبض الثمن “بوستين” قبل النوم، كأنه يتعاطى مانع نوم.
هو الرابح الأكبر. سأخبرها إن “السوم” لم يكن منصفاً. هو سيرى لأول مرة في حياته كيف تشرق الشمس من سرير، كان يراها من قبل عندما تشرق على السرير. هو حرف الجر ما بين “من” و“على”. هذه المرة سأنظر إلى الشمس كيف تصحو.
يجب عليّ الآن أن أتوسل إلى كل الأمهات أن يتلون مع أمي ما يحفظن من المعوذات. ألم أقل لك إن الحارس هو الرابح؟ ها هو يجلب كرسيه ويجلس جهة الشروق، ينتظر كيف تتثاءب الشمس، وكيف يغطي هذا الشعر الأسود المعجون بالحناء وجهها ليمنحني وحدي ضياءها الأول.
يجب ألا أكون قريباً جداً. أبتعد قليلاً؛ الضياء الأول قد لا أحتمله. لن أجلس على الكرسي، سأظل واقفاً كالحراس… أنا الحارس.
هممتُ بفتح الثلاجة كأنني أفتح باب فجرٍ صغير.
أربع بيضات تنتظر دورها في الشروق،والخبز واقف مثل ذاكرة جاهزة للفرن،الحليب أبيض أكثر من صمتي،وزيت الزيتون يلمع كأنه يعرف سرّ الضوء.لا يمكن أن أسمح بأي صوت يفزعها. بهدوء أسلق بيضتين على نار هادئة، أفرغ الحليب في إبريق أكبر من إبريق الشاي. أرتب طاولة الإفطار… لا، الشمس تفطر هناك في مكان شروقها.
مرتبك، لا أعرف ما أفعل. أبحث عن “صينية” — موجودة. كوبان للحليب، قدحان للشاي، قطعتان من الجبن، وردتا ياسمين، صحن فارغ… أضع فيه ماذا؟ بيضتان مقليتان بزيت زيتون أمي، كما قالت.
عندما تتثاءب الشمس، تكون يداي طاولة الإفطار. ألم أقل لك إنه الرابح من نوبة حراسته هذه؟ اقترب أكثر… إنها حدود الشمس. أعترف أني لم أكتب هذا من قبل في رسائلي لها. لماذا لم أكتبه؟ ربما لأنني لم أكن قد وصلت بعد إلى مرحلة الحلم المستحيل.
يجب في هذه اللحظات أن تتوقف رموشي عن الحركة. لا أغمض عيني؛ قد تشرق بين رمشتين.
بدأ الفجر بإزاحة شعرها، خصلة تلو أخرى. وجهها هو الشرق، هنا تشرق شمسي التي لم تفتح عينيها بعد. فقط خصلة واحدة بقيت كي نفرق بين الشعر الأسود وشعري الأبيض.
للشمس جفون تحتفظ بكحل ليلة أمس. يا إلهي، لها شفاه تمارس طقوس الابتسامة؛ عندما تبتسم تولد قارة كاملة من جديد. الشمس أخيراً تتثاءب بغنج، صوتها نسمة صباح تقول: “صباح الخير”.
الحارس انتهت نوبة حراسته، يقول: صباح الشمس.
قالت: ما أجملك بالدشداشة… هل نمت؟
قلت: أظن.
قالت: صحّ، الحراس لا ينامون.
سرتُ نحو “الصينية”، كانت فيها فطور الشمس وحارسها. عند حافة السرير جلست، ساقاي طاولة بيننا.
قالت: “شهيّ، برشا… يحق لأمك أن تقول لك مسعدة اللي تتزوجك.
قلت: افطري، صغيرتي الجميلة.
قالت: كيف أفطر وقد نسيتُ يداي على كتفك يوم رقصنا؟
قلت: ما الحل وأنا يداي رفضتا العودة مذ هبطتا هناك عند خصرك؟ ما الحل؟
ضحكت، وطوقتني وقالت: من أين تأتي بهذا الكلام؟ أعرف أنك تجيد الطبخ كما تجيد الغزل. تعال نسترد أيدينا التي بقيت عند طاولة الشرفة، ونفطر بطريقة خاصة.
الطاولة فرحت، ربما رقصت. الشمس تفطر الآن، وحارسها يراجع ملف الأحلام.
قالت: أأطعمك بيدي؟
قلت: كثير هذا… لم أكتبه من قبل في أي رسالة.
قالت: بل كتبته أنا في رسالة لم تصلك. كانت رسالتي رقم 301 التي لم أرسلها. عندك مني ثلاثمئة رسالة، صح؟
قلت: صحيح جداً.
قالت: رسالتي التي لم أرسلها لك كتبت فيها: عندما نلتقي سأطعمك بيدي بيضة “عيون” من التي تحبها، وها أنت صنعت بيضة عيون حلمي.
قلت: لماذا تستأذنين إذن؟
لم تجب، وهي تطعم “صغيرها”.
قالت: عن جد فطورك شهي.
قلت: صحتين وهنا.
قالت: تعلمت “صحتين وهنا” من بيروت؟
قلت: نعم، بيروت. بالعراقي نقول “عوافي”.
قالت: الله يعافيك عيوني.
قلت: كيف حال العائلة؟ بابا، ماما، الأخ؟
قالت: كنت سأخبرك… الأخ كبر، لم يعد صغيراً، تزوج وهاجر إلى ضفة المتوسط الأخرى.
قلت: فرنسا؟
قالت: نعم، يعمل مهندس إلكترونيات. قبل أسبوع ذهب أبي وأمي لزيارته.
قلت: صدفة أم مخطط لها؟
قالت: مخطط لها منذ فترة. يمضون شهراً ويعودون. تقاعدوا من الوظيفة. أمي تدير مزرعة ورثتها، وأبي يزور أخي وأخاه المقيم هناك في أرض المعمّرين.
قلت: توقيت زيارتي نجح؟
قالت: برشا… كنت أعرف أنهم سيسافرون، لهذا قلت لك احجز تذكرتك، وحجزت لك هذا المكان. رغم أنهم لو كانوا هنا لاستقبلوك ولأكلت كسكسي بالدجاج من يد أمي.
قلت: أصبّ لك شاي أم قهوة؟
قالت: فطور عراقي يعني شاي من إيدك. تعرف، في تونس فطورنا الصباحي خفيف.
قلت: أهم وجبة هي الفطور، بعدها عمل طويل.
قالت: “شوف”… الصينية شبه فارغة، أكلنا كثيراً.
قلت: عوافي.
قالت: اليوم نذهب إلى سوسة السوق، تجول فيه بدوني. لا تغازل البائعات، لا تلمس أيديهن، لا تحمل معك نصف دينار، لا قيمر ولا هم يحزنون.
ضحكت بقوة وقلت: وأنتِ معي لا يمكن ذلك.
قالت: لستُ معك… سأذهب أعدّ كسكسي بالدجاج لحارس أغريته “ببوستين” وحرس أحلامي.
قلت: هو أكبر الرابحين. وحدي في سوسة؟
قالت: نعم… هل أنت خائف؟
قلت: لا، لكن قد أتيه… أعرف… أتصل بك إن تهت.
قالت: إن وجدت ما يناسب فابتع، أجلس في مقهى، وأنا أتصل بك ونعود نتناول ما طبخته لنا الشمس.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)


المزيد.....




- أبرز 5 خلاصات.. كأس العالم 2026 يفتح ملفات السياسة والاقتصاد ...
- تشوهات نفسية وجسدية في -أصل الأنواع- تكشف معاناة الإنسان الع ...
- اكتشاف آثار فريدة في المكسيك تعود إلى ما قبل الحقبة الاستعما ...
- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (31)