|
|
يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:58
المحور:
الادب والفن
الخروج من بيت بورقيبة أصعب من الدخول إليه. شعرت بهذا وأنا أرى تلويحته لنا، كأنه يقول: عُد مرة أخرى، فيما كانت وسيلة تعيد ترتيب البيت. ليس بعيداً، رباط المنستير، الصرح الكبير عند حافات البحر وزرقة السماء. قالت: يمكننا صعوده من درجه الحلزوني، إنه أقدم الحصون في المغرب العربي. الصعود جميل، تتنفس هواءً نقياً مع نسيم البحر، وتمسك بيد حنان التي تحولت سفيرةً لبلدها في يوم المنستير الجميل. سمعتها تقول: نقف هنا، نأخذ معاً صورة؛ خلفنا البحر، وفوقنا السماء الزرقاء، وبيني وبينك نسمة بحر. هذه ليست صورة. سمعت ضحكتها، بل شاهدتها في شاشة الموبايل. كان وجهها يحمل حضارةً كبيرة، عيناها سوداوان، أمازيغية هي. كبير هو الحصن. أسمعها تقول: كبير جداً، بوابة دفاع من الغزاة. بائع يقف بالقرب من الحصن، تمنيت أن أجد عنده ماءً بارداً، فالسمك يعطش. جميل، لديه ماء وعصير. هي أيضاً تحتاج لذلك. لم أعرف كم يعني سبعمائة، فتولت شرح ذلك. سحبت ديناراً حديدياً، أعاد لها كم؟ شوف حسوني، الدينار ألف مليم، وهذه كل واحدة مئة مليم. عرفت ذلك. ماء بارد. قالت: هذا الماء معدني من عيون زغوان البعيدة من هنا. عادت تقود سيارتها بهدوء، كأنها تتركني أتمتع بالنظر إلى الشوارع العريضة التي تمنحك فسحة أكبر للنظر؛ شوارع يمكنك أن تتنفس منها عدة مرات في المرة الواحدة. استدارت نحو شارع فرعي، هو الآخر عريض. الهدوء أكثر هنا. شارع متفرع آخر، التفتت نحوي كأنها توقظني من غفوة. هذا سوق الحوت "متاع" المنستير، هيا بنا نرى ونصور وربما نقتني. رائحة السمك تجعلك مجبراً على أن تضع منديلاً على أنفك. صحيح: "السمك مأكول مذموم". ها حسوني، هذا حوت كبير لم يُقطع بعد، أفضل صورة معه الآن. مثلت أنني أتفحصه، طلعت الصورة حلوة. حلو مو حسوني؟ برشاا، ونحن صورة أخرى عند تلك الأسماء الغريبة. تطوعت امرأة بأن تأخذ لنا عدة صور دون أن نطلب منها، ربما شعرت برغبة مساعدتنا. تعرف أن هذا السوق أرخص من كل المدن الأخرى؟ واضح، حنان، بحكم الزحمة. أكيد تأتين له كثيراً؟ الكل يأتي إليه، يكاد يكون مركز توزيع الحوت. هل عندكم حوت في العراق؟ سمك نهري، دجلة والفرات، وفي سمك بحري مستورد. شعرت هي أنني تضايقت كثيراً من الروائح. نذهب؟ أي، أفضل، طالما أخذنا صوراً مع الحيتان. أتريد أن نستريح في مقهى أو كافتريا؟ اللي يعجبك، أنت مرشدة الرحلة. أيضاً عند البحر، في شارع يحاذي الشاطئ، كافتريا جدارها زجاج كبير، طاولات في الداخل وأخرى في الخارج مخصصة لزبائن ما بعد الغروب. أخذنا طريقنا إلى الداخل، طاولة يفصل البحر عنها زجاج وبضعة أمتار أمان. حقاً، حنان، أغلب العاملات في المحلات والمتاجر بنات؟ هن خريجات. فرص العمل هنا في القطاع الخاص، وثانياً أيدٍ عاملة زهيدة الثمن، والبنت تخدم لنفسها. وعائلتها؟ شعار الأغلبية: "دبر راسك"، لهذا يعملن. هل تريد عصيراً أم ماذا؟ هل يوجد مرطبات؟ أقصد آيس كريم، لا أعرف ما تسمونه. عرفت، على عيني. ضحكت. تسلم عيونك. جاءت النادلة تحمل أوراقاً تكتب فيها ما يطلبه الزبائن، تحدثت حنان معها. أنظر حسوني، رقم الطاولة عشرون. قلت: هو عمرك أنت، وعمري عندما كنت في العشرين. عمري عشرون، حسوني؟ الذي أعرفه هذا. لا أدري، لم أعتد أن أسأل امرأة عن عمرها كي لا تقول عني: رجل غبي. هل تتحدث هكذا مع معلمات مدرستك؟ أرجعت ظهري إلى نهاية الكرسي، وضحكت كثيراً، كأني لم أضحك من قبل. شوفي حنان، هل كتبت لك يوماً عن هذا؟ هزت كتفها: لا. شفتي لقطة فؤاد المهندس في أحد أفلامه؟ شو يقول؟ شو قال؟ ذكرني. أنا المدير. وشو يعني هذا؟ يعني بدلة زرقاء، قميص أبيض، ربطة عنق، ووجه مكفهر يشبه وجه أي زعيم. كانت أم كلثوم بصوت خفيف: "خذ من عمري عمري كله إلا ثواني أشوفك فيها من الشوق آه من الشوق وعمايله ياما بداريها ياما... ياما باحكيها ياما باخاف عليك، وباخاف تنساني وشوقي ليك على طول صحاني." جاءت النادلة تحمل إي موطا بألوان عديدة. ليس طبقاً هذا، بل طاسة، وهي طاسة أنيقة مزخرفة. وضعت واحدة أمامها، وسمحت حنان هذه المرة أن تضع النادلة واحدة أمامي. كانت نظراتي صوب حنان، كأني أسألها: ليش مو إنت؟ بيننا مسافة عشرين سنتيمتراً، تحتلها "طاستان" موطا، بوزا، آيس كريم؛ تعددت الأسماء والطعم واحد. ليش مو إنت أخذتي الطاسة؟ ضحكت وقالت: أصابعك لا تسهو إلا معي أيها الزعيم. فارغة الآن طاسات الموطا، ذابت مع صوت أم كلثوم: "خذ من عمري، عمري كله". تعرف، حسوني، رتبت مشترياتك بالأمس، وضعتها في الحقيبة، أفضل من أن تظل مرمية هنا وهناك. لاحظت ذلك، حنونة، كنت أبحث عن قنينة العطر. أنت تشتري كثيراً. هو تعويض عن سنوات طويلة كنت أؤجل فيها كل شيء، ربما ثأر قديم بيني وبين التسوق. أها، فهمت، من حقك. حق مسترد، لهذا لا أحرم نفسي من شيء أريده. لاحظت هذا، أربع قمصان، ومثلها تيشيرتات. نفس أسعارها في العراق تقريباً، لكن التصنيع هنا أفضل، والجودة أعلى، ثم إنها من تونس، وهذا وحده سبب كافٍ. تعال، أحاسبك الآن، كيف تقول إن عمري عشرون سنة؟ شوفي، العمر ليس رقماً فقط، بل حياة معاشة. ثم إنك، مثل كثير من التونسيات، تهتمين بالأناقة والرشاقة والمظهر العام. ضحكت وهي تقول: يعني هذه مجاملة؟ لا، ملاحظة. في الشرق العربي أيضاً توجد نساء كثيرات يهتممن بأنفسهن، لكن ضغوط الحياة أحياناً تسرق من الناس وقتهم لأنفسهم. هذه إجابة دبلوماسية. تعلمت الدبلوماسية متأخراً. تحتاج قهوة؟ بشرط أن تضعيها أنت أمامي. انطلقت ضحكتها عالية قليلاً، فالتفت بعض الجالسين نحونا. لمحتها النادلة، فجاءت بسرعة. اثنان قهوة، ماء بارد، ومنفضة سجائر لو سمحت. أنت لم تدخن؟ علبة سجائري بقيت في السيارة. لا، حملتها أنا في حقيبتي. نظرت إليها فرحاً، ليس بالسجائر، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تجعل الأمنيات واقعاً. جاءت النادلة بالصينية، فنجانا قهوة، وماء بارد، ومنفضة سجائر. وضعتها على الطاولة وانصرفت. اشرب قهوتك، حسوني. أشرب الماء أولاً، ثم القهوة مع سيجارة. فتحت حقيبتها الصغيرة، أخرجت العلبة والولاعة، أشعلت سيجارة، سحبت منها نفساً خفيفاً، ثم وضعتها في فمي وهي تقول: تنفس كما تشاء. هو أنا أعيش الآن ما بعد الأمنيات. لِمَ مستغرب؟ من شو؟ من هذه اللحظة؟ فرحان. وأنا أريدك أن تفرح دائماً. كان الصمت وقتها أبلغ من الكلام. لست حزيناً، بالعكس، فرح جداً. من السيجارة التي لامست شفاهي؟ ومن شفاهك أيضاً. تعرفين لماذا أنا فرحان؟ ليش؟ لأن أحداً انتبه. قرأني جيداً، وحفظ التفاصيل. هزت رأسها وهي تبتسم: مووو. أنا نسيت العلبة في السيارة، وأنت حملتها في حقيبتك. هذه الأشياء لا تُشترى. وأنت تستحق هذا. وأنت تستحقين بوسة قوية الآن، لا غداً. ضحكت، وشعرت أن بعض الجالسين التقطوا الكلمة هذه المرة أيضاً. كانت موسيقى هادئة تملأ أجواء كوستا. شفت صور رحلتك العام الماضي إلى بيروت، أيهما أجمل؟ من دون مجاملة، تونس أجمل. احمر وجهها أكثر. علاش تونس أجمل؟ بيروت جميلة جداً، لكن القلق يسكنها. الخوف حين يرافق الناس كل يوم يسرق جزءاً من جمال المدن. وتونس؟ في تونس تشعر أن الحياة تمشي بهدوء. حتى عندما تسمعين صوتاً مفاجئاً تقولين: يحتفلون. لا تضع يديك على رأسك، ولا تبحث عن مكان تختبئ فيه. هل أقرأ فنجانك؟ لا، عيوني. تخاف؟ لا، لأنك ستقولين: بحياتك يا ولدي، امرأة عيناها سبحان المعبود. ازداد الضحك. هذه المرة لم يلتفت أحد، ربما اعتادوا على هذه الطاولة التي تضحك كثيراً. هات فنجانك. لا... أعرف ماذا يقول فنجاني. وماذا يقول؟ موسيقى. كانت ماجدة الرومي تنساب بهدوء في المكان. حنان أغمضت عينيها قليلاً، وكأن الأغنية جاءت من زمن آخر. تذكرت شريط الكاسيت الذي أرسلته لي يوماً. نظرت إلي مبتسمة: هو هذا فنجانك إذن، حسوني. دعينا نستمع. وبينما كانت الرومي تغني، كانت يد حنان في يدي. أشرت للنادلة فجاءت بقائمة الحساب. كنا نردد معاً بصوت خافت: يأخذني من تحت ذراعي... ويزرعني ما بين النجمات.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39)
-
يوميات الحب والحرب والخوف (37)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (36)
-
يوميات الحرب والحب والخوف(35)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (34)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (32)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (31)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (30)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (29)
-
يوميات الحرب والحب والخوف(28)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (27)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (26)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (25)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
-
عالم متعدد الأقطاب
-
أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
المزيد.....
-
غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان
...
-
من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو-
...
-
وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا
...
-
مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا
...
-
-البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد
...
-
معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ
...
-
لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم
...
-
موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال
...
-
باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس
...
-
رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|