أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(35)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف(35)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


الأحد هو يوم العطلة في تونس، الساعة تقترب من الرابعة عصراً. كنت أغيّر ملابسي، ووضعت عطراً من الذي أهدتني إياه البائعة، بينما كانت هي تنظر في شاشة موبايلها، على منشورات وصفحات تتابعها.
قلت: شاهدت حدائق جميلة في المنتجع، لما لا نذهب ونجلس هناك؟
قالت: ليس الآن، مازالت الشمس قريبة من الأرض بحرارتها، وأخشى أن تصير أسمراً.
ضحكتُ، وضحكت هي أيضاً.
قالت: حقاً، راتبك الأول كان ثمانية وتسعين ديناراً، هو مبلغ كبير آنذاك... كم كانت حصتك منه؟
قلت: سلّمته لأبي، سلّمه لأمي.
قالت: هي ربّة المنزل.
قلت: لا، ليس الأمر هكذا. سمعت أبي يقول لها: "هذا أول راتب حسين، ضمّيه أنت، مو ناذرة... أول راتب يقبضه، تسوين بيه غدّة الحسين". سمعتها تقول: "إي والله".
قالت: إي... كم حصتك منه؟
قلت: أبي أعطاني عشرين دينار.
قالت: يعني راتبك الأول حصلت منه عشرين؟
قلت: لا... حصلت "غدّة الحسين". تعرفين شنو غدّة الحسين مو؟
قالت: إي، ما أنت حكيت لي كل شيء. وراتبك الثاني؟
قلت: نفس الرقم، حصتي منه أكبر من العشرين.
قالت: وأنا كنت تلميذة، آخذ مصروفي من أمي، وحضرتك معلّم.
قلت: معلّم قد الدنيا. أنت شفت صورتي أسود وأبيض، الشعر الأسود؟
قالت: إي، لازالت في خزانتي. أنت أرسلتها في رسالتك الرابعة، كأنك تغريني بوسامتك؟ صورة التقطها عام 1982، وترسلها عام 1993.
قلت: يعني لما كنت في الصف الأول ابتدائي، وصلتك وأنت معهد لو ثانوية؟
قالت: ثانوية، آخر عام، بكلوريا.
قلت: إي صح، لازالت أسئلة البكلوريا التي امتحنت بها عندي: التاريخ، الاقتصاد، الرياضيات... لو أنا غلطان؟
قالت: إي، أنا أرسلتها لك، معها كانت قصاصة آخر مقالاتك الغزلية في "جمهورية بثينة" في جريدة الصريح.
قلت: ماسية أيضاً ذاكرتك.

قالت: تشرب قهوة لو عصير؟
قلت: عصير أفضل، الجو يحتاج عصير.
قالت بصوت ضاحك: وعندك اثنين عصير، وصلحوو.
نهضتُ بسرعة صوب الثلاجة، قنينة عصير مع "كلاصين". فتحت القنينة، صببت لها، وما تبقّى لي.
قالت: أعرف إنك كنت تشتغل في مقهى ليلاً أيام الحصار، كنت كتبت ذلك لي. أطالع في المساء رسالتك، وأنت تسرع في تلبية طلبات الزبائن. أتخيلك "الواد رومه" صبي المقهى في الأفلام المصرية. في الصباح أقتني نسختين من الجريدة، واحدة لي، والأخرى لي أيضاً. أقصّ صفحة مقالتك بعناية، وأرسلها لنفسي عندك.
قلت: هو الحصار صعب، يجب أن نشتغل.
قالت: لماذا لم تهاجر؟
قلت: الهجرة من الأوطان في الظروف الصعبة خيانة. الوطن يحتاجنا في الضراء، في السراء نحن نحتاجه. وحتى لو هاجرت، ماذا يحصل؟ أعيش غربة مضاعفة: قلق على البلد، على أهلي، على نفسي.
قالت: إذن زيادة الدخل هو الحل، عمل ثانٍ.
قلت: المقهى في الشتاء فقط، الصيف عطلة مدرسية... هناك "عمالة": جص، سمنت.
قالت: إي، كتبت لي مرات عدة: لما لا تسافر؟ لم أتلقّ رداً منك.
قلت: لم أرد، لأني لا أملك الرد. الحصول على جواز سفر يحتاج وقت وجهد ومال، والسفر يحتاج أضعافاً... الصمت وحده مجاناً.
قالت: هيا، نخرج إلى حدائق القنطاوي، لا تنسى النظارة الشمسية حضرة المدير.
حدائق القنطاوي تبدأ من باب الشقق المتراصّة، كل الأماكن حدائق: مقاعد، طاولات. يشبه عالم الأغنياء الذين كنا نسمع عنهم زمان. حديقة، أمامها نافورة هادئة، صوت أغاني نسمعه خفيف.
قالت: هذه أغنية فرنسية تتحدث عن الأمل.
قلت: جميل جداً.
قالت: بدأت تكتب سياسة.
قلت: مفارقة، أليس كذلك؟ لم تعد الصحف تهتم بمقالات الشعر والنثر. بعد 2003 صحف كثيرة ولدت من رحم التغيير، وجدت نفسي أكتب وينشرون.
قالت: شيء جميل، هذا طالعت لك في أكثر من صحيفة، بما في ذلك مقالاتك في الصحف العربية، المطالعات بعد 2011.
قلت: بعد الربيع العربي الذي بدأ من هنا. أنتم شجعان.
قالت: أنتم أيضاً.
قلت: لا، نحن لا نستطيع إسقاط دكتاتور. مهمتنا صنعهم. أمريكا أسقطت الدكتاتور، وفي أول انتخابات صنع كل منا دكتاتوره، وكتب عنه القصائد وغنّى الأناشيد.

وقف أمامنا رجل مسن، يحمل طبق ياسمين أبيض، منح كلاً منا وردة، أخذ ديناراً معدنياً، ابتسم وهزّ رأسه.
قلت لها: كم نحن سذّج.
قالت: لماذا؟
قلت: هذا الرجل يقول لنا: أنتم سذّج تتحدثون في السياسة، وسط حدائق جميلة، ونافورة، ورجل يبدو مقبولاً، مع امرأة جميلة حدّ النخاع... ما هذا؟
ضحكت وهي تسحب يدي لننهض. قالت: حقه هذا الرجل.
هذه المرة تأبطتني، الياسمين له مفعول.
قالت: هل نحن عشاق؟
قلت: ما رأيك؟
قالت: أنا من أسأل حسوني.
قلت: لماذا لم أزر تونس عام 2005، كما باقي الدول التي مررت عليها؟
قالت: لأنك لا تعرف الوصول إليّ.
قلت: لماذا وضعت "شطة شوية" في الكسكسي؟
قالت: أنت تحبها "هاكا".
قلت: لماذا انتظرت ساعتين طائرة قادمة من القاهرة؟
قالت: لأنك فيها.
قلت: لماذا أنا فيها؟
سحبت يدي، جلسنا على أريكة خشب صغيرة.
قالت: "جاي تونس... جاااي لحنان".
قلت: كل المدن حنان إن كانت فيها. لو كنت في صحراء ليبيا، كنت أجي غصباً عني.
هل نحن عشاق؟
كان رأسها بين يدي، شفعت لي نظارتي الشمسية، حجبت مطالع الدمع ولم تحجب جريانه.
قلت وأنا أرفع رأسها: عليك أن تعرفي إنك كل ذاكرتي. أعرف إنك انتظرتِ ما يكفي، وأنا لم أتأخر بإرادتي، كنت أتمنى أن أكون هنا منذ زمان طويل.
قالت: أعرف، أنا أعرف تفاصيلك، كما تعرفني.

بدأنا نقترب من ساحة كبيرة دائرية، وسطها نافورة مياه ملونة. الشمس بدأت تميل نحو شرق جديد لها، غروب هنا. زوال الشمس في القنطاوي يعني بداية مساء جديد، يبدأ اللحظة وينتهي قبل الفجر.
كان الجميع يحيط بسور النافورة ينتظر. كنا نمسك بعضنا، بدأت موسيقى هادئة، مياه النافورة تتصاعد، ألعاب نارية لم أسمعها. الناس حولنا تصفّر، صوت صفير، تصفيق. أشارت لي حنان، أشارت بإصبعها نحو رجل مرّ قبل ساعة، أعطانا ياسمين، ينظر إلينا مبتسماً، يشعر إنه منحنا لحظة كادت أن تفلت منا لولاه.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)


المزيد.....




- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...
- الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع ...
- حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل ...
- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(35)