أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (34)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (34)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 13:29
المحور: الادب والفن
    


لا أدري كم نمت. الساعة الآن الواحدة والنصف. يجب أن أنهض، أغسل وجهي، وأعدّ الشاي بهدوء. أعرف أن موعد الغداء، حسب توقيت مطبخ حنان، لم يحن بعد. اليوم أحد، عطلة، ومع ذلك كان السوق مكتظّاً. أغلبهم سيّاح، غرباء في مدينة ساحلية. السائح لا ينام، لكنّي نمت.
لا تزال الحاجيات التي اشتريتها على الطاولة التي سنأكل عليها الغداء. هذا ليس مكانها. ضعها على السرير ولا تدوّخ نفسك بالأمر.
طرقات على الباب. هي جاءت.
فتحت الباب.
عسلامة حسوني.
قلت وأنا أحمل عنها أحد الكيسين:
الله يسلمك.
ظلّ الكيس الآخر بيدها. وضعناهما على الطاولة، وبدأت تفتحهما: طبق متوسّط الحجم من الكسكسي بالدجاج، و"زلاطة" مرتّبة بأناقة، وبيض مسلوق مقطّع يحيط بالصحن، وفلفل مطبوخ، وعصير.
ها، هل تعبت في سوق سوسة وتهت؟
علاش أتوه؟
نظرت إليّ بضحكة قوية وقالت:
"علاش" تعلّمتها.
هاكا تعلّمتها.
ازدادت ضحكتها وقالت:
نصفك التونسي بدأ يكبر، يا "حسووني التحفون". حقّاً، كيف كانت رحلتك الصباحية؟
جوعان.
دقيقة ويكون الأكل جاهزاً على الطاولة. هات الكرسي واجلس هنا، ساعدني في ترتيبها، أم أن الجوع يمنعك؟
ضحكت وأنا أجلس على الكرسي وأحاول سحب الكيس الثاني، وكان ثقيلاً نوعاً ما.
لا، دعك منه، هذا ليس أكلاً.
ووضعته جانباً كأنها تخفيه عن أصابعي.
بدأنا نأكل.
عاشت إيدك، لذيذ. أمّك علّمتك الطبخ بامتياز.
صحتين. إي، أمّي علّمتني. اتّصلت اليوم لتطمئن، وستعود مع أبي بعد أسبوعين، قبل بداية رمضان. لا يريدان الصوم في بلاد الأفرنجة.
ثم سألت:
تفرّجت في السوق أم اقتنيت؟
كلاهما، وشربت القهوة وسمعت فيروز.
ضحكت وهي تقول:
وغازلت البائعات؟
سؤال أم تهمة؟
ازداد ضحكها وهي ترى ارتباكي وقالت:
مجرد سؤال.
وحقّ هاي النعمة، لم أتكلم ولم أرَ.
فضحكت ضحكة هزّت الطاولة، كأنها كانت تنتظر هذه العبارة.
هذا ليس قسماً، هذا دعاء حسوني.
والعبّاس، ما غازلت ولا تكلّمت ولا نظرت.
خلاص، صدّقتك، طالما أقسمت بالعبّاس. ماذا اشتريت؟
بعدين، هسّه آكل.
"هسّه" يعني الآن آكل؟
أي، عندما نأكل لا نتحدث.
ليش؟
ضحكت وقلت:
"ليش" و"علاش" توأم، مو؟
أومأت برأسها وهي تضع لقمة صغيرة في فم صغير.
سحبت فخذ دجاج ووضعته أمامي وهي تقول:
هذه حصّتك، أعرف أنك تحبه. تعمّدت ألا أضع شطّة حارّة، فقط شويّة.
"شويّة" حلوة من فمك. عن جد، عاشت إيدك. أتعبتك معي اليوم.
قالت:
عوافي.
قلت:
أنا من سينظّف الطاولة، اذهبي واغسلي يديك.
ضحكت وقالت:
تعرف؟ أنت بالدشداشة أحلى.
جسمي رشيق، وطولي مناسب، ودشداشة بيضاء، ووجه أسمر.
تطلع كيكة. ألم تقل لي يوماً في رسالة منك، عندما رأيت صورتي، إنّي كيكة؟ سألتك حينها: هل هذا غزل أم معاكسة؟
أي، يومها قلت لك: معاكسة عراقية قد تتحوّل إلى غزل... يعني أنت الآن تعاكسين أم تغازلين؟
كلاهما.وضَحِكت.
تولّيت تنظيم الطاولة مجدّداً. كان الشاي قد نضج، فصببت كوب شاي، وجلسنا وبيننا منفضة سجائر أنيقة. لو وجدت مثلها سأقتنيها.
جلست وفتحت الكيس الذي أخفته قبل الغداء.
أصبحت مديراً لمدرسة جديدة، تاريخها كبير.
أي، سأترك السموأل. قرأت منشوراً صباح اليوم في مجموعة التربية. علينا المباشرة في مواقعنا الجديدة بعد أسبوعين.
قالت وهي تفتح الكيس:
أعرف أن لديك بدلة زرقاء رسمية، وأخرى كحلية. أناقتك تكتمل عندما ترتدي هذا القميص وربطة العنق مع الزرقاء، وهذين مع الكحلية.
ثم نظرت إليّ كأنها تقول:
أعرف أنك تجيد التسوق، لكنّي أنتقي لك ما أريده.
شرف لي. هذا ذوق راقٍ.
وهذا قلم... اكتب به خطاب تسلّمك إدارة المدرسة الجديدة. يكفي أنك بقيت في السموأل عشرين عاماً مديراً لها.
مدرسة عمرها مئة سنة.
ويكفي أنك كنت مديرها. لم تقل لي ماذا اشتريت؟
انهضي، نتطلّع معاً ماذا اشترى "حسووني".
كانت أكياس النايلون مبعثرة على السرير، فبدأت تفتحها.
أنيق هذا الكوب. اثنان، أحدهما سيستقر في المدرسة، صح؟
صح جداً. والثاني قرب سريري في غرفتي.
ذوقك حلو بالقمصان، وحتى هذه الأربطة تتناسق مع بدلتك الرصاصية... جميل.
ثم رفعت كاسكيته الحمراء والبيضاء، والنظّارة الشمسية.
صح، أنت لن تجلب معك نظّارة شمسية.
إي، نسيتها.
حسوني، هذا السفاري لأختك؟
نعم.
وهاتان قطعتا القماش لمن؟
كلتاهما لخالتي، التي نشمّ فيها رائحة أمّي.
قلبك طيّب، مسعدة اللي تتزوّجك. حقّاً، كم صرفت؟
بقي معي تونسي، لا أدري كم. ها هي.
كانت تعدّ النقود.
قالت:
ثمانية وتسعون ديناراً تونسياً. لم تصرف كثيراً.
لدي الآن ثمانية وتسعون ديناراً.
تونسياً، عدا العملة الأمريكية.
أعرف. أول راتب لي في نوفمبر 1982 كان ثمانية وتسعين ديناراً.
كنت أنا في الصف الأول الابتدائي. معلّمنا كان حسين، شاباً في الثامنة عشرة من عمره.
قلت:
يبوووه!
فضحكت بقوة حتى اهتزّ السرير.
وقالت:
أعد كلمة "يبوووه"، وأعدك أن أراقصك حتى مغيب الشمس.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)


المزيد.....




- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...
- الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع ...
- حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل ...
- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (34)