أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحب والحرب والخوف (37)















المزيد.....

يوميات الحب والحرب والخوف (37)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


عند البحر، العصير ألذ من الشاي، والصمت أبلغ من الكلام. كُثر يجلسون هنا، وليس بالضرورة أنهم على موعد. الشواطئ أماكن تعارف أحياناً، وكثيراً ما تكون أماكن لقاء.
لا، أنا لم أتعرف على حنان عند شاطئ، بل ضربنا موعداً عند الشاطئ. لم نكن نعرف كم الساعة، ولِمَ نسأل عن الوقت؟ ليس هناك من نوبة حراسة تنتظرني. من أحرسها تحرسني.
ها هي تضع العصير أمامي، تأخذه من يد النادلة كأنها تقول لها: هو لي، دعكِ منه. أنا أضع العصير بين يديه حتى لا تلامس أصابعه أصابعك سهواً كما اعتادت.
عيناها تراقبان النادلة تارة وهي تغادر، وتراقبانني، ربما ألقي عليها نظرة. أعرف هذا، وملتزم به منذ لقائنا الأول عند صندوق بريدي هناك في الخالص، الثاني والعشرين من فبراير، في السنة الثالثة بعد التسعين من الألف الثاني للميلاد.
لكن هذا اليوم هو اليوم الأول من الألف الأول لتقويمنا، الذي بدأ في يوم بارد الجو، دافئ الكلمات.
صحيح، كنت أحلم أن أجلس معها عند البحر، لكني فشلت في تخيل ذلك، واستعرت من عشاق فشلوا فكتبوا لنا لقاءات مزيفة، كنا نصفق لهم، ولم نعرف أنهم كانوا يكتبون ما يتمنون، لا ما حصل لهم.
كُثر حطت بهم الطائرات في مدارج أحلامهم، فكوا أحزمة الأمان، مروا من التفتيش، ختموا جوازاتهم، لم يجدوا من تنتظرهم، أسرعوا لشراء شريحة هاتف، وضعوها بيد مرتجفة وهم يدخنون سيجارة من تبغ وورق، بحثوا عن الرقم، لم يرنّ... فقط:
"الرقم المطلوب خارج التغطية."
وحدها... بل وحدي. أنا من لأسبقها؟ كانت هي الطائرة، والمدرج، وختم الجواز. لم أشعل سيجارة مثل ذاك الذي ركض ليشتري شريحة ويطلب رقماً خارج التغطية.
حنان: ها... أين وصلت؟ اشرب عصيرك ودخن سيجارة.
قلت: كنت أنظر إليك، كيف تتعاملين مع العصير بهدوء.
ضحكت وهي تقول:
حنان: كنت سارحاً عند البحر. البحار لا تنام، هي تحرس نفسها.
قلت: لذيذ عصير بو جعفر. بالحق، في الطريق شاهدت محلات تبيع فواكه، وأنتم تقولون: غلال.
قالت: إي، تظل هذه المغازات مفتوحة حتى يعود آخر شخص إلى بيته. تنتظرنا، لا تقلق حبيبي.
حبيبي... كلمة كنت أقرأها، وهذه المرة أسمعها. يا إلهي، ما بين العين والأذن أربعة أصابع، بل ما بين أن تقرأ وأن تسمع مطارات تدخلها وتخرج من آخر مطار كي تسمع هذه النغمة. تفرق كثيراً. كيف كنت أسمعها وأنا أقرأ الكلمة آنذاك؟
قلت: إي، حبيبتي، لِمَ القلق؟
نظرت إليّ مبتسمة، كأنها تقول: "ياااه... أخيراً سمعت هذه الكلمة التي كنت أطالع حروفها وأتخيل صوتك، وخجلك، ورعشة الحروف حين تتقطع."
قدحا العصير فارغان، لكنهما لا يزالان بين يدي كل منا. أمي كانت تفسر هذا البقاء: "انطيني بعد."
أشرت إلى النادلة التي تقف عند طاولة قريبة منا، وبرهة ثم جاءت، وتركت حنان تكلمها.
سمعتها تقول لها:
حنان: قدحان من العصير.
هي تقرأ العيون، ربما أمي قالت لها ذلك في رسالة أو حلم، لا أدري.
حنان: أكيد أردت عصيراً؟
قلت: نعم، هو المطلوب. طالما القدح في اليد، فهذا يعني أني أحتاج المزيد.
حنان: تعرف، لم آكل من قبل كما أكلت هذا المساء.
قلت: المقبلات، المكان، اللحظة... يكفي لمسة أصابع.
وهي تضحك قالت:
حنان: صحيح، برشا.
قلت: وأيضاً هي أمنية تحققت. أنا أيضاً أكلت كثيراً، ولم أعتد على ذلك من قبل.
لم تكن هناك طاولات فارغة في المكان، وكانت النادلة بعيدة نوعاً ما. ربما تلقي نظرة بعد قليل على المكان، وعلينا المغادرة.
حنان: نذهب؟
قلت: أفضل، أليس كذلك؟
وجهت حنان نظرها صوب البائعة، وأومأت لها. جاءت، ووضعت فوق الطاولة ورقة مكتوباً فيها طلباتنا والسعر.
أخرجت من جيبي المطلوب دفعه وأكثر قليلاً.
علينا أن نبحث عن السيارة وسط زحمة السيارات الواقفة بانتظام دون فوضى.
لم تستغرق عملية البحث نصف دقيقة. سرنا نحو القنطاوي.
لم يكن باعة الفاكهة قد أغلقوا محلاتهم بعد. توقفنا عند أحدهم. يختلفون عن باعة مدننا؛ هنا يتركون لك حرية انتقاء البضاعة، وحتى كميتها. يمكن أن تأخذ برتقالة واحدة أو خوختين. لم أعتد على هذا من قبل.
تولت هي مهمة انتقاء ما نريده، وكان البائع يتابع بعينه. وضع البضاعة في أكياس، فاقتربت منه وأخرجت من جيبي النقود.
قلت: كم الحساب؟
قال: تسعة دنانير.
ناولته عشرة، فأعاد لي ديناراً معدنياً. حملنا الأكياس وعدنا صوب القنطاوي.
كانت الأكياس بين يدي: خوخ، وعنب، وتفاح، ومشمش.
في العراق، البقال دكتاتور يفرض علينا بضاعته ونحن نقبلها، نخاف منه، أو ربما تطبعنا على ذلك.
علينا أن نصعد السلم لنصل إلى الشقة التي تطل على البحر، الذي يطل على ثلاث قارات دفعة واحدة.
لم يكن الجو حاراً، بل كانت ثمة نسائم تنفذ من البلكونة. قد لا نحتاج إلى تشغيل التبريد، لكن حنان شغلته.
قلت لها: لا نحتاجه.
قالت: لا تنسَ أننا استأجرنا الشقة بتبريدها.
ضحكت. فعلاً، نحتاج التبريد.
تولت هي ترتيب الفواكه في صحن مزخرف. في بيوتنا العراقية: "كل واحد حصته."
نظرت نحوي كأنها تتساءل.
قلت: إي، أريد شاياً.
ضحكت وهي تقول:
حنان: عرفت، والعباس.
قلت لها: دعيني أنا أعد الشاي، فهو سهل ولا يحتاج إلى مهارة.
قالت: لا، أنت تعمله شايًا ثقيلاً كالحبر.
قلت: أحبه هكا.
قالت: تونسي حضرتك. فعلاً شكلك تونسي، رجال تونس أغلبهم شكلك. خذ، اشرب الشاي.
قلت: هذا شاي خفيف.
قالت: اشرب، ودخن سيجارة معه، ستجد طعماً آخر.
أفضل مكان تجلس فيه شرفة تقودك إلى نصف العالم، تشرب قدح شاي وتدخن سيجارة يطير دخانها متوزعاً على الشواطئ.
كان طبق الفاكهة يجاورنا. لم نكن متقابلين في الجلوس، فلا يمكن أن تدير ظهرك للبحر؛ يزعل، يغضب، وربما يطردنا.
نحن والبحر وصحن الفاكهة جيران.
قالت: هذه غلال تونس.
قلت: خصبة أرض تونس. عنقود عنب كبير وشهي.
قالت: أتحب العنب؟
قلت: بلي. لا أحد لا يحب العنب، ولا يحب الغلال. الفاكهة من الجنة، وسعيد الحظ من يأكل فاكهة من يد حورية.
تأكدت فعلاً أن الجيران سمعوا صوت ضحكتها. في هذه المدن، الكل غرباء، والكل لا يعرف الكل.
قالت وهي تضع في فمي بضع حبات من عنقودها:
— اطمئن، لا تقلق. كل من حولنا لا يزالون في الساحات، حول النافورة والكورنيش. وحدنا نجلس في شرفة عرضها ثلاث قارات، ليس إلا.
قلت: أحتاج أن أستوعب ما تحقق، فهو أكبر مما تمنيت.
لم يتبقَّ من عنقود العنب سوى بضع حبات بيدي. لن أستأذنها، سأطعمها بيدي، ولا أخشى حسد البحر والقمر وثلاث قارات.
أمي تقرأ المعوذات.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)


المزيد.....




- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...
- الجيل الشاب يغير خارطة زوار المتاحف الروسية وسط قفزة استثنائ ...
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية في سويسرا
- معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما ...
- موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحب والحرب والخوف (37)