أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (36)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (36)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 18:38
المحور: الادب والفن
    


مررنا من جانب بائع الياسمين، ولا يزال الصخب حول النافورة. كان ينظر إلينا مبتسماً، كعادة الذين يصنعون الفرح للآخرين في لحظة عابرة تصنعها الصدفة أحياناً أو المكان. كنا نحمل الياسمين بين أصابع أيدينا، نلوّح به وسط هبوط الليل عند مرسى القنطاوي الذي تلونت أنواره كأنها تغريك بالسهر.
قالت: أتحب السهر؟
قلت: معكِ؟ نعم. وحدي وأنتِ معي؟ نعم.
نظرت إليّ وقالت: من أين تأتي بهذا الكلام؟
قلت: منكِ. ألستِ ملهمتي التي تعلمت منها أن أجمل امرأة لا تُغازَل، بل أُطيل النظر إليها وأصمت؟ لن تجد ما يكفي من الحروف كي ترتبها في جملة مفيدة أمام عيون لم تُخلق لسواها، ورموش كمشط رقيق، وحاجبين يشبهان هلال العيد الذي ينتظره الصائم ليفطر وينال الأجرين معاً: أجر الصيام، وأجر النظر إلى هذا الهلال الذي خطّه البحر بيده في لحظة تجلٍّ.
كانت تجلس وتسحبني بهدوء أنيق إلى أريكة أُعدّت للصائمين.
قالت: بنفس صوتك كنت أقرأ رسائلك التي عبرت من قارة إلى أخرى، من غرفة بناها "أبو حسين" لابنه الذي سيصبح معلّماً عندما أكون أنا في الصف الأول الابتدائي. أبي جهّز لي طاولة صغيرة، وأقلاماً ملوّنة، وكراسة رسم، وبضعة دفاتر، وضعتها في غرفتك هناك عند حافة دجلة. من نافذتها أرى التنور ورغيف الخبز وشروق الشمس.
ظلّ الياسمين بين الأصابع، ورأسها على كتف طالما وضعته عليه. كنت أنظر، لأول مرة، كيف تخرج الحروف من شفاه بلون الموج وبطعم الياسمين.
قالت: هل تحتاج سيجارة؟
قلت: لا، دعيني أتنفسك. ألمّ كل ما تبقى مني، فأنا لم أحلم من قبل بكل هذا الياسمين، وموجات البحر، وهمسات الشفاه. دعيني أستوعب الحلم وأعيشه. السيجارة ودخانها قد يعيقان نظري صوب حروفك التي تخرج من حافة شفتيكِ.
قالت: أنذهب إلى كورنيش بو جعفر؟ الليل هناك أجمل.
قلت: إي، أفضل هذا. السيارة ليست بعيدة، في مرآب عند مدخل المنتجع.
لمحت بائع الياسمين يحمل طبق معكرونة يلتهمه بسرعة، كأنه لا يريد أن يخسر لحظة واحدة. كانت تقود السيارة بهدوء. المسافة ليست بعيدة، وسوسة أجمل في الليل، والحركة كثيفة.
ها هو بو جعفر، طاولات كثيرة عند حافة البحر.
قالت: هذه الطاولة أقرب إلى الموج، لا أدري كيف تُركت فارغة؟
قلت: الحظ معنا، حجزها لنا.
قالت: هذا مطعم ومقهى في الوقت نفسه، أكيد تحتاج وجبة عشاء؟
قلت: بيني وبينكِ، أحتاج، لكن خفيفة.

جاءت نادلة تحمل دفتراً صغيراً وقلماً، بابتسامة تكسب الزبائن، وقالت: عسلامة، ماذا يمكن أن أقدّم لكم؟
أجابتها حنان: صحن "شكشوكة".
نظرت لي وقالت: جرّب كل الأكلات التونسية، لن تخسر.
قلت: معكِ، رابح أنا.
قالت: لم تسأل ما هي "الشكشوكة"؟
قلت: لذيذة، أكيد.
قالت: هل جرّبت أطعمة الدول التي زرتها من قبل؟
قلت: فلسفتي في السياحة: جرّب كل الأكل، لا تأكل الطعام ذاته كل مرة، تناول كل الأطعمة وتذكرها.
قالت: لكنك أكلت "الكسكسي" مرتين؟
قلت: أحدهما بالعلوش، والآخر بالدجاج. أليس هذا نوعاً آخر، صغيرتي؟
قالت: إي، أنت تجيد الدفاع.
قلت: وهنالك فرق آخر. بالعلوش في مطعم يُقدَّم لكل الزبائن، أما بالدجاج فقد طُبخ خصيصاً بيدين ناعمتين كنعومة طفل خرج للتو من رحم أمه. طعم العلوش شيء، أما بالدجاج فقد طُبخ على بخار من عشرين سنة، وحان وقته معكِ.
قالت: مجبرة هذه الليلة أن أراقصك؛ لأنك منحتني كل هذا الغزل الذي تاهت أذناي كيف تسمعه، وركض شعري نحوك كأنه يعانق الرسالة "سبعمائة وواحد" التي لم تكتبها، وكنت أنا أنتظرها.
كانت النادلة تضع طبقاً متوسط المساحة، توزعت فيه صلصة الطماطم، والفلفل، والبصل، وزيت الزيتون، وأشياء أخرى.
قلت: لذيذة، لكن توابلها كثيرة.
قالت: نسيت أن أقول لها تخفف ذلك.
قلت: لكنها لذيذة، لهذا أجسامكم رشيقة، نوعية التغذية.
قالت: بل نمارس الرياضة كلما زاد الوزن.
قلت: لاحظت يافطات معاهد الرياضة كثيرة في شارع واحد، إنها أكثر شيء يلفت النظر.
قالت: كُل، لا تتحدث كثيراً، سآكل الصحن وحدي.
ضحكتُ وأنا أسرع بحجز جزء مما تبقى أمامي، كأني أضع حداً فاصلاً لا تتجاوزه. نظرت لي بعيون ضاحكة وقالت: "هاكا" أفضل.
قلت: "مو بالله"؟
قالت: إي والله.

الصحن فارغ، وكل منا ينظر إلى الآخر. ضحكة ترفض أن تنطلق، وسؤال واحد. أشرت للنادلة فجاءت مسرعة.
قلت: طبق آخر، بشطة خفيفة.
نظرت لي حنان وقالت: كنت سأطلب هذا.
قلت: إي، قرأت ذلك. أنسيتِ أننا نعرف بعضنا منذ كنتُ معلّماً وأنتِ تلميذة في الصف الأول؟
قالت: الأكل لذيذ؟
قلت: ألذ ما فيه أن المقبلات تفتح الشهية أكثر.
قالت: مقبلات؟
قلت: إي. ضحكاتنا، مرتان لمست أصابعي أصابعكِ؛ الأولى سهواً، والثانية معاكسة.
قالت: لهذا كانت لذيذة. بالحق، هل تذهب غداً إلى المنستير؟
قلت: ما أدراكِ أنني فكرت بهذا؟
قالت: أصابعك التي لمست سهواً. وجرّتها بضحكة.
قلت: إي، أذهب. بورقيبة "يستاهل" أن نزوره ومدينته.
قالت: ليست بعيدة، عشرون دقيقة فقط.
قلت: جميل هذا، نستثمر الوقت.
كان الطبق الثاني قد وصل. هي من تناولته من يد النادلة ووضعته بيننا. أظنني لمست أصابعها مرات عدة، وهي فعلت ذلك أكثر مني. دائماً تتفوق عليّ تلك التلميذة الجميلة.
في الفضاء كان البحر هادئاً، وصوت نجاة الصغيرة الدافئ الذي تفوح منه رائحة البحر، وهي تقول: "أنا بعشق البحر زيك يا حبيبي، حنون وساعات زيك مجنون، ومهاجر ومسافر وساعات زيك حيران، وساعات زيك زعلان، وساعات مليان بالصمت... أنا بعشق البحر".



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)


المزيد.....




- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...
- مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا ...
- -البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد ...
- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (36)