أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (39)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (39)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


لا أدري كم نمت على هذه الأريكة. فيها عطر اشتراه رجل فلاح لأم عياله. أجيد النوم في أصعب الأماكن. كنت أنام في بدي الإيفا، عجلات الجيش التي تنقل المقاتلين من حرب إلى حرب. محظوظ من يجد مكاناً ينام فيه.
كانت قد سبقتني. أرى حنان تعدّ الإفطار.
تعمدت ألا أصحو. أحتاج أن أعيش لحظة أسمع فيها همسها: هيا، الشمس صحت وأنت نايم. شلون فلاح إنت؟
بقيت أعيش هذه اللحظة. من حقي.
هنا ما عليك سوى أن تقول: نويت أن أحلم، فتأتي الاستجابة.
الشرفة مفتوحة، والشمس تمر من أمامها ترانزيت.
لا تزال ترتب الطاولة، تتلمس الخبز وحرارته، ثم تتجه نحوي.
"حسووني... فيق".
تظاهرت بعدم السماع.
"أنت لم تكتب لي كل شيء في سبعمائة رسالة. أكتشفك الآن؟"
الصوت فيه نصف عتب. ما رديت. بقيت مغمض، أسمعها تقول: "فيق، الشمس سبقتك".
بصوت خافت فيه تمثيل كبير: صباحو.
سحبت يدي. "فطارنا جاهز".
نهضت باسترخاء المنتصر الذي حقق حلماً آخر.
وضعت خاولي على كتفي. "اغسل وجهك كي تفيق أكثر".
وقفت لحظة. الماء على الوجه كان بارداً. ومعه صوت فيروز يصدح:
يسعد صباحك يا حلو، يسعد مكان بتنزلو
لما النسيم بيزورنا عنك يا ولف منسألو
طاولة الفطور في الشرفة جعلتني أشبع من منظرها. العين هي اللي تأكل.
"أنت من حملني إلى وسادتي؟"
ضحكت. "مرة طرق أبونا آدم الباب، فنادت حواء: من الطارق؟"
ضربتني ضحكتها القوية. "حواء، حنان... أنا من نسلها. ربما تريدين تعرفي كيف حملتك، ها؟"
ما جاوبت. وضعت قطعة بيض مسلوق في فمها، ثم أشارت: تذوق هذه. كرة البسيسة بالفواكه الجافة.
"طاولتنا خليط بين فطور عراقي وتونسي".
"لا تنسَ أن نصفك تونسي. أعرف أنك تشرب الشاي بعد الأكل".
"أنت تعرفين عني كل شيء".
ولا تزال فيروز تردد:
يسعد صباحك يا حلو، وعدك لنا لا تبدلو
نبقى سوا ويبقى الهوى بقلوبنا صافي وحلو
كان كوب الشاي بين يدي. رشفة أولى هادئة تتبعها أخرى، ثم تصبح الرغبة في سيجارة الصباح، مع صوت فيروز وعيون حنان، طقساً بمثابة وسام تمنحه الحياة لكل من نجا.
لم أفطر هكذا من قبل. أعترف بهذا.
"أين سرحت؟"
"أنظر لكِ كيف تشربين الشاي".
"نحن هنا لا نشرب الشاي في الصباح، لكن هذا الفطور هاكا شعرت أنه أكثر من فطور".
"صحتين. وعاشت إيدك".
سكتت. عيونها راحت بعيد، صوب باريس يمكن.
"أمي علمتني الطبخ بأناقة".
ابتسمت. "أنا أشكرها".
رجعت بظهرها إلى الكرسي.
"لو لم تكن هناك حرب، كنا سنتعارف؟"
رشفت من الشاي. "ربما تطالعين ما أكتبه ولا تبالين. عراقي يكتب أي كلام".
"لكنه أعجبني. لذلك كتبت لك".
"أعجبك لأن فيه رائحة حرب. ما كنت سأكتب عنها لو لم تحصل. أبي بنى لي غرفة، وأمي فكرت أن أتزوج ابنة الجيران. جاءت الحرب وأخذت كل شيء".
هزت رأسها. "الحرب تعطي، ودائماً تأخذ".
"أقذرها تلك التي غنيمتها امرأة".
فتحت عينيها: "امرأة؟"
"صراع هابيل وقابيل. غنيمة، لكنها ليست جائزة. الجائزة تُمنح لمن يستحقها. ومع هذا، خلدت البشرية اسم قابيل".
سكتنا. فيروز فقط تكمل.
وضعت الكوب فارغاً. "دعك من هذا الآن".
وقفت. لمّت الأطباق كأنها تطوي صفحة.
"هيا نستعد للمنستير. بورقيبة ينتظرنا".
الطريق إلى المنستير قصير بحسابات السفر، لكنه مكتظ بالتفاصيل. أنت لا تخرج من سوسة، بل تتداخل سوسة والمنستير.
قالت:
ـ هذه جامعة سوسة، كلية الطب، عند حافات المنستير.
ثم خففت سرعة السيارة وأضافت:
ـ قرأت أن تكاليف هذه الجامعة تبرع بها العراق.
قلت:
ـ سمعت بهذا، وأنتِ أرسلتِ لي دواءً لم أجده في بلدي.
على يمين الطريق مطار المنستير، قريب من مطار النفيضة في سوسة. لكن بلد رئيسها من هذه المدينة، ويجب أن يكون فيها مطار.
على اليمين أيضاً، كانت الأرض تنفتح فجأة؛ واسعة، مسطحة، بيضاء. يدخلها ماء البحر، ثم تتركه الشمس يتبخر، ويبقى الملح.
سباخ تغطي المدى، كأن الأرض مريضة بالبهاق.
خففت حنان السرعة، وأشارت بإصبعها:
ـ شايف؟ هذا كله ملح. نغرقه بماء البحر، ثم تشتغل الشمس. تصير تلالاً بيضاء. نصدره لأوروبا.
سكتت لحظة ثم ضحكت:
ـ نبيع لهم عرق بحرنا.
دخلت رائحة اليود والملح من النافذة. رائحة قوية، بدائية، كأنك تشم جسد الأرض وهي تتعرق.
وصلنا.
المدينة هادئة مثل رجل متقاعد يعرف أنه صنع تاريخاً.
ضريح بورقيبة أبيض، شامخ، يراقب البحر.
وقفنا دقيقة صمت. لا فاتحة، لا كلام، فقط احترام لرجل قال ذات يوم:
ـ أنا الدولة.
هدوء المدينة جعلني أرى خطوط عبور المشاة، تلك الخطوط التي غابت عندنا منذ زمن. وعدت نفسي ألا أقارن، لكنني أخون ذلك الوعد دائماً.
قالت حنان:
ـ بورقيبة كان يحب السمك، تعرف؟
ثم أضافت:
ـ والخبز التونسي.
قلت:
ـ السمك لذيذ. أنتم تقولون له: حوت؟
نظرت إليّ وهي توقف السيارة عند رصيف أُعدّ لهذا الغرض:
ـ نقول حوت. وستشاهد ذلك في سوق المنستير. أعرف أنك تحب أن تلتقط صورة مع الحوت، اطمئن.
هذا متحف بورقيبة.
الدخول ليس مجانياً. التونسي بخمسة دنانير، والسائح بعشرة.
تساءلت: كيف سيتم التعامل معي؟
نظرت حنان إليّ عند المدخل كأنها تقول:
ـ سندخل معاً.
كان موظف يجلس خلف طاولة صغيرة، بيده تذاكر الدخول.
ناولته خمسة عشر ديناراً.
نظر إلينا مبتسماً، كأنه يسأل: من ثالثكم؟
سمعت حنان تقول:
ـ عراقي هو.
قطع تذكرتين، وناولها لحنان من دون أن يتكلم.
همست لها:
ـ توقعني تونسياً؟
قالت بعينيها قبل لسانها:
ـ ربما.
ضحكت:
ـ أنا نصفي تونسي، ونصفك أنتِ عراقية.
بدأ المتحف بكراج يضم سيارة بورقيبة، المرسيدس السوداء.
قالت:
ـ هنا يجب أن تلتقط صورة يا حسوني، وأيضاً عند مدخل البيت الذي تحول إلى متحف.
المكان هادئ.
كانت معنا موظفة تؤدي دور المرشدة.
اقترحت علينا أن نلتقط صورة في مكتبه الذي يحتفظ بتفاصيل رجل وتفاصيل دولة.
ثم راحت ترافقنا من بعيد، كأنها اكتشفت أن قربها يفسد اللحظات.
امتدت الرحلة داخل المكان.
تكتشف تفاصيل الحياة اليومية لرجل ما زال كثير من التونسيين يذكرونه بمحبة.
هذه صوره مع زعماء العالم، وزعماء العرب، ومع تيتو وكاسترو.
حكم طويلاً، لكنه لم يحكم بالحديد والنار كما فعل كثيرون.
سحبتني يدها نحو المكان الذي كان يتناول فيه طعامه.
بدا الرجل بسيطاً، يشبه ذلك الفلاح الذي يشتري العطر لزوجته.
حتماً كانت وسيلة بن عمار تتعطر منه.
وأمام صورة كبيرة له، شعرت كأن الرجل يخرج من الإطار ويقول:
ـ مرحباً بك في تونس التي كنت تحلم بها. حكت لي حنان كل شيء.
وبجانبه كانت وسيلة تبتسم:
ـ أهلاً بولد العراق. حنان حكت لي عنك سبعمائة مرة.
احمرّ وجه حنان:
ـ سبع مرات فقط يا خالتي.
ابتسمت وسيلة:
ـ في الحب، كل مرة تُحسب مئة.
سألتها حنان:
ـ كيفاش شفتي بورقيبة؟
قالت:
ـ كان يأتي إلى هنا، يجلس في هذا الكرسي. يقول: وسيلة، الغداء لازم فيه زيت زيتونة، وإلا ما هو غداء. وكان يسأل عن الناس، وعن سعر الخبز، وعن بنات الحومة. يحكم دولة، وعينه على التفاصيل الصغيرة.
سرحت حنان قليلاً:
ـ كان يحب تونس أكثر من نفسه.
ثم التفتت إليّ:
ـ حسووني، لو كان حياً، ماذا كنت ستقول له؟
قلت:
ـ أمات؟ لا، إنه يرقد فقط.
كانت وسيلة تنظر إلينا، ثم وضعت أمامنا كأسين من عصير الليمون:
ـ الجو حار، هذا ينفعكم.
وتابعت حديثها كأنها توجهه لي:
ـ حنان قالت لي إنك جاي اليوم، فقلت أعمل لكما غداء تونسياً. لا تخف، الشطة مطلوبة.
نظرت إلى حنان، فقرأت في عينيها ما يشبه الاعتراف:
ـ ما أقدر أخبي.
جلسنا في دار سقفها عالٍ.
كان برد الحجر يصعد إلى الوجه بعد حرارة الشارع.
وقفت وسيلة بن عمار، ومنديلها معقود، تبتسم بعين تعرف المقادير من غير ميزان.
أول ما نزل إلى السفرة كان البريك بالتن.
مثلث ذهبي مقرمش، تسمع طقطقته حين تكسره. صفار البيض داخله نصف سائل.
قالت:
ـ كول، لا يبرد. البريك البارد إهانة.
ثم جاءت السلاطة المشوية.
فلفل وطماطم وبصل مشوي على الكانون، تعلوها رائحة دخان محببة، وفوقها زيت الزيتون والتونة والزيتون الأسود.
أما الكسكسي فجاء في صحن كبير يتوسط الطاولة.
حباته منفصلة، والمرق أحمر، فيه هريسة تفتح النفس ولا تؤذيها.
أجيد الأكل بيدي، أما الشوكة فللضيوف.
ضحكت وسيلة وقالت:
ـ أحسنت، كول بيدك.
كانت حنان تأكل قليلاً وتتفرج أكثر.
قالت:
ـ شفت؟ هذا غداء يخليك تنسى الحرب.
كنت آكل بصمت.
فالسمك هنا لا يسبح، بل يتكلم:
هذا بحرنا، وهذا ملحنا، وهذه نحن.
مسحت وسيلة يدها وقالت:
ـ في المنستير نطبخ بذمة. كان بورقيبة يقول: اللي ما يشبع في داري، ما يشبع.
وكان الصحن أمامي يؤكد كلامها؛ لا ينتهي.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)


المزيد.....




- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...
- الجيل الشاب يغير خارطة زوار المتاحف الروسية وسط قفزة استثنائ ...
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية في سويسرا
- معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما ...
- موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (39)