أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (40)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (40)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 17:22
المحور: الادب والفن
    


لم يبقَ للشمس الكثير من الوقت كي تغادر المنستير ويومها الأزرق. البحر خلفنا الآن، وحنان لا تزال تسير بسيارتها بهدوء يمنحني فرصة التمتع بمنظر الأشجار التي تتحول إلى علامات مرور ترشدنا إلى الجمال.
ذات مرة سألني عبد السلام، مرشد سياحي مصري:
ليه أنتم العراقيين تأخذون صوراً كثيرة مع الأشجار والحدائق؟
لم تكن الإجابة سهلة، فهي تحتاج إلى شرح تاريخ طويل. اختصرت كل شيء وأنا أقول له:
أشجارنا في المدن تحولت إلى حطب يتدفأ به الرفاق في نوبات خفارتهم الليلية، ولا يعرفون من يحرسون: المواطن، أم الوطن، أم صورة "الريس" التي ربما يتجرأ أحد الشباب ويرميها بحجر.
في الطريق من المنستير إلى سوسة؛ أشجار، وطبيعة، وهواء نقي يشبه وجه حنان. هدأت سرعتها أكثر وهي تقول لي:
شوف حسوني، هذه الشجيرات الصغيرة كيف قُصّت وشُذبت.
تونس، الشجر ينطق باسمها. أناقة وجمال.
نظرت إليّ مبتسمة وقالت:
لا تقارن يا حسوني.
قلت:
لا، بل أنا منبهر. والانبهار يمنحنا حق أن نتعلم من الآخرين.
ثم قالت:
هل نتوقف هنا يا حسوني؟ أظن الغلال نفدت، وأعرف أنك تحبها.
محل بقالة، ورجل ستيني بزيه التونسي وشاشيته الحمراء، يتفحص وجوه القادمين نحوه. صُفّت الفاكهة كما لو أنها موضوعة في أطباق أمام خليفة أموي أو عباسي ينتقي منها، وينظر إلى جواريه اللاتي لا تعرف أيتهن يرغب بها هذه الليلة.
ها حسوني، ماذا نأخذ؟
قلت:
أظن أننا نحتاج من كل صنف اثنتين.
نظرت إليّ كأنها تسألني: نوح وسفينته، من كل زوج اثنين؟
انتقت كما اتفقنا، ووضعها البائع في كيس ورقي هو الآخر صُنع من الطبيعة.
قادتني قدماي إلى داخل المحل أتفحص ما فيه: شوكولاتة، وبسكويت، وأشياء كنت بحاجة إلى اقتنائها قبل عشرين عاماً وفشلت. كانت يداي شرهتين وسعيدتين بتلمس شتى الأنواع التي يحبها الأطفال.
سألتني:
هل أخذت شوكولاتة وبسكويت؟
قلت:
إي، شكلهما أنيق، وأكيد أن الأطفال سيحبون طعمهما.
دخلت حنان المتجر، وسحبت لوح شوكولاتة ومعه أشياء أخرى لم أرها من قبل، ثم نظرت نحوي وقالت:
هذه يحبها الأطفال أكثر يا حسوووني.
كان البائع يتكلم معها بسرعة. لهجتهم تحتاج إلى أذن تفهم الأصوات لا الحروف. لا أدري كم دفعت له.
استقرت الأكياس في المقعد الخلفي للسيارة، والنافذة مفتوحة، ووجهي يتلقى نسائم تداخل سوسة والمنستير.
تذكرت طفولتي، حين كنت أذهب مع أمي إلى بستان جدي. ما إن تنتهي المدينة ونصل إلى نهاية "الكوبات" التي تسبق البساتين حتى تتغير الرائحة. نشم رائحة الرمان، ونرى تدلي عناقيد العنب، وأرى حياء التفاح "أبو خد أحمر" وهو ينضج بهدوء.
هذه المدن أيضاً نضجت بهدوء. لم تكبر بسرعة، بل فضّلت أن تمشط شعرها كل يوم وتنتظر القادمين إليها من البحر أو من الفضاء.
الآن عرفت لماذا لسوسة مطار، ويجاورها مطار بورقيبة في المنستير، التي لا تبعد عنها سوى بضعة أشجار ومتجر صغير فيه ما يحبه الأطفال من حلوى، وغلال تشبه غلال جدي لأمي، الذي كان يحملها لنا في عبّ صدره ويوزعها علينا بعدالة لم ندرك قيمتها إلا بعد أن غادر الحياة صوب الجنة.
سوسة... نعود إليها. ربما سألت عنا، فهي تعرف أنها مدينة يتبدل ناسها كل لحظة.
عند مدخل القنطاوي، لمحت سيارة أجرة صفراء.
ما هذا؟ حديقة حيوانات؟
شعرت حنان أنني أنظر إليها، فسمعتها تقول:
هذه حديقة حيوانات صغيرة، غداً نزورها بعد الزوال. لا تقلق يا حسوني.
قلت:
ولِمَ القلق يا صغيرتي؟
قالت:
وقبل أن أنسى، تقابلها مدينة ألعاب مائية للأطفال، سنزورها أيضاً.
متحرمش منك.
قلتها بعفوية أضحكتها.
خففت السرعة وهي تستدير نحو "البارك"، وقالت:
نستريح قليلاً، نأخذ جولة مسائية في متاجر القنطاوي، ونقعد مع الناس، ونكون سياحاً.
توقفت السيارة في مكانها المعتاد. لم تكن مهمتي وحدي حمل هذه الأكياس، فقد شاركتني هي.فرحت شقة القنطاوي بعودتنا.
لم تكن الرحلة إلى المنستير متعبة، لكنني كنت بحاجة إلى دوش بارد. بينما كانت حنان تضع الغلال في أماكنها، سمعتها تقول:
ــ لن أتأخر عليك كثيراً، سأذهب ساعة أو أكثر وأعود، تكون قد ارتحت.
كان الماء ينزل بهدوء. أعرف أنه بارد حتى في الصيف، وأن رغوة الصابون هنا تحمل نكهة الياسمين التي اعتدت عليها منذ أن أصبحت حقيبتي تقيم في هذا المكان. تذكّرت ماء بيروت؛ يحتاج إلى نوع خاص من الصابون أو الشامبو كي يمنحك رغوته كاملة. هناك، كأن للماء مزاجاً آخر. أما هنا فلا أدري من أين يأتي. قالت لي مرة:
ــ من عيون زغوان.
كانت الصالة هادئة. هي من شغّلت جهاز التبريد قبل أن تغادر. كم تبدو حنان أنيقة في تفاصيلها الصغيرة: تعدّ الشاي، تضع السكر في الكوب، وتترك إلى جانبه قطعتين من البسكويت، كأنها تقول دون كلام: يكفيك هذا الآن.
أغمس طرف البسكويت في أول موجة شاي داخل الكوب، ثم أرفعه سريعاً قبل أن يذوب. لا أتركه ينهار. هذا خطأ يقع فيه الكبار ويتقنه الصغار وحدهم. تلك واحدة من طقوس الشاي التي لم تغادرني.
يتحوّل البسكويت الصغير إلى عدة لقيمات، ولكل لقمة طعمها المختلف. الصغار يجوعون كثيراً لأنهم يتحركون كثيراً، لذلك يحتاجون دائماً إلى “تصبيرة” بين وجبات الطعام.
لهذا ربما كنت أحتفظ في مكتبي بمدرسة السموأل ببعض التصبيرات المتنوعة. لا أتناولها إلا نادراً، وأحياناً أستخدمها لمصالحة تلميذ جاء يشكو زميلاً ضربه أو أزعجه.
وكلما رأيت تلك التصبيرات، عادت إليّ صورة قديمة من أيام المدرسة.
كان الصف الثالث، شعبة (ب)، يؤدي درس الرياضة. التلاميذ مصطفّون في فرق، لكل فرقة قائدها. دون أن أنتبه وجدت نفسي أقف مع الفرقة الثانية التي يقودها التلميذ إيهاب.
وعندما أعلن معلم الرياضة أن المباراة ستكون بين الفريقين، فرحت كأن الأمر يعنيّني وحدي. نظر إليّ إيهاب وقال:
ــ صير كولجي.
أجبته فوراً:
ــ لا، آني هجوم.
ابتسمت في داخلي، لكنه لم يبدُ مقتنعاً تماماً. بدأت المباراة، ولم ننجح في تسجيل هدف. وعند دق جرس الفرصة اندفع التلاميذ نحو الحنفيات. ركضت معهم، أحاول أن أسبقهم، لكنهم كانوا أسرع.
قطعة البسكويت الثانية أوصلتني إلى قاع الكوب. وعندما يفرغ، يبقى الشاي في القاع كثيفاً، كأنه خلاصة ما مرّ به كله؛ شاي معتّق بنكهة البسكويت.
لا يزال شعري مبللاً. أحبّه هكذا. منذ سنوات أستخدم أصابعي مشطاً له.
لماذا لا أتمدد قليلاً على السرير؟ لست متعباً، لكن الراحة ليست دائماً نتيجة تعب.
يقابل السرير نافذة تُترك مفتوحة ليلاً. تتمايل ستائرها كلما تنفّس البحر، وتتدلّى عندها متسلقات الورد. من هناك أرى الشارع والرصيف والمرسى، وأسمع موسيقى القنطاوي البعيدة.
على الجدار لوحة مقلدة لفنان عالمي: امرأة تمشط شعرها، وبجوارها رجل يحمل غليوناً، وخلفهما سفينة وشمس. أما الجدران البيضاء فتمنح الغرفة شعوراً بالنقاء، أو توهم به على الأقل.
والضوء الخافت المنبعث من السقف يقول شيئاً واحداً: الأشياء الجميلة لا تحتاج أن تُفهم دائماً، يكفي أن تُحَس.
إلى جانب السرير منضدة صغيرة ذات درج واحد. وفي الطرف الآخر من الشقة تبقى سجائري فوق طاولة الصالة. لم أنقلها إلى هنا قط؛ غرف النوم مناطق خالية من التدخين.
الشقة صغيرة، لكنها تتسع للكثير من الأحلام. وربما تدخل التاريخ يوماً إن نلت جائزة نوبل… ولم لا؟
قبل ربع قرن تقريباً فازت إحدى قصصي بالمركز الثالث في مسابقة أدبية، وكانت الجائزة يومها ثمينة جداً.
ربع قرن…
كم أصبح عمري الآن إذن؟
بعد أشهر قليلة سأكمل نصف قرن. خمسون عاماً؛ عشت منها عقداً ونيفاً في الألفية الثالثة، والباقي في ألفية مضت. كأنني مخضرم بين زمنين.
أتذكر أن حنان سألتني قبل عشرين عاماً:
ــ كم عمرك؟
فأجبتها:
ــ بضعة حروب، لا أكثر.
خمسة عقود، ومع ذلك ما زالت تناديني: حسووني.
وما زلت أتناول البسكويت مع الشاي بالطريقة نفسها.
وغداً سأذهب إلى حديقة الحيوانات، ثم إلى مدينة الألعاب. وفي أول درس رياضة في مدرستي الجديدة سأكون “كولجي” الصف الرابع (ب)، الفرقة الثانية.
وهذه المرة…
سأسبقهم إلى الحنفيات.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب


المزيد.....




- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...
- مؤسس ويكيبيديا يعارض استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير مقالا ...
- -البوليفونية- العربية المأزومة ومرض ديكتاتورية الصوت الواحد ...
- معاون وزير الخارجية الإيرانية ورئيس وفد المفاوضات الفنية كاظ ...
- لأول مرة.. جائزة -شوم- الروسية تطلق فئة خاصة لترشيح الإقليم ...
- موسكو.. RT تنظم حفلا خيريا لأسر العسكريين في يوم الذكرى وال ...
- باكستان تعلن استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران الأس ...
- رحيل الفنان الروسي القدير ميخائيل نوجكين عن 89 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (40)