أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (42)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (42)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 13:04
المحور: الادب والفن
    


(45)
صباح آخر يقترب، أشعر بخطواته تقترب من شرفتنا التي تنتظره. الصباح في هذه المدن يكون أهدأ، لا صوت سوى الهدوء. الكل عاد قبل الفجر بساعة، وحدهم بدلات برتقالية يغسلون الشوارع النظيفة. تذكرت بغداد قبل أربعين سنة، شوارعها تنغسل ليلاً مثل سوسة هسه. ظلت الشوارع تنتظر المطر كي يغسلها.
نعم، أحتاج كوب شاي وقطعتي بسكويت وسيجارة، هنا في الشرفة التي تطل على كل الحضارات. مرة سألت نفسي: لماذا لم يجاور بلدي البحر؟ قلت: ربما جدنا حمورابي، كاتب أول قانون، كان يخشى علينا أن نغرق، رغم أننا نجيد السباحة. لذيذ هذا الشاي. لا أزال أمارس طقوس أكل البسكويت، بل أتقنها. يحسدني عليها الصغار الذين تركوا البسكوتة وذهبوا إلى أكلات العصر الجديد.
نائمة هي، لا، لن أوقظها. لا جدول لدينا في الصباح. هي قالت: سنذهب إلى حديقة الحيوانات بعد الزوال، ووعدتني بذلك، كما وعدت بأن تراقصني. إنها أوفت بوعد الرقص عند النافورة، ويشهد الفلاح الفرنسي وحقله على ذلك. لن أعد لها الفطور، لا أريد لوزنها أن يزداد بسببي.
ما زال مهندسو النظافة يؤدون مهمتهم، يقلمون ما زاد من أغصان الأشجار. صمتهم احترام، يعرفون أن الناس لا يزالون نياماً. سأعد لهم قهوة. لدي بسكويت، أشاركهم هذا الصباح. الأمر لا يتطلب سوى أن أقوم من هذا الكرسي، أوقد نار الطباخ، أضع أكواباً صغيرة جداً فيها قهوة، وصحناً صغيراً فيه بسكويت، أنزل السلم، أستدير يساراً، فأكون أمامهم.
ـ صباح الخير.
ـ ثلاثة.
هم ينظرون إلى ما أحمل. لا أحد يتقدم، أنا من تقدمت نحوهم.
ـ هذه قهوة وبسكويت.
ـ شكراً سيدي، أول مرة يقدم لنا سائح قهوة.
ـ أنت لم تنم؟
ـ نمت، شبعت نوماً، أحب الفجر.
ـ إنت من ليبيا؟
ـ من العراق.
انتبهوا كلهم وهم يرتشفون القهوة.
قال أحدهم: مرحباً بك، شنو أحوالكم؟ لا بأس؟
ـ الحمد لله.
أكملوا القهوة، وعدت إلى الشرفة أتابع عملهم. تذكرت عندما كان عمال البلدية ينظفون شارعنا قبل أربعين عاماً. كانت أمي، عندما يصلون قرب دارنا، "تطلع لهم صينية" شاي وكليجة، وأحياناً فقط شاي. ليست أمي وحدها، هنالك غيرها.

أحتاج فنجان قهوة من التي شربها هؤلاء المهندسون. ابتعدوا إلى نهاية الشارع، أرى فقط ظهورهم. لا منهج صباحي اليوم، لدينا سفرة إلى حديقة الحيوانات. آخر مرة طلعت سفرة مدرسية كنت في السادس الابتدائي إلى حديقة الحيوانات. كانت أمي أعدت لي "علاكة" فيها "لفتين كبة" و"لفة عروك كباب بيت". أبي أعطاني دينارين، زادتهما أمي ثالثاً، قالت: اشرب "بسي"، وإذا جعت اشترِ لفة أخرى. كان معنا معلم الرياضة، أستاذ صباح. حشرنا في باص، كنا سعداء، ومحظوظ من جلس عند النافذة. لم أنل هذا المكان. بعضنا كان يغني، والأغلبية تصفق بدون تناسق، لكنها فرحة جداً.
من الأفضل أن أسلق ثلاث بيضات. حين تصحى تجد الفطور جاهزاً، وإن لم تفطر سأزعل عليها، أفتعل الغضب. لا، لا يمكن أن أصدر أصواتاً، كيف أفعل هذا وهي نائمة؟ غسلت فناجين القهوة والصينية الصغيرة، وأعدتهما حيث كانا. البيض بدأ ينضج. مرة قرأت أن عشر دقائق تكفي لنضوجه. الخبز يحتاج إلى فرن حراري صغير، أجيد هذه التفاصيل الصغيرة. أعيد تنظيم الطاولة، وترتيب الكراسي. طقوس الفطور الصباحي ليوم بلا منهج، يشبه العطلة. لا تزال قرطاج نائمة، كأنها قطة. قطة، ذات مرة وصفتها هكذا في إحدى رسائلي، وكان ردها: لا توجد قطة بعيون سود. تجاهلت الرد، كأي رجل شرقي يرفض الهزيمة، رغم أن البعض يقول: من الغباء أن تدخل في نقاش جدلي مع امرأة؛ إن فندت رأيها كرهتك، وإن فندت رأيك هزمتك. في الحالتين أنت الخاسر الأكبر.
إنها تستيقظ، تعيد شعرها إلى الوراء، كأي قطة تمط جسمها.
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور، قطتي الجميلة.
قربت وجهها مني: ميوو... ما في قطة لون عيونها أسود يا حسوني، قلت لك هذا من قبل.
ـ دعني أغسل وجهي، وأنت جهز الفطور، البيض نشف ماؤه.
ـ أووه، حقاً؟ تقشير البيض المسلوق وهو حار فيه لسعة تشبه المقبلات التي تجعلك تشتاق للبيضة، أما تقطيعها في صحن وأنت ترى حرارته، فهذا لا يوصف.
ـ تشربين شاي أم كوفي؟
ـ شاي.
ـ تعرف، تعودت على الفطور الخفيف. أنا عادة فطوري خفيف: فنجان قهوة وقطعة صغيرة من الكيك.
ـ من أجل الرشاقة؟
ـ ربما، هو طقس ليس لدي فقط، أغلب تونس "هاكا". نحن نختلف، في الصباح وجبة كاملة.
ـ شعرت أنك نزلت من الشقة إلى الشارع؟
ـ إي، عملت قهوة لمن نظفوا الشارع، كانوا تحت الشرفة وبجانبها.
رفعت رأسها مبتسمة: عفية حسوني، أنت طيب القلب. اليوم الجو فيه رطوبة تنتهي في العاشرة. الحركة قليلة، وأنت لم تتعود على الرطوبة، لهذا دع التبريد شغالاً وأغلق النافذة وباب الشرفة. رطوبة؟ تموت في البصرة، هاكا، وبيروت أيضاً، المدن الساحلية.
ـ أكمل الباقي، بيضة واحدة تكفيني وزيادة.
ـ أنا قلت أيضاً: واحدة لك، واثنتان لي.
حملت حنان الصحن وأكواب الشاي. كانت الطاولة خالية إلا منفضة سجائر وزهرية فيها ياسمين أبيض يحتاج إلى تبديل. أحكمت إغلاق النافذة وباب الشرفة.
ـ قالت: ساعتان وتنتهي الرطوبة.
ـ إي، مزعجة الرطوبة العالية.
ـ شوف، في هذه الشقة نرد وشطرنج، تلعب شطرنج؟
ـ أعرفها، لكن لا ألعبها.
ـ علاش؟ هو لعبة الملوك.
ـ أنا لست بملك. هي لعبة حرب، يموت الجميع ليبقى الملك، وإن مات قبلهم يتهمون بالخيانة ويعدمون.
ـ فلسفة قوية، أحتاج أن أفكر بها.
ـ علاش تفكرين؟ واضحة.
هزت رأسها: أي، صح.
- شوفي، حتى هتاف: نموت نموت ويحيا الوطن، هذا يصلح في الثورات، لا يصلح في بناء الدولة.
- حسوني، حبة... حبة، أعيدها لي. قبل الاستقلال: نموت نموت ويحيا الوطن. هذا النشيد الوطني، نهايته.
-أعرف، حماسي ينفع برشا. بعد خمسين سنة يكون: نبني، نزرع، ليحيا الوطن. يعني نقل الناس من الهتاف للعمل.
- تلعب شطرنج؟
ضحكت: لا، ما ألعب.
ـ ليش؟ نبدأ الصباح بقتل الجنود، وفي القنطاوي؟ إذا موجود ورق نلعب.
ضحكت وهي تقوم لتضبط جهاز التبريد على أعلى درجة تبريد. اليوم لا جنود، لا ملوك، فقط نحن والرطوبة اللي تموت بعد ساعتين.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)
- يوميات الحرب والحب والخوف (25)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)


المزيد.....




- السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث ...
- -حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه
- وزارة الثقافة الروسية تعلن نمو الإقبال السنوي على المكتبات ب ...
- الثقافة في القدس: فضاء الصمود اليومي وإعادة إنتاج الهوية
- موسكو.. انطلاق مسابقة الباليه الدولية الـ15 في مسرح البولشوي ...
- ألحان من تحت الركام.. الموسيقى سلاح أطفال غزة لمواجهة الفقد ...
- أصوات من خيام غزة.. الغناء يفتح ممرا للناجين من الفقد
- انطلاق مسلسل -الأشرعة القرمزية- بتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر ...
- مصر.. الشؤون الإسلامية ترد على تصريحات يوسف زيدان بعد تشكيك ...
- أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (42)