أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (49)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (49)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 15:37
المحور: الادب والفن
    


النوم في السفر خطأ، لكن الجسم يحتاج لذلك. سريري الذي منحني ساعتين نوم أحتاجها؛ ليست قيلولة، بل ضرورة لتنشيط الجسم وخلق توازن. السفر والرحلات جاءت متأخرة للجيل الذي أنتمي إليه، لكننا سافرنا كثيرًا: كل شهر سفرة، منها للبصرة، وأخرى للعمارة، وثالثة للسليمانية، وإن كانت جبهات لكنها سفر.
إبريق الشاي، وهذا الكوب الأنيق، لا أحتاج بسكويتًا، فقط شايًا. أفتح صفحتي في "القمر الصناعي" الذي بين يدي، أقرأ التعليقات، أضع "لايك" إعجابات. لِمَ لا أنزل صور رحلة الأمس في حديقة الحيوانات؟ صوري فقط؛ هناك صورتان أو أكثر تجمعني بحنان، هذه لي وحدي.
سرعة الإنترنت هنا أسرع رغم أنه على شريحة موبايل. المهم فارق الثواني لا يُعد تأخيرًا في قاموسنا؛ العالم يحسبها بالثواني. أيضًا سأنزل صور رحلة القيروان. سيستغرب كُثر وقد يسألون: "أكو كروبات لتونس؟" لن أرد على هؤلاء المعلقين، أكتفي بوضع لايك إعجاب.
قدح آخر من الشاي، هذا شاي العصر دائمًا يكون في المقهى. أيضًا يجب أن أضع مقالي لهذا اليوم في صفحتي؛ لا قراء عندي للمقالات، أغلبهم يضعون إعجابًا ربما مجاملة لي، وقلة يعلقون. الناس لا تريد مقالات، تريد أخبارًا؛ الخبر لديهم أهم من التحليل، وحقهم. التحاليل لدينا مزاجية، حسب وجهة نظر مالك القناة الفضائية، وحتى المقالات أحيانًا كثيرة لا تمثل رأي كاتبها بقدر ما تمثل رأي صاحب الامتياز. لكن هنا على الفيسبوك، جريدتك، قناتك الفضائية، يمنحك هذا الحائط حرية أحيانًا أكثر مما تستحقها؛ عالم يجمع بين الافتراضي والواقعي.
هي قالت ستأتي قبل الغروب، قد تكون الآن في الطريق. تذكرت لوح الشوكولاتة، أتناوله الآن حتى لو أزال طعم الشاي؛ تبقى للشوكولاتة نكهة. لوح صغير من الذي يقتنع به الأطفال.
طرقات على الباب، إذن هي. أفتح بهدوء، تدخل:
- عسلامة.
- الله يسلمك.
تغلق الباب، أنظر إليها:
- كيف كانت حفلة النجاح؟
- ذهبت لعدة دقائق ثم غادرت، مررت على الدار، أخذت دوشًا، غيرت ملابسي ونمت قليلًا.
- صحتين.
- هل نمت؟
- كثيرًا، وفي السرير.
- استرجعته إذن؟
- بل استعرته، لم يكن محتلًا. صغيرتي الجميلة والأنيقة؟
- غزل أم معاكسة؟
- شوفي، الكلمات الجميلة عندما تسمعها حواء لا ترفضها، تتقبلها. آدم يُلقيها وهو واثق؛ لا امرأة ترفض كلمات تستحقها.
- حسوني، أنت تكلم كل النسوة هكذا؟
- لا، قلت لك: الكلمات لا تُصطنع، تخرج طبيعية، هي ليست نصًا مكتوبًا مسبقًا.
تعالي نجلس في الشرفة؛ هناك ما يجعل الحديث أكثر نقاءً. الشمس في طريقها لأن تشرق في مدن ظلت تنتظرها، نحن أخذنا منها اليوم ما يكفي، ونترك للقمر فرصة أن يكون معنا بعد دقائق أو أكثر. الناس يمرون من تحت شرفتنا في طريقهم إلى ساحة النافورة.
أسمعها تقول:
- سهرتنا اليوم في حمام سوسة، ليست بعيدة، بضع دقائق، القنطاوي تابعة لها.
- قرأت يافطتها.
- شاهدتك؛ هواياتك جميلة، قراءة اللافتات، ذكرتني، كانت هوايتي قراءة أرقام السيارات.
- هذه الأرقام جزء من المشهد العام، حتى يافطات المحلات جميلة.
- حمام سوسة فيها أسواق تفتح ليلًا، نُزل كثيرة، مطاعم وجبات سريعة، حدائق.
- يعني هدوء.
- برافو حسوني، استرخاء، وممكن تبضع أيضًا، الأسعار مناسبة.
- فعلًا، هنا الأسعار في تونس عمومًا ليست عالية قياسًا ببلدان أخرى.
- أغلب محلي ليس مستوردًا. أنت قلت لي مصر أرخص؟
- مصر أرخص للزائر اللي معاه ورق أخضر، للمصريين غالية عليهم.
- أعمل لك شايًا؟
- لا، شكرًا، عملت وشربت.
ابتسمت كأنها تقول "عافية". الشمس أنهت مهمتها، الليل بدأ توقيته، أصوات الناس هناك عند النافورة تصدح مع موسيقى صاخبة. أتخيل ماء النافورة يرتفع عاليًا. حنان تطالع حائطها في العالم الافتراضي، رسالة "ماسنجر" تصلني، أفتحها: "هيا حسوني، نذهب الآن".
أنظر لها، أسمع ضحكتها القوية كأنها تقول: بين عالمين نحن، لدينا رسائل ورقية، ومسجات تصل برمشة عين.
الحدائق والمساحات الخضراء أبرز ما يميز حمام سوسة. المشي يمنحك متعة أكبر وأنت تتفحص المكان بهدوء. كانت السيارة قد أخذت موقعها في الموقف.
بائعة الياسمين امرأة ستينية، في معصمها أطواق الياسمين. لم تقترب منا، فهي لا تبحث إلا عن سائح. يبدو أن شكلي لا يوحي بأني سائح، بل أقرب إلى أي مواطن عادي. ربما عرفت أنني تناولت الكفتاجي وشربت الشاي بالنعناع، وربما سمعتني وأنا أقول لحنان كلمات باللهجة التونسية.
كنا نقف عند محل ذي واجهة زجاجية. كانت فتاة في منتصف العشرينيات تقف خلف المنضدة، فيما كانت خطوات حنان تسبقني إلى الداخل. المحل أنيق، يبيع لوازم مكتبية. حافظة أوراق صغيرة بداخلها حزمة أوراق متعددة الألوان، وأقلام جاف أنيقة. كانت حنان تنتقي، والبائعة تنظر إليها وتزين لها البضاعة. أراقب كل هذا، حتى وقعت عيناي على أوراق ملونة جميلة، مؤطرة بالورد، ناعمة الملمس، تشبه أوراق مجلة الوطن العربي التي كنت أطالعها.
حملت بنداً من هذا الورق، فقالت البائعة:
فيه خمسة ألوان، كل لون عشرة أوراق.
اهتز رأسي، واهتزت معه رموشي، كأني أقول لها: أعرف ذلك.
وضعته مع الحاجيات الأخرى التي انتقتها حنان.
كيس ذهبي هذه المرة، بداخله ما اشتريناه. لم أسألها: ما هذه الحاجيات؟ لكنني أعرف أنها لي. البائعة فهمت ذلك أيضاً، رغم أن الكيس ظل بيد حنان تمسكه بقوة.
تعال ندخل هذا المتجر.
محل ملابس رجالية وشبابية وأطفال.
وأنا أحدهم، أحتاج هذا المحل.
بل أنت كلهم يا حسوني.
نظرت إليها مبتسماً. كانت يدها على كتفي هذه المرة ونحن ندخل المتجر.
ظلت يدها كما هي. رحبت بنا البائعة بلهجة لم أفهمها، فردت عليها حنان. كنت أتفحص طريقة العرض الجميلة التي تجبر الزبون على الشراء، أو على الإعجاب على الأقل.
شوف، هذا قميص لائق "ياسر" عليك.
ذوقك حلو.
ابتعدت البائعة عنا وهي تساوم زبوناً آخر دخل بعدنا. كنت أحمل قميصاً آخر، فسمعتها تقول:
قمصان كثيرة اشتريت.
هذه للدوام، وبطبيعتي أغير ملابسي كل يوم.
طبعاً، مدير، ومعك عشرات المعلمات، يجب أن تكون أنيقاً.
كأنك قلتِها من غير "نفس"، سأرجعهن.
لا، لا، لم أقصد شيئاً. هل زعلت يا حسوني؟
ليش أزعل؟ سأخذهما، خلاص.
وقفنا أمام البائعة التي وضعتهما في كيس أكثر أناقة من القمصان نفسها. حملتهما حنان أيضاً. ظلت البائعة تنظر إلينا وهي تعيد لي ما تبقى من المبلغ.
خرجنا، فسمعتها تقول:
شاهدت البائعة كيف كانت تنظر إلينا بدهشة؟
لكِ فقط كانت تنظر.
لا، كانت عيناها تنتقلان بيني وبينك.
ربما كانت تقول: كيف قبلت هذه الصغيرة الجميلة الأنيقة بهذا الرجل ذي الشيب، غير الوسيم؟
عن جد؟ أحسست بهذا أنت؟
تقريباً، خاصة أن شعري أبيض، ولست وسيماً، وربما سيظهر عندي كرش أيضاً.
إنت خطير برشا.
علاش؟
لأنها فعلاً كانت تقارن بيننا. المرأة تفهم المرأة يا حسوني.
إذن تحليلي صحيح. تعالي ندخل هذه الكافتريا، عازمك على آيس كريم بالجوز.
أحبها جداً، حدثتك قديماً عنها.
كانت الكافتريا ذات جدران نصفها الأعلى من الزجاج؛ ترى الخارج، وهو لا يراك. أضواء هادئة، وطاولتنا على اليمين، رقمها ثمانية. رقم جميل يذكرني بأشياء كثيرة، أهمها الثامن من الشهر الثامن من العام الثامن بعد الثمانين.
جاءت النادلة، وكانت حنان تتفحص "المنيو". هي من طلبت، وأكيد أنه بالجوز، لا شك في ذلك.
طلبت بالجوز، ولك بطعم المشمش.
وإن شاءت نفسي بالجوز، آخذ منك؟
لا، أعطيك من عندي. أنت لا تأخذ، بل تُعطى. وأنا أيضاً أحب المشمش.
أنا لا أعطي، وإذا أردتِ أطعمك بيدي.
ضحكة عالية، لكن أحداً لم ينشغل بها. كلٌّ كان يغازل عند طاولته.
وضعت النادلة الطلب أمامنا. لا تعرف لمن الجوز ولمن المشمش، لكنها أعطتنا الحل: كلٌّ منا يأكل مما يرغب. وهكذا خسرت فرصة أن أقول لها: "هممم... هممم".
هل زعلت يا حسوني من كلامي عن القميص كل يوم؟
أنا لا أزعل، أتظاهر بذلك فقط، يا صغيرتي الجميلة.
المشمش لذيذ، سأعمل خلطة جوز ومشمش.
انتهت موسيقى أغنية فرنسية لم ينتبه إليها أحد، حتى نحن. كان طعم الجوز والمشمش أقوى من الموسيقى. كنت أنظر إليها كيف تتعامل مع برودة الآيس كريم، وكيف تتذوق الطعمين معاً.
لم يبقَ الكثير في الكأسين. فجأة سمعت موسيقى أعرفها، سمعتها مرات عديدة. كانت حنان قد انتبهت إليها أيضاً.
تعرف هذه الموسيقى يا حسوني؟
هززت رأسي.
كانت النادلة تضع أمامنا ورقة الحساب. شاهدت الرقم، فوضعت المبلغ. الكيسان بيد حنان، وعيناها كأنهما تقولان لي: هيا.
كانت الموسيقى ترتفع، وصوت ماجدة الرومي يخرج كأنه الفجر:
كن صديقي... كم جميل لو بقينا أصدقاء كم جميل لو بقينا أصدقاء إن كل امرأة تحتاج تحتاج إلى كف صديق
نهضنا معاً، كفاً بكف، بينما بقيت الرومي تردد:
أنا محتاجة لميناء سلام.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)


المزيد.....




- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...
- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (49)