أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (48)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (48)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 13:08
المحور: الادب والفن
    


مطاعم القيروان كثيرة. توقفنا عند أحدها، وكان مزدحمًا وقت الغداء. أفواج من السياح تملأ المكان؛ بعضهم لا يزال يتجول في الأزقة، وبعضهم حط رحاله هنا أو هناك.
جلسنا إلى طاولة صغيرة. وضعت أمامنا قائمة المأكولات، وأخذت أتأملها.
ما رأيكِ يا حنان بطبق "الكفتاجي"؟
هل تناولته من قبل؟
لا، لكنني قرأت عنه، ويبدو أنه من الأطباق المشهورة.
إذن نتناوله. فيه شطة يا حسوني، سأطلب من النادل أن يجعلها خفيفة.
اقترب النادل، أخذ الطلب مع الملاحظات، وراح يدونها في ورقة صغيرة من تلك الأوراق الكثيرة التي يحملها معه.
اختيار الكفتاجي جيد يا حسوني، كنت سأختاره أنا أيضًا.
صحتين مقدمًا.
بالحق، كيف وجدت الأكل التونسي؟
أكل من نوع خاص. أظن أن الفلفل الحار يدخل في معظم أطعمتكم.
هذه ملاحظة أغلب من يزور تونس. في المطاعم لا يوجد طعام جاهز، بل يُعدّ حسب رغبة الزبون، لذلك يتأخر قليلًا.
بالحق، طالعتُ مقالك صباح اليوم. كتاباتك تجعلك تُحسب على الحكومة.
بل على الدولة. هناك فرق كبير يا صغيرتي بين الدولة والحكومة.
دولة، حكومة... ربما في عالمنا العربي لم يدركوا بعد هذا الفارق؟
الديمقراطية ما زالت جديدة عندنا. أنتم هنا في تونس نجحتم أكثر في فهمها، أما نحن فما زلنا نتخذها جسرًا للوصول إلى السلطة، والسلطة كثيرًا ما تأكل الدولة.
عاد النادل يحمل قنينة ماء كبيرة، ووضع أمامنا قدحين. ملأت حنان الأول وناولَتنيه وهي تقول:
نحتاج قنينة أخرى بعد الأكل، صح يا حسوني؟
الجو الحار يحتاج إلى الماء باستمرار، والشطة مهما كانت خفيفة تحتاج ماءً أيضًا.
أسلوبك في المقالات جيد.
أحيانًا يكون مملًا. تعرفين، لم يعد كثيرون يقرؤون ما يُكتب. الناس اليوم تسمع وتشاهد أكثر مما تقرأ، لذلك أنشر مقالاتي على صفحتي في الفيسبوك، وعدد من يقرأها هناك أكبر من عدد الذين يحملون الصحف بأيديهم.
هذه نقلة كبيرة. التكنولوجيا الرقمية جعلت الناس تتابع وتقرأ أسرع، وكل منا يحمل بين يديه قمرًا صناعيًا صغيرًا.
إي، هذا الموبايل جعل الجميع يتنقل ويقرأ ويتكلم من دون أن يحتاج إلى جواز مرور.
لكن يبقى لانتظار ساعي البريد والرسائل الورقية طعم مختلف، مو؟
عندك حق. رغم أن كثيرًا من "المسجات" تبقى بانتظار من يقرأها، فهي أيضًا رسائل في صندوق بريد إلكتروني.
كان النادل يقترب من جديد.
رائحة "التبليل"، رائحة امتزاج الطماطم بالفلفل والسجق التونسي، وحتى القرع كانت له نكهته الخاصة حين يذوب وسط كل ذلك مع اللحم.
وصل الطبق يتصاعد منه البخار. رائحة الطعام تسبق المذاق، والصحن بيننا، وحدود واهية بين أصابع ستتلامس سهوًا أكثر من مرة.
كأنك تتنفس المطبخ التونسي يا حسوني.
النكهة وحدها مقبلات. حتى لو وضعوا شطة أكثر سأأكل.
برافو، كن جريئًا، لا تخف، رغم أن وزنك مناسب.
لا أضمن الحفاظ عليه، رغم قيمته الكبيرة... ستة وسبعون كيلوغرامًا.
بدأنا نأكل بهدوء. ومع كل لقمة كانت المساحات الخالية في الصحن تكبر شيئًا فشيئًا.
سمعتها تقول:
هذا النوع من الأكل لا يحتاج إلى سرعة. كُل على مهلك لتستمتع بلذة ما تأكل.
أومأت برأسي.
كان طعم كل لقمة يختلف قليلًا عن سابقتها. بدأت أميل إلى الأكل ببطء، وربما أغيّر بعض عاداتي القديمة.
امتلأت الطاولات بالزبائن، وتكاثر النادلون بين الجالسين. أرسلت حنان إشارة إلى نادلنا تطلب قنينة ماء أخرى، فجلبها مسرعًا، بينما كانت المساحات الخالية في الصحن قد أصبحت أكثر من الباقي فيه.
ها يا حسوني، ما لك تنظر إلى الصحن؟ سنتقاسم ما تبقى. نصفه لك، ونصفي لك.
رفعت عينيّ نحوها.
كُل يا حسوني، وابدأ بنصفي. طريقة أكلك هذه المرة شاعرية برشة. سأطلب لنا شايًا بالنعناع.
كان رأسي يتكلم بالإيماء، بينما كانت أصابعي منشغلة بعزف موسيقى الأكل، وتتحسس آثار أصابعها التي تركتها متعمدة في الطبق.
فضلنا شرب الشاي بالنعناع في مقهى قديم على إحدى ناصيتي الشارع، مقهى ما زالت الأرائك فيه تحتفظ برائحة الزمن، وكأنها تشرب تاريخ القيروان وتحتفظ به في أقمشتها الباهتة.
أظن أنك استمتعت بالأكل.
الطباخ الماهر هو من منح الكفتاجي تلك النكهة الرفيعة.
حقاً يا حسوني، هناك من يفشل في ذلك.
لأن المكونات لا تنجح دائماً في الانسجام… كل عنصر يريد أن يفرض طعمه وحده.
حسوني… هل عشقت الكفتاجي؟
ليست مسألة عشق، بل انبهار… سأعطيك مثلاً.
تفضل.
هذا كوب الشاي بالنعناع… من دون النعناع هو شاي عادي، ومعه يصبح شاي نعناع. كلاهما يذوب في الآخر دون أن يلغيه.
مثال جميل… فيه شيء من الكيمياء.
والكفتاجي كذلك… لا طغيان للطماطم على القرع أو الكمون أو غيرها، كل العناصر تندمج لتصبح طبقاً واحداً اسمه كفتاجي. حتى الشطة، رغم حدّتها، تمنح الطبق بصمته الخاصة.
كانت تنظر إليّ بهدوء، وكأنها تصادق الفكرة. الشاي بالنعناع كان ينعش الحواس، ودخان السيجارة يتصاعد ببطء في الهواء.
يبدو أنك تمارس تفكيكاً للطبق… كما كنا نفعل في الثانوية مع النصوص.
ربما… لكن الأشياء لا تُفهم إلا بالوعي، تحتاج من يراها بعمق.
أشارَت إلى النادل، فجاءنا بقنينتي ماء بارد. مسحت شفتيها بمنديل ورقي بعد رشفة الشاي، ففعلت مثلها. كانت الساعة تقترب من الثالثة بعد الزوال.
نعود الآن يا حسوني… في الطريق سنتوقف عند محطة الوقود، سأشتري لك لوح شوكولاتة كما وعدتك يوم بدأت هذه السفرة. لم أنس ذلك.
وأنا أيضاً لم أنس، يا صغيرتي الجميلة.
ياااه… جميلة؟ كم أسعدتني هذه الكلمة.
حملت حقيبتها الصغيرة، وغادرنا المقهى. كان الجو حاراً، والنظارات الشمسية ضرورة لا رفاهية. السيارة ليست بعيدة، عند ناصية الشارع.
كان الطريق سهلاً، والحافلات قليلة. محطة الوقود في منتصف المسافة.
الجزائر تورد لنا النفط.
جارٌ مخلص لجاره… ولو كنا مكانهم لفعلنا الشيء نفسه.
أكيد… أنتم كرماء.
وقفنا أمام متجر صغير داخل محطة الوقود، أشبه باستراحة مفتوحة، مزدحمة بالمسافرين والسياح، بعضهم يختار المثلجات في صمت.
سأختار هذه القطعة.
هذا لذيذ… وخذ معك مشروباً أيضاً.
في داخلي شعرت بفرح خفيف، التفتُّ إليها مبتسماً:
شكراً جزيلاً.
واصلنا الطريق، أو لعل الطريق هو من كان يقودنا. الإسفلت حار، حتى بدا وكأني أشفق على إطارات السيارة.
ومن نافذتي كانت سوسة تقترب ببطء، والبحر هادئ كلوحة ساكنة. ظهرت لافتة تشير إلى القنطاوي بسهم إلى اليمين، ثم ساحة دائرية صغيرة تفصل بين المدينة والطريق الساحلي.
مررنا قرب حديقة الحيوانات، ثم أوقفنا السيارة في موقف قريب، ومشينا نحو الشقة… ثمان، تسع، عشر خطوات.
الشقة كانت باردة، التكييف ينعش الهواء. جلست على كرسي، أخرجت قنينة ماء بارد. وهي كانت تغسل وجهها وتعيد ترتيب شعرها.
على فكرة يا حسوني… خذ حماماً ونَم قليلاً. سأغيب بضع ساعات، لدي زيارة لصديقة نجحت ابنتها وهناك احتفال صغير.
لا بأس… هذا شيء جميل.
لا تقلق، سأعود قبل الغروب. وهذا جوازك، ضعه في حقيبة السفر. باي حسوني.
باي…
وانسابت المياه على جسدي، بينما ظل طعم الكفتاجي يرافقني، كأنه يصرّ على أن الطباخ كان فعلاً ماهراً… أكثر مما يبدو في طبق.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)


المزيد.....




- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...
- فيلم مايكل جاكسون يصبح فيلم السيرة الذاتية الأعلى إيرادا على ...
- فيلم جديد يعيد إحياء رواية -12 كرسيا- الكلاسيكية في السينما ...
- أمريكا: المحادثات الفنية مع إيران لا تزال في مسارها الصحيح
- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (48)