أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (45)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (45)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 12:48
المحور: الادب والفن
    


حملتُ “علاكة السفرة”، وتلمّستُ ما بداخلها بأصابعي. من عادتي، حين أنزل أي درج، أن أعدّ خطواته: ثمانٍ، تسع، عشر… حتى نصل إلى الرصيف.
كانت حنان ترتدي قبعة دائرية تشبه ملامح وجهها، ونظارات شمسية، وبنطال كتان رمادي، و“تشيرت” بلون قمحي. كانت تمسك بيدي، كأنها تخشى أن أتيه في الطريق القصير المؤدي إلى الحديقة.
قالت: رسم الدخول نشتري به طعامًا وحبوبًا للطيور.
ألم نجلب معنا طعامًا لها؟
أشارت نحو الطاولة: ندفع للموظف هناك، ونأخذ منه.
فهمت.
ديناران… رسم الدخول والتذكرة. كل واحد منا حمل كيسًا صغيرًا. الحديقة تعج بالطيور. لا أسود فيها ولا نمور.
قالت حنان: حسوني، كيف وجدت الحديقة؟
رومانسية… ممتعة. دعيني أطعم هذه الطيور. سألتقط لك صورًا.
أفرغتُ كيسي. سحبتْ هي كيسها أيضًا.
لا… أنا أيضًا أحتاج صورة.
لأول مرة أراها من خلال عدسة كاميرتي… أغمضتُ عيني وضغطت زر التصوير.
سحبت الهاتف من يدي، وحدّقت فيه: تجيد التقاط الصور… زاويتك جميلة.
كان هناك الكثير من العوائل، مع أطفالهم، يحملون أكياس الطعام، يركضون فرحين. شاب يواعد فتاة عند مفترق يؤدي إلى أقفاص الدجاج السوري.
لو كنت أعلم أنني سأكون هنا... لوعدتها عند قفص العصافير الملونة.
ابتعدتُ قليلًا. دينار معدني، ثم آخر. أخذنا كيسين من الطعام.
ابتسمت وقالت: وهذه العصافير الملونة التي نسيت أن تكتب لي عنها؟
ضحكتُ، وأنا أطعم عصافيري الجميلة.
وجدنا مكانًا للجلوس: أريكة تحت ظل شجرة كبيرة، وبالقرب منا خرير ماء هادئ.
تعال نجلس هنا… هات “العلاكة”… جعت؟
هزتُ رأسي. فتحتْ الكيس، وأعطتني سندويشًا. انتهيتُ قبلها كعادتي.
بصوتٍ ممتلئ ببقايا الطعام قالت: تريد أخرى؟
تعودت… من يأكل مع الجنود ببطء لا يشبع.
هل شبعت؟
كنا نشبع دائمًا… وين البيبسي؟
خذ، هذه لك وهذه لي.
بيدي، رفعتُ قبعتها الدائرية، ثم نظاراتها السوداء.
لم تعترض… فقط ابتسمت: أبدو جميلة؟
بالقبة والنظارات… جميلة. ومن دونهما أيضًا.
مرّ رجل ستيني يحتضن يد امرأة تصغره قليلًا. حيّانا، ورددنا التحية بأحسن منها.
أعدنا ما تبقى من الطعام والقناني الفارغة إلى الحاوية. حملتُ قنينة الماء الفارغة، بينما كانت حنان تمسك بيدي كي لا أتيه.
خرجنا من الحديقة، وعبرنا الشارع الهادئ إلى رصيف أصفر عند بوابة مفتوحة، تقود إلى مدينة ألعاب مائية للأطفال.
نظرنا إليها بصمت.
كنتُ بحاجة لأن أكون في الصف الأول الابتدائي… كي يحق لي أن ألعب داخل ذلك الماء الأزرق.
أمامَ الشَّمسِ متَّسَعٌ من الوقتِ قبل أن تغرب، غادرنا بوابةَ الألعابِ المائيَّة، وتوجَّهنا صوبَ الشقَّة. الجوُّ يبدو حارًّا، هكذا شعرتُ.
الجوُّ باردٌ داخلَ شقَّةِ القنطاوي. رمتْ قبَّعتَها بجانب "شَفَقَتي"، النظَّارتانِ متجاورتان. غسلتُ وجهي بماءٍ بارد، أشعرُ بفرحِ العائدين من سفراتهم قبل غروبِ الشَّمس.
حنان كانت تعيدُ ترتيبَ شعرها، ربَّما هي الأخرى عاشت رحلةً جميلةً اليوم، أكلتْ سندويشًا، وشربتْ بيبسي، وأطعمتِ الطيور، والتقطتْ صورًا.
كانت بيدها قنينةُ ماءٍ بارد، وضعتها أمامي، وجلستْ كأنها تحاول فتحَ الحديث:
- كيف كانت رحلتُك، حسوني؟
- جميلةٌ جدًّا.
- ما الذي أعجبك فيها؟ هيَّا، احكِ لي.
- أشياء كثيرة، أهمُّها أنَّ معلمتي لم تترك يدي، كانت تخاف عليَّ من الزَّحمة.
ضحكتُها جِنان. ليتني أجد أغنية "أبو ضحكة جِنان"، سأشغِّلها على اليوتيوب.
- معلمتك حنان؟
- إي هي.
كانت الأغنية تصدح:
يا أبو ضحكة جِنان
مليانة حنان
اضحكها كمان وكمان
يا أبو ضحكة جِنان
كنتُ أنظر إليها، هي اندمجتْ مع الأغنية، وبقيتُ أحدِّق فيها، وفريد يواصل:
الفاكهة بتطرح على عود ياسمين
والروح والعين تاهوا الاتنين
يلاقوها يا قلبي منين ولا منين
واضحكها كمان وكمان
يا أبو ضحكة جِنان
- حسوني، ذوقُك راقٍ في الأغاني، هل كنتَ تسمع الأغاني قديمًا؟
- سماعُ الأغاني لأم كلثوم وعبد الحليم، وأنتَ في البيت، تهمةٌ كبيرة.
- علاش تهمة؟ يستر ربِّي.
ضحكتْ وواصلت:
- لو كنتَ أعزب، ووصل الخبر إلى أمِّك أو أبيك، فسيبحثون لك فورًا عن زوجة.
- يا خرابي! تهمة؟ طيب ولو كنتُ متزوِّجًا؟
- تهمتان؛ الأولى: متزوِّج وتسمع أغاني، والثانية: هذا يحب ويريد أن يتزوَّج.
- مصيبة.
- جيلُنا ما لَحَق؛ لا هو سمع ولا هو اتُّهم، اختصرها جبهاتٌ وحروب. أنا كنتُ أسمع أم كلثوم والشاي بيدي، لكن ما كنتُ أفهم كلامها حينها.
- أنا كنتُ أسمع ماجدة الرومي، وكاظم. أيُّوه، ذكَّرتِني، مرَّة طلبتِ منِّي علم العراق علشان تحضري فيه حفلة الساهر، ولم أرسله.
- لم ترسله، أعرف.
- علاش؟
- الرايات لا تُرسل بالبريد، تُسلَّم يدًا بيد.
حدَّقتْ في عينيَّ، كأنها تقرأ شيئًا ما لم تقرأه من قبل، وقالت:
- مقنعٌ كلامُك.
- ماذا تسمعين أيضًا من الأغاني؟
- أنا أقرأ كثيرًا، ووجود لغةٍ ثانية؛ الفرنسية والإنجليزية، يعطيك عوالمَ أخرى.
- لاحظتُ ذلك. نحن نقول باريس، وأنتِ قلتِ: باغي، أحلى.
- تعرف؟ غزلك صوتيًّا وكتابيًّا متطابق.
- كيف يا حنان؟
- لما كنتُ أقرأ رسائلك، لم أكن أقرأ، كنتُ أسمع صوتَك؛ رسائلَ صوتيةً قبل التكنولوجيا.
نهضتُ صوبَ الطباخ لإعداد كوبِ شاي، أحتاجه مع سيجارة. كانت هي تنظر إليَّ، وأسمعها تقول: اجلب لي عصيرًا، حسوني، لا أحب الشاي كثيرًا.
- يمكنك نقلُ صورك من موبايلي، وأرسلي لي صوري.
سمعتُها تقول:
- مقفلٌ برمز.
- افتحيه، ألم تحزري الرمز؟ حروفٌ وأرقام.
- حسوني، سأحزر، ومتأكدةٌ من صحته.
كنتُ أقف أنتظر الشاي ينضج. طوَّقتْ يداها جسمي، التفتُّ نحوها، عيناها غرقتا بالدموع، وضعتْ وجهها على صدري، وسمعتُ نشيجَ صوتها:
- حروفُ اسمي وسنةُ ميلادي.
- لماذا؟
- مفتاحٌ لا يمكن نسيانه، هو يتكرر معي.
- حبيبي حسوني.
جلسنا عند الطاولة، هي تشرب العصير، وأنا أرتشف الشاي وأتنفَّس السيجارة. كانت هي تتولى إرسال صورها، وترسل لي ما عندي من صورٍ لديها. قديمًا كنَّا نفتح مظاريفَ الرسائل.
- شوف، حسوني، كيف تصل الصور بسرعة! ثوانٍ. نحن مررنا بالبريد الورقي والانتظار، ووصلنا إلى عصر الثواني.
- غيرُنا كان ينتظر الحمامَ الزاجل، حنان.
- موبايلك يكاد يكون فارغًا من الصور.
- لا ألتقط كثيرًا، في المناسبات فقط.
- شفتُ صورك في صفحة الفيسبوك، أغلبها في المدرسة.
- المدرسة مهنتي، آكل منها عيشًا.
- وتسافر أيضًا.
- السفر غذاءُ روحي.
- جميل هذا التعبير، القراءة كانت غذاءَ روحي.
- السفر قراءةٌ أيضًا.
- هل أعدتَ مكتبتك التي أكلها الحصار؟
- لا، حتى عندما فكرتُ بذلك تراجعتُ، الكتب تُقرأ، لا تُخزَّن في الرفوف.
غابتِ الشمس، والضوءُ الخافت خارج الشقة هو الدليلُ للمارين صوب مساء القنطاوي. أسمعها تقول:
- وين تريد نقضي هذا المساء؟
- تسألينني أنا؟ شو عرفني وين.
- خلاص، سنأخذ جولةً قريبةً إلى سوسة المدينة، ليس السياح؛ الناس التوانسة. أنا اليوم مرشدةٌ سياحية.
ضحكتُ وقلتُ لها:
- بيني وبينك، مرشدةٌ ممتازة.
- تعال، كأنك فرحت. أنت سافرتَ برشة، شفتَ مرشدات؟
- والعباس، كلُّهم شباب، ماكو مرشدات، مرشدون فقط.
- بالحق، يكلف السفر عندكم؟
- حاليًّا لا، فقط تقول: نويتُ أن أسافر، شرط أن يكون جيبُك مليان، وحسب البلد الذي تسافر إليه.
- أوك حسوني نوينا نذهب لسوسة المدينة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (32)
- يوميات الحرب والحب والخوف (31)
- يوميات الحرب والحب والخوف (30)
- يوميات الحرب والحب والخوف (29)
- يوميات الحرب والحب والخوف(28)
- يوميات الحرب والحب والخوف (27)
- يوميات الحرب والحب والخوف (26)


المزيد.....




- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...
- فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
- في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا ...
- الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (45)