|
|
يوميات الحرب والحب والخوف (46)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:50
المحور:
الادب والفن
أضواء الشوارع، والسير ببطء، والهواء النقي، توحي أنك أمام مدينة ساحرة. هي تغفو عند البحر قبل ألف عام من الميلاد، وهي ليست مدينة تاريخية بقدر ما هي تاريخ. الطريق ليس طويلاً؛ بضع دقائق ويكون البحر في استقبالك. مقاهٍ شعبية، ومحلات شعبية، وجدران بُنيت بالحجر. نظرت حنان إليّ وهي توقف السيارة في "كراج" صغير: - تبقى السيارة هنا، نحن ننطلق. كنت تنظر لجدران الحجر، صح؟ - إي، من أين يأتي الحجر؟ - هرقلة، مدينة الجبل والساحل، ليست بعيدة من هنا. - مشتقة من اسم هرقل؟ - هي هكذا. هرقل تعرفه أكيد، حسوني؟ - أعرفه، لا أظن كانت لديه جوارٍ. نظرت لي وهي تضع مفتاح السيارة في حقيبتها الصغيرة، وقالت: - ظنك في محله، الجواري في الشرق أكثر. ما الذي فكرك بالجواري؟ - لكونه ملكاً، ليس إلا. كنا نقترب من مقهى واسع، بناء قديم، سقف عالٍ، عمال، لا وجود للعاملات. أتريد أن نجلس هنا قليلاً؟ - نشرب قهوة. طاولة خشب هي الأخرى قديمة، وكراسٍ حديد باللون الأبيض، وأيضاً منفضة سجائر. اقترب العامل، سمع الطلب، وتركنا. - لم تجب عن سؤال الجواري. - فقط تذكرت عصورنا الذهبية عندما كان للملوك جوارٍ كُثُر، الأوروبيون لا يملكون هذا. - لو عاد عصر الجواري، حسوني، كم جارية تشتري؟ - أشتري؟ دعيني أتخيل. إنني في السوق، أحمل ورقة المشتريات التي أعدتها لي أم العيال، أعود ومعي جارية، ماذا يحصل؟ ضحكت وقالت: - خيال رهيب هذا. لكن مثلاً لو كنت رئيس دولة، ماذا تفعل، مولالالالاي؟ - رئيس وليس ملكاً. أول شيء أجمع كل ربات البيوت ونضع موازنة الدولة. - حلو، حسوني. النساء أعرف بما يريد البيت، سأنتخبك. وضع العامل القهوة أمامنا مع قنينة ماء وقدحين، ثم ذهب. - وزارة التخطيط والمالية للنساء. - ينصر دينك، مولاي الحاكم. - باقي الوزارات لا تهم، الشعب يحتاج دولة تخطط، وأموالاً توزع وفق الحاجات الأساسية. - أنت لست رجلاً شرقياً، أنت فكر آخر. حتى شاربك لا يبان، عكس صورتك الأولى بالأبيض والأسود. كانت السيجارة بين أصبعي، والدخان يخرج ببطء. النهوض من كرسي المقهى ضروري للتجوال أمام السوق الضيق والمحلات المتقابلة. متاجر رُصّت رصاً، بضائع خليط بين التراث والجديد، جرار فخارية لا يمكن اقتناؤها وأنت تمر بمحطة ترانزيت وتصعد رحلتين حتى تصل إلى مدينتك. حملت إحداها للتفحص، فسمعتها تقول: - ولاية نابل مشهورة بالفخار، ومدخل المدينة جرة فخار كبيرة زُرعت فيها شجرة صارت هي الأخرى كبيرة. - رأيت هذا على بطاقة بريد وصلتني من معالي وزيرة التخطيط. أدارت وجهها نحوي، وهي مبتسمة العين قبل الشفاه، كأنها تقول: أقسم بالله والوطن والرئيس أن أكون مخلصة في مهام عملي. - التخطيط؟ مناسب، أنا خريجة إدارة وأجيد ذلك. - المرأة المناسبة في الوزارة المناسبة. أرجعت الجرة إلى مكانها. متجر مجاور يعرض تحفيات تصلح لطاولة أو لجدار صغير تُعلّق عليه، لكنها لا تصلح لمكتب مدير مدرسة. متجر ثالث أكبر، ملابس نسائية تونسية، أزياء جميلة، لم ندخله. جواره محل أنيق يبيع مشروبات مثلجة. - تشرب "اللاقمي"؟ - اللي هو شنو؟ - عصير من قلب النخلة. أمسك، اشرب، حسوني. تناولت القدح وتذوقته بطرف لساني: - طعمه يشبه الأناناس، ربما أناناس. كانت هي تواصل شربه بهدوء، هزت رأسها بالإيجاب، واصلت أنا إكمال القدح. - إي، حسوني، يشبه الأناناس. صحتين. - لذيذ، يجب أن نجرب كل شيء يؤكل ويُشرب. - هذا سوق القايد، أوعى تنسى اسمه. تعال نأخذ صورة معاً هنا أمام تلك الجرة. الجولة لم تكن طويلة. هذه الأسواق تحتاج نهاراً كاملاً، فهي تعرض هوية مدينة كاملة. قلت: - هذا السوق يحتاج نهاراً. - نحن نتفرج، الليل أهدأ، والنهار جوه حار، وأنت أمانة عندي، يجب أن أحافظ عليك من الجو الحار. - إن بقي وقت في الأيام القادمة نأتي صباحاً. - إن توفر الوقت، ولا أظنه متوفراً، حسوني. - علاش؟ - وزارة التخطيط لا أحد يسألها. أنت شنو اختصاصك؟ - تربية رياضية. - أنت تتابع كأس القارات في البرازيل اليوم، مباراة أو اثنتين ربما. - لو كنت بالعراق أتابعها، لا أريد تضييع الوقت. في السفر تنسى الهوايات والواجبات أحياناً. كنا نقترب من السيارة. أصعد إلى مقعدي، ومعالي الوزيرة تقود. مسافة قصيرة، ثم تتوقف أمام محل كبير. ننزل نتبضع: غلال، عصير، وولاعة سجائر احتياطية، كما قالت هي. - ما رأيك في جولة بالسيارة نمر فيها من هذه النقطة وصولاً إلى كورنيش بوجعفر، ثم القنطاوي؟ - لا أحد يناقش التخطيط. ضحكنا معاً. كانت هي تتولى شرح ما يصادفنا: أنظر، هذه مجموعة كبيرة من الشقق بنتها شركات إسبانية مواجهة للبحر، هذا بوجعفر، وهذا طريقنا صوب القنطاوي، نأخذه بهدوء. الشارع عريض وممر واحد. هذه المدن تجمع بين الأصالة والأناقة. الحادية عشرة مساءً بتوقيت قمر شرفتنا. كنتُ أنظر إليه كما لم أره من قبل. بعد أيامٍ يكون بدراً، نحن والقمر والبحر جيران. كانت حنان تتصل بوالديها في باريس. أسمع كلاماً أفهم بعضه، وبعضه الآخر يمرّ كالبرق دون أن يستقر في ذهني. هذه اللهجة التونسية خليطٌ من الفصحى العربية، وكلماتٍ فرنسية وإيطالية، وشيءٍ من التركية. حتى نحن في العراق، لهجتنا ممتزجة بين الفصحى وما تبقى من السومرية، ولغاتٍ مرّت عبر التاريخ؛ فارسية وتركية وغيرها. أنهت مكالمتها. كنتُ أراها تتجه نحو أكياس الغلال. اقتربتُ منها، فنظرت إليّ وقالت: هذا تينٌ شوكي، وهذا أيضاً تين يا حسوني، اسمه "الكَرْمُوس"، وهذا صديقك العنب. هذا أعرفه، "الرَّكِّي". دُلّاع، تسمونه "رَكِّي"، وفي مصر "بطيخ". تعددت الأسماء. إي نعم، وهذا معروف، خوخ. كانت تضع الفاكهة في الصحن الكبير المزخرف. نظرت إليّ وقالت: أُعدّ طبقاً صغيراً؟ صغيراً جداً، ريثما ألبس الدشداشة. سمعتها تقول وهي ترتب صحننا الصغير: كانت أمي تكلمني، تسأل عن حالي وأحوالي. وكيف حالها هي؟ بخير. جاءت تحمل صحننا وجلست عند الطاولة. انظر، هذه صورتها عند برج إيفل، وهذه مع زوجة عمي. صور جميلة. شفت صورك عند الأهرامات يا حسوني. أنت توثق سفرياتك بالصور، لكن في تونس لم تنشر سوى صورتين فقط. عندما أعود أنشرها. بل إني أفكر أن أحوّل رحلتي هذه إلى يوميات وسلسلة حلقات أنشرها. نظرت إليّ مبتسمة: رائع هذا يا حسوني، أكون معك فيها، يقرأ الناس عني. وكيف يؤكل هذا التين الشوكي؟ نسيت يا حسوني، يجب تقشيره. الغلال هنا طعمها رائع. الأرض يا حسوني خصبة، والفلاح التونسي محترف في الزراعة. لاحظت ذلك، الفلاح في أي مكان هو ابن الأرض. وأنت لست فلاحاً، أعرف أنك من عائلة عمالية. أبي، رحمه الله، كان يبني البيوت، وأمي ابنة فلاح. عندما تزوجها أبي لم تعد فلاحة. قلت لي مرة إنها أصغر من الوالد بثمانية عشر عاماً. أكان كبيراً حينها؟ هي كانت صغيرة، وكانا جيران. ربما كانت تناديه "عمو" وهي طفلة. يعني طالعة من بيت أبوها، رايحة لبيت الجيران، بس حلو هيك والله. كان ضحكها القوي يجعل الشقة تهتز. عمو علي... عمو حسوووني! حلوة كلمة "عمو حسوووني"، طالعة من فمك عسل. ومن عمو أنجبت حسوني والإخوة الباقين. حياة الناس سابقاً كانت بسيطة، لا تعقيد فيها؛ يعملون، يرجعون إلى بيوتهم، يأكلون، يذهبون إلى المقهى، ثم ينامون. لا موبايل ولا ما يحزنون. بالحق، هذا الجيل "موش" عارف هدفه، خايبين، ما يعرفوش الزين من الطايح. حتى عندنا هذا الجيل موجود، لكنه يختلف عنكم. أنتم على الأقل الشباب يعملون. عندكم "دبّر راسك"، وعندنا دلال أكثر من المطلوب. تريد أن أقشر لك تينة أخرى؟ عرفت كيف أقشرها، أتعبتك معي يا حنان؟ شنوّا تعبك؟ أزعل يا حسوني. أنا اللي تعبتك بالسفر والترانزيت. جيتَ، يا حبة عيني، وعيونك حمراء من سهر المطارات. دمك خفيف. أنا أمقت الترانزيت، متعب، وأحياناً تضيع الحقائب فلا تجدها. حصلت معك؟ لا، لكنها تحصل مع الآخرين. هذه أول مرة أجلب حقيبة كبيرة. في كل سفرياتي أحمل حقيبة رياضية، كأني ذاهب إلى المدرسة، أصعد بها إلى رف الطائرة. قالت: قلتَ إن السفر قراءة، ماذا قرأت في سفرياتك؟ السائح يأخذونه إلى أرقى الأماكن، يرى الصور الجميلة، ثم يرجع وهو لا يعرف سوى فنادق الخمس نجوم والمسابح. اصعد مع أي سائق أجرة، تكتشف الواقع. طبيعي، هو سائح جاي يقضي أسبوعاً ويرجع "فِيسَع". "فيسع"... نحلل هذه الكلمة، يبدو أن بعض حروفها مفقود. يا حسوني، أنت مدهش! تعني: بسرعة. أنتم تأكلون الحروف، أقصد تختصرون الكلمات؛ "هاكا" بدل "هكذا". لهجتكم سريعة. أمازيغي على طلياني على فرنساوي... وماشي الحال. وحتى أنتم في العراق، لهجتكم صعيبة على واحد يتعلمها. الأغاني معلمٌ جيد للهجات. الأفلام المصرية جعلت لغة التخاطب بين العرب أقرب إلى اللهجة المصرية من الفصحى. نظرت إليّ وقالت: شكلك نعسان. حان موعد النوم حسب توقيتي. كان يوماً طويلاً؛ فيه رطوبة وحدائق وتاريخ. كيف ستكتب كل هذا؟ أنت وعدتني بذلك. هاتِ الشرشف، هذا الأبيض، غطيني... وإعداد الفطور عليك. انطفأ المساء بهدوء، وبقي القمر وحده ساهراً فوق البحر، يحرس ما تبقى من حكايات ذلك اليوم.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات الحرب والحب والخوف (45)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (44)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (43)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (42)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (41)
-
يوميات الحرب والحب والخوف 41
-
يوميات الحرب والحب والخوف (40)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39)
-
يوميات الحب والحرب والخوف (37)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (36)
-
يوميات الحرب والحب والخوف(35)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (34)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (٣٣)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (32)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (31)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (30)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (29)
-
يوميات الحرب والحب والخوف(28)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (27)
المزيد.....
-
في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا
...
-
أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
-
-خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي
...
-
فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا
...
-
اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
-
وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال
...
-
ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
-
افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم
...
-
اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما
-
نيكيتا ميخالكوف ينتقد عرض فيلم -المترجم- لغاي ريتشي في روسيا
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|