أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (53)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (53)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 16:54
المحور: الادب والفن
    


لا أدري كم نمت. أيقظني صوت سيارات مرّت في الشارع. رفعت رأسي نحو باب الشرفة الزجاجي، كانت الشمس قد سبقتني إلى النهار. نظرت إلى ساعة الموبايل؛ الثامنة بتوقيت تونس، والعاشرة بتوقيت المنزل. شعرت أن جسدي استعاد توازنه بعد أيام من التنقل. الخاولي الأزرق كأنه قفز من مكانه ليستقر على كتفي. ربما قبلني، هكذا خُيّل إليّ. غسلت وجهي. هذا الصابون مغرٍ، وإن وجدته في الجمعية سأشتري منه بعض القطع. أعرف أنه لن يكفي العمر كله، لكنه سيكفي زمناً منه.
قالت لي أمس: «كل بيض». لم يكن الأمر استجابة لوصيتها، بل لأنني أنا أيضاً أرغب بذلك. بيضتان عيون بزيت الزيتون، ورشة ملح خفيفة. وضعت الشاي على النار، وانتظرت. أما الخبز فيجب أن يكون ساخناً. فكرت أن أتصل بها، ثم تراجعت. ربما ما زالت نائمة. هي أيضاً تعبت في الأيام الماضية.
جلست إلى الفطور. الرشفة الثانية من الشاي تتبعها سيجارة، ثم رشفة ثالثة، ونفس آخر من السيجارة. ثنائية الصباح القديمة. فتحت صفحتي قليلاً. الناس هناك ينشرون يومياتهم كما أفعل أنا. هذا يلتقط صورة لطعامه وأطفاله حول المائدة، وذاك يوثق يوماً عادياً في العمل. حتى محمود، عامل البناء الذي عملت معه في التسعينيات، ما زال ينشر صوره بين العمال وهو يبني بيوت الناس.
عدت أنظر إلى الموبايل. قلت لنفسي: لا، لن أتصل بها. اهتز الهاتف في يدي. هي.
قالت: صباحو حسوني.
قلت: صباحو يا كلي.
قالت: صحيت؟
قلت: من شوية. توا فطرت.
قالت: أنا في الطريق إليك. حضّر الشاي لي، شاي فقط.
قلت: من عيني.
قالت: باي مؤقتاً.
قلت: باي.
رتبت الطاولة وأحضرت قدحاً آخر. أعدت إبريق الشاي إلى نار هادئة. الشاي الثاني سيكون معها، وله طعم مختلف بالتأكيد. لم تمضِ فترة طويلة حتى سمعت طرقة على الباب. هرولت نحوه.
قالت: صباح الخير.
قلت: صباح الورد.
نظرت إليّ بعينين مبتسمتين.
قالت: نمت كويس حسوني؟
قلت: أي، شبعت نوم. وإنتِ؟
قالت: وأنا أيضاً.
أشرت إلى الطاولة.
قلت: هذا الشاي. تريدين معه قطعة كيك؟
قالت: لا، فطرت في الدار. لكن الشاي معك حلو. تعال أحاسبك.
قلت: علاش تحاسبيني؟
فتحت حقيبتها وأخرجت بعض العملات العراقية وهي تضحك.
قالت: وجدتها في جيب البنطلون. ما انتبهت لها؟ قبل أن أضعه في الغسالة نفضته فوقعت أمامي.
قلت: أها... هذا البنطلون الذي ارتديته من بغداد إلى القاهرة ثم إلى هنا.
قالت: خذها. ضعها مع باقي العملات. بالحق، عندك مصروف كافٍ؟
قلت: عندي ما يكفي، لكن اليوم أحتاج أن أصرّف بعض العملة.
كانت أوراقاً خرجت معي من بغداد، وعبرت القاهرة، ووصلت إلى سوسة، ثم عادت إليّ من يدها. قالت وهي تضع القدح جانباً:
اليوم ما في برنامج. نخرج مساءً فقط. نرتاح أحسن. أما الغداء فخذ هذه الورقة واذهب إلى الجمعية وهاتِ الموجود فيها، ونعمل الغداء هنا.
قلت: حاضر يا أمينة هانم.
قالت: روح الآن.
ضحكنا معاً. نظرت إلى الورقة.
قلت: دقيقة... هذه ثلاث كيلوات طماطم؟
انفجرت ضاحكة.
قالت: ثلاث حبات يا حسوني، مو ثلاثة كيلوات. نحنا نعمل وجبة على قدنا.
قلت: فهمت. لن أتأخر.
الجمعية مرة أخرى. أخذت الطلبات واحدة واحدة. كيلو رز حبة طويلة، وخضار وبعض الحاجيات الأخرى. سألت عن بعض الأشياء، فأشارت البائعة إلى مكانها. جمعت الأكياس وتأكدت من مطابقتها للورقة. ثم عدت إليها كأنني فتحت الأندلس من جديد.
طرقت الباب. فتحت لي وهي تضحك، وأخذت الأكياس من يدي.
قالت: ما بك تضحك حسوني؟
قلت: لا شيء. عيشتِني دور سي السيد.
قالت: وإنت سي السيد... بس في سوسة، مو في خان الخليلي.
وضعت المشتريات على الطاولة وبدأت ترتبها. ثم قالت فجأة:
أنت ما سافرت وحدك في هذه الرحلة. أنا أيضاً مسافرة.
رفعت رأسي إليها.
قلت: فعلاً. شعرت بهذا أمس في الحمامات.
قالت: حقاً؟
قلت: نعم. صحيح أنك في سوسة، جوهرة المتوسط، لكنك لم تكوني ابنة المكان. كنتِ سائحة مثلي.
ابتسمت وقالت:
مرات كنت أشوف رحلاتك وصورك على صفحتك وأقول: هذا الرجل يعرف كيف يعيش.
قلت: السفر ليس بالمكان فقط. ممكن أقضي يوماً مختلفاً في بغداد نفسها؛ مطعم أو فندق أو مشية طويلة، فأشعر أنني سافرت.
دفعت إليّ بصلة كبيرة.
قالت: ساعدني، قشّر هذه.
قلت: إلا البصل.
ابتسمت.
قالت: ساعدني، أمقت تقشيره.
لم يكن أمامي خيار. في تلك اللحظة لم تكن الست أمينة، ولم أكن سي السيد. كنا سائحين التقيا في الطريق، يعدّان غداءً بسيطاً في مدينة على البحر، وقد لا يأكلان منه إلا القليل.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)
- يوميات الحرب والحب والخوف (36)
- يوميات الحرب والحب والخوف(35)
- يوميات الحرب والحب والخوف (34)


المزيد.....




- -الظلال في الجانب الآخر-.. كيف قارب المخرج الفلسطيني غالب شع ...
- تسمية الفنانة روزينا لاذقاني ضمن قائمة أعضاء مجلس الشعب في س ...
- اختيار الفنانة روزينا اللاذقاني لعضوية مجلس الشعب السوري
- حرفة -عظم اليمال المنحوت- تدخل سجل العلامات التجارية الإقليم ...
- فنانة ليبية تتهم مخرجا بتهمة خطيرة في مصر
- القناة الفضائية الروسية -Ru.TV- تطلق مسابقة -صوت البلاد- الغ ...
- -أمسية الشاعرات-.. عقيلة الشرع تشارك في الاحتفال بالإبداع ال ...
- محادثات أمريكية إيرانية -غير مباشرة- في الدوحة.. ومصدر يكشف ...
- متحف روسي يعرض رسائل الأديب -إيفان بونين- السرية إلى الكاتبة ...
- روسيا تستضيف مهرجان -ما وراء الصوت- الموسيقي العلمي بأكثر من ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (53)